ثقافة الإسلاميين السياسية في تركيا ومصر: تراث وخصائص مشتركة

ثقافة الإسلاميين السياسية في تركيا ومصر: تراث وخصائص مشتركة

مشاهدة

22/05/2019

ترجمة: مدني قصري


تتمثل الإشكالية المركزية للنهضة الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين في تحديث وتوحيد وتطوير الدول الإسلامية؛ ثقافياً وفكرياً وسياسياً، من خلال العودة إلى المصادر الأساسية، القرآن الكريم والسنة النبوية، والتخلص من الإمبريالية الاقتصادية والسياسية، والحُكام المستبدين والخرافات الشعبية؛ فسواء أُطلِق عليها اسم التجديد، أو الإصلاح، أو الإحياء، فقد طرح السؤال نفسَه بنفس الحدة في القاهرة واسطنبول، وهذا ما يتناوله المؤرخ التركي فاروق بيليتشي.(1)

بعد خطابه بمناسبة افتتاح جامعة اسطنبول لـ"دار الفنون" العام 1870 وُصِف الأفغاني من شيخ الإسلام بأنّه زنديق

إذا كان الأفغاني (1838-1897)، المؤسس الرئيسي لهذه الحركة، قد غيّر أكثر من إستراتيجية وفقاً للعاصمة التي أقام فيها، ووفقاً للحاكِم الذي كان مستشاراً له، فإنه يبدو أنه ظل يحافظ على نفس الهدف دائماً: استخدام الثقافة التقليدية والدوافع الدينية للشعوب الإسلامية، لجعلها تقاوم على جميع المستويات، الغزوَ الغربي، وبالتالي استعادة الاستقلال السياسي الكامل.
من خلال انفصاله عن العلماء التقليديين المرتبطين بالسلطات القائمة، غادر الفكرُ الإسلامي، مع الأفغاني وخاصة محمد عبده، منازلَه المتداعية، وانحدر إلى الساحة الغارقة في اضطراب اجتماعي كامل. وقد تعرّض الأفغاني، الذي تَاه وتمزّق بين الوضْعِيّين، والقوميّين ورجال الدين، خلال رحلتيه إلى إسطنبول، لردّ فعل هذه العاصفة.

فاروق بيليتشي، مؤرخ تركي فرنسي
في العام 1870، بعد خطابه بمناسبة افتتاح جامعة اسطنبول (دار الفنون)، وُصِف الأفغاني بأنّه "زنديق" من قبل شيخ الإسلام، حسن أفندي، وأجبِر على مغادرة عاصمة الخلافة نحو القاهرة، لقد وُصِف واتهِم بأنه شيعي.. إلخ. وبعد دعوة "السلطان عبد الحميد الثاني" له للمرة الثانية العام 1892، لم يستطع الأفغاني بعد ذلك مغادرة إسطنبول: لقد بدت أنشطتُه مريبة جداً في نظر بطل الوحدة الإسلامية، ولذلك لم يسمح السلطان بسفر هذا "المهدي" إلى عواصم أوروبية وشرقية لتحريض المسلمين ضد القوى الغربية. إنّ الإسلاموية التي دعا إليها الأفغاني لم يكن لها، في الواقع، نفس المحتوى الفكري الذي كان في ذهن السلطان، الأكثر واقعية، والمتمحورة حول انشغالاته الدبلوماسية.
جمال الدين الحسيني الأفغاني

القاهرة - اسطنبول: محور الإسلاموية
على الرغم من هذه الاختلافات، وجد الأفغاني ومحمد عبده أصداء إيجابية في إسطنبول، إلا أنّ الإسلاميين الأتراك اتبعوا عموماً طريقاً أكثر "عبدُوِية" (نسبة إلى محمد عبده)، مُفضّلين إعادة بناء مجتمع إسلامي راسخ في الزمن. في هذا كتب نامق كمال (2) في العام 1872: "يجب أن نسعى لتوحيد شعوب الإسلام ليس بالأهداف السياسية أو المشاكسات العقائدية، ولكن بحضور الدعاة وصفحات الكتب"، وبدفاعه عن التحديث الإسلامي، كان يعتقد أنّ العثمانيين كانوا أقرب المسلمين إلى أوروبا، والأكثر تقدماً على طريق التحديث، وأنّه من الطبيعي أن يقع على عاتقهم إظهار الطريق أمام شعوب الإسلام الأخرى.

اقرأ أيضاً: الليبرالية القلقة: الوفد والقومية والاستقلال
لم يتمكن الإسلاميون، مثل الشباب الأتراك، من التعبير عن أنفسهم بحرية إلا انطلاقاً من ثورة 1908، وهي فترة تميّزت بانتشار العديد من المجلاّت المؤيدة لمشكلة التحديث، حسب محمد عبده. ثلاثة منها، "سبيل الرشاد"، و"سراط المسلمين"، و"إسلام" كانت هي القواعد النظرية التي وُلِد فيها الفكر الإسلامي التركي في النصف الأول من القرن العشرين.
مهما كانت الفروق الدقيقة، فإنّ مُؤلفين، أمثال؛ سعيد حليم باشا (1863-1921)، وأحمد حلمي (1865-1914)، وفريد كام (1864-1944)، ومحمد عاكف إرصوي (1873-1936)، أو شمس الدين غونالتاي (2) (1883-1961)، وجميعهم تلقوا تكوينهم في المدارس "العلمانية"، أو العلماء، مثل الشيخ الإسلام موسى كاظم أفندي (1858-1920) أو محمد حمدي يازير (1878-1942)، تميّزوا جميعهم بتأثير الأفغاني وعبده.
هناك شخصيتان تبرزان من المجموعة الأولى؛ الأول مصري المولد والثقافة: سعيد حليم باشا، والثاني شخص معجب بالأفغاني وخاصة محمد عبده، قضى أكثر من عشر سنوات في مصر، إنه محمد عاكف إرصوي، الشاعر الشهير الذي كتب النشيد الوطني لجمهورية تركيا، والذي ما تزال جميع الأجيال الإسلامية تُردّد أعماله عن ظهر قلب.
سعيد حليم باشا

سعيد حليم باشا
من مواليد القاهرة، وحفيد محمد علي باشا، يُعرف سعيد حليم باشا برئيس الوزراء الذي لم يستطع منع دخول الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ومكافأةً لدعمِه المالي للشباب الأتراك المنفيين في أوروبا ومصر بعد ثورة 1908 مُنح مناصب رئيسية في الإمبراطورية المترددة، كان على التوالي رئيساً لمجلس الدولة، ثم وزيراً للخارجية، ورئيساً للوزراء (1913)، ثم تم ترحيله إلى مالطا في العام 1919 مع قادة آخرين من الإمبراطورية خلال الحرب، عندما أطلق سراحه العام 1921، قُتل في روما على يد الأرمن.
تركزت كتاباتُه في المقام الأول على التنظيم الاجتماعي والسياسي للدول الإسلامية، وعلى السؤال الذي يطرحه جميع الإسلاميين من الجيل الأول، وهو: أسباب التأخير المتراكم لدى المجتمعات الإسلامية، مقارنة بالغرب. فبينما هو مقتنع بأنّ الإسلام يجمع كل العناصر الضرورية لسعادة الإنسانية، إلا أنه يرى أن الأديان ليست عوامل حاسمة في عملية تنمية المجتمعات، فبالنسبة له، يوضح المثال الياباني أنه حتى الأديان غير السماوية لا تشكل عقبة أمام التنمية.

اقرأ أيضاً: قصة المصائر المتشابكة للقومية العربية والصحوة الإسلامية
هذا التأخير، حسب قوله، يجب أن يُعزى إلى عدّة أسباب؛ أولاً، لقد أسيء فهم المسلمين للوصفات الإسلامية، حيث ظلت مجتمعاتهم مرتبطة بمؤسسات ما قبل الإسلام، لذلك لا بد من إعادة قراءة المصادر بعناية أكبر، قراءة تعتمد على التغييرات التي يفرضها تغير الزمن والاحتياجات الجديدة. والسبب الثاني لهذا التأخير هو، حسب سعيد حليم، التعصب المسيحي الذي أثار صراعات مسلحة لا حصر لها مع المسلمين، وبالتالي منع المسلمين من متابعة تطور الدول الغربية، عندما أصبح المسلمون متعصبين مثل المسيحيين، ربما اعتقد المراقب غير الواعي أنّ تخلف المسلمين جاء من دينهم.
التأثر بأفكار الأفغاني وعبده
وهكذا، بينما كان الغرب مشغولاً بتطوير العلوم والتكنولوجيا، كانت الشعوب المسلمة، المنطوية على نفسها، تناقش المشكلات الميتافيزيقية العقيمة، وقد استغل الغربيون فترة النوم هذه، فاحتلوا الدول الإسلامية بأكثر الأسلحة فاعلية، ومع ذلك، كان لدى هؤلاء المحتلين رؤية قصيرة لدرجة أنّهم لم يفهموا أنّ مواقفهم القاسية ستؤدي حتماً إلى رد فعل عنيف من جانب المسلمين المضطهدين، وبتبنّيه لفكرة التطور السياسي المتمايز للشعوب المسلمة، اعتنق سعيد حليم باشا، إلى حد كبير، أفكار الأفغاني وعبده.

بينما كان الغرب مشغولاً بتطوير العلوم والتكنولوجيا كانت الشعوب المسلمة تناقش المشكلات الميتافيزيقية العقيمة

بالنسبة له، الإسلام مماثل للرياضيات: مثلما لا يوجد للرياضيات وطن، فلا يمكن أن نتحدث عن إسلام تركي، أو عربي أو إيراني أو هندي؛ الإسلام، مثل العلوم الدقيقة، يمكنه تطوير الثقافات المحلية. بالنسبة للأمير، "أفضل أشكال المجتمع المسلم هو ذلك المستند إلى الأمم"، وهنا يخرج سعيد حليم كثيراً عن "اتحاد الشعوب المسلمة، كما كان يتصوّره السلطان عبدالحميد الثاني، مقترباً من أطروحة محمد عبده.
مصطفى صبري أفندي أحد الجدليين المحافظين لنهاية الإمبراطورية العثمانية

محمد عاكف آرصوي
على الرغم من أن أعماله لا تزال تُطبَع، وموضِع تعليقات على نطاق واسع من قبل أولئك الذين قد يُطلَق عليهم "الإسلاميون القوميون"، فإنّ سعيد حليم باشا ليس له اليوم لا سمعة ولا حضور محمد عاكف آرصوي، فهو  من أصل ألباني، درس الطب البيطري. فهذا الملقب بـ"شاعر الإسلام" (cha'iru'I-Islam)، الرافض للقومية العربية والتركية، يجسد الإصلاحية الإسلامية الأكثر تطرفاً، وفقاً لمدرسة المنار.

رأى البعض أن قمع الخلافة هو أحد العوامل التي أدّت إلى قيام الإخوان المسلمين على يد حسن البنا في عام 1928

طوال حياته، دافع آرصوي عن استقلال المسلمين، منتفضاً أيضاً ضد بؤس الأمة، وتُلخّص قصيدته الشهيرة "المشرق"، التي كُتبت عام 1918، أفكارَه وتشاؤمه تجاه الشعوب المسلمة:
"قيل لي: ماذا رأيت، لقد سافرتَ كثيراً في الشرق؟ رأيت هنا وهناك: مدناً في حالة خراب، وآثاراً على الأرض، وشعوباً (أمة) بدون قائد، وجسوراً منهارة، وقنوات مكسورة، وطرقاً من دون مسافرين، وظهوراً منحنية، ورقاباً نحيلة، ودماءً هامدة، ورؤوساً بلا تفكير، وقلوباً قاسية، وأرواحاً صدِئة. وتمرّدات، وعبودية، وديكتاتوريات، واختناقات، ونفاقاً، وهواجس مثيرة للاشمئزاز، وأمراضاً، ومنازل خالية من الدخان، مغطاة بالعنكبوت، وغابات محروقة، وحقولاً بدون زراعة، ومنازل مليئة بالعشب، ومحاصيل فاسدة. وأئمة بلا أتباع، ووجوه قذرة، ورؤوساً بلا سجود. وأتباعَ نفس الديانة يقتلون بلا رحمة إخوانهم باسم "الحرب المقدسة"، ومساكن غير مأهولة، وقرى خالية، وأسقف منهارة، وأياماً من بدون عمل، وأمسيات من دون تأمل!..".

اقرأ أيضاً: خسائر قضية فلسطين بين القومية والإسلاموية
كان المسافر الكبير الأفغاني، قد رأى أيضاً كلَّ هذا، وأراد التصرف بسرعة من أجل ثورة جذرية، آرصوي، بدفاعه عن الأفغاني ضد العلماء المتعصبين، يذكر سلفه اللامع في صفحات "سبيل الرشاد" Sebillurresad باحترام كبير، لكنّه كان يفضل الجانب التربوي لفكر عبده:
"أنا أيضاً أريد الثورة، لكن مثل عبده.. ليس مثل بعض قطاع الطرق، الذين بسلاح غير حاد، يريدون استثمار الباب العالي وشنق الرجال. خذْ كل إخوانك، واذهب أنت نفسك بعيداً، لا تبقَ في الوسط، يا بني، اتجه نحو طريق صغير! وإذا هناك من وسيلة، فاذهب إلى أوروبا غداً!".
مصطفى صبري أفندي
لم يكن هذا حالَ منفيٍّ تركيٍّ آخر في مصر، وهو مصطفى صبري أفندي، المعروف باسم التوقادي (1869-1954)، وهو شيخ الإسلام سابق وأحد الجدليين المحافظين لنهاية الإمبراطورية العثمانية الذي كان جزءاً من أشهر مائة وخمسين شخصاً منفيّين من قِبل قوميّي أنقرة، بسبب تعاونهم مع السلطان خلال حرب الاستقلال. كان زعيم المحافظين الإسلاميين مع عاطف أفندي (شُنق في العام 1926) ومؤسس حركة نوركو سعيد النورسي، كان إنتاج مصطفى صبري هائلاً، لقد نشر نحو عشرة كتب. في الفترة من 1930 إلى 1954، تاريخ وفاته، مكث في القاهرة حيث واصل جدالاته اللاهوتية السياسية ضد تلاميذ عبده، وخاصة حول ترجمة القرآن الكريم. ففي هذا المجال، انتقد المراغي وفريد وجدي.

صحافة الإخوان الجدد وصفت أربكان أنّه الوحيد القادر على عرقلة الصهيونية واليهودية والإمبريالية المسيحية في تركيا

من بين أعماله التي نُشرت في القاهرة، هناك كتابه الذي يحمل عنوان "موقف العقل والعلم والعالم"، في 4 مجلدات (القاهرة، 1950) وهو الأهم؛ فهو يعكس جميع المناقشات التي أجراها الإسلاميون الأتراك والمصريون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وينتقد النظام الكمالي بعنفٍ لإصلاحاته العلمانية، وحتى اليوم، ما تزال كتابات مصطفى صبري المنشورة في القاهرة محظورة، فهي توزَّع في الخفاء باللغة العربية، وترجماتها جاهزة لليوم الذي يسمح فيه التشريع بذلك.
ماذا كان دور مصطفى صبري و"تلميذه" الشيخ النقشبندي، زاهد الكفيري (1879-1951)، المنفي مثله، إلى مصر؟ من الصعب في الوقت الحالي توضيحه بشكل ملموس. لا يبدو أنه كان له تأثير مباشر، على جماعة الإخوان المسلمين، لكن الشهود أخبروني أن السيد قطب قرأ كتبه. إنّ تحليلات مصطفى صبري أفندي النقدية للغاية ضد الفصل بين الدين والسياسة، ومن ثم ضد قمع الخلافة، قد أثرت، بطريقة أو بأخرى، على رؤيتهم للنظام التركي باعتباره نظاماً كافراً. الإسلاميون المصريون، وفي مقدمتهم رشيد رضا، على عكس الهندي محمد إقبال، على سبيل المثال، لم يقبلوا بفكرة قيام جمعية وطنية تُدمِج وظائف الخلافة، ولا وظائف العلمانية بالطبع.
نامق كمال، من رواد القومية التركية

الإخوان المسلمون والإسلامويون الأتراك
رأى البعض أنّ سقوط الخلافة هو أحد العوامل التي أدّت إلى قيام الإخوان المسلمين على يد حسن البنا في العام 1928، ومع ذلك، يبدو أنّ الحركة شعرت أنّها مهتمة قبل كل شيء بمصير المجتمع المصري والعربي. وطوال فترة الحزب الواحد في تركيا، اقتصر تداول الأفكار والأشخاص بين الدول العربية وتركيا على أبسط تعبيراتها.

تُعتبَر مساهمة الإخوان في فكر الإسلاميين الأتراك كبيرة من حيث التفكير في تحديث الحُجَج

المعلومات القليلة القادمة من سوريا والأردن لم يكن من شأنها أن تخلق روابط فكرية دائمة، وقد خرج الإسلاميون الأتراك ضعفاء جداً خلال هذه الفترة.
أدى وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة في العام 1950 إلى فتح آفاق جديدة في هذا المجال: ففي حين تم تخفيف القيود المفروضة على المسائل الدينية، وفي حسن واستئناف التعليم الديني، في انتظار التمكن من تدريب الأئمة والمفتيين بعين المكان، سمحت الحكومة التركية لعددٍ من الطلاب بالذهاب على نفقتهم الخاصة إلى القاهرة وبغداد، لمتابعة الدراسات اللاهوتية. هؤلاء الطلاب (الذين لم تعترف الحكومة التركية بشهاداتهم حتى عام 1974) هم الذين قدّموا في الستينيات من القرن العشرين أفكاراً، وخاصة أعمال سيد قطب، وفي هذا الوقت أيضاً، تمّت ترجمة أعمال أبو الأعلى (أو أبو العلاء) المودودي مباشرةً من اللغة الأردية.
قنوات التواصل
في الظاهر يبدو أنّ الإسلامويين في الشرق الأوسط لا يشترطون حقوق المؤلف؛ "معالم في الطريق" (الصادر في العام 1964) صدر في تركيا في 1967 تحت عنوان Yoldaki Isaretler ، فبصرف النظر عن القليل من الأتراك اليقظين الحذرين عرف الإسلامويون الأتراك على هذا النحو اتجاه قطب، وقبله حسن البنا وخلفه حسن الهضيبي. منذ ذلك الحين تمّت ترجمة جميع كتابات قطب السياسية والدينية، وما زالت تُصدرها العديدُ من دور النشر التركية في وقت واحد، وأهمّها دار حكمت يينلاري Hikmet Yayinlari . تأسست هذه الدار في العام 1969 من قبل طالب سابق في الأزهر لغرضٍ وحيد هو ترجمة ونشر كتاب "في ظلال القرآن". هذا الإصدار حول تفسير القرآن الكريم لسيد قطب، والذي يتألف من 16 مجلداً، بيع منه حتى تاريخ 1990، وفقاً لأحد المترجمين، حوالي 150.000 نسخة.  كما تم بالفعل نشر خمسة عشر كتاباً آخر من كتب سيد قطب، عدّة مرات (كل طبعة تحتوي على ثلاثة إلى أربعة آلاف نسخة)، حافظت الأوساط الإسلامية التركية أيضاً على علاقة خاصة مع شقيق سيد قطب الأصغر، من خلال بعض أعضائها الذين التحقوا بجامعة أم القرى في الرياض، بالمملكة العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: لماذا تعتبر قومية البلوش إيران سلطة احتلال؟
بالإضافة إلى الرسائل العشر الشهيرة لحسن البنا ومذكراته، لا زالت أعمال محمد الغزالي، وزينب الغزالي، وعبد القادر عودة، ومحمد طه بدوي، وكذلك أعمال سعيد حواء، وهو أحد الإيديولوجيين الرئيسيين للإخوان السوريين، الذي توفي العام 1989، تُترجَم  وتُعرَض في واجهات المكتبات الإسلامية في جميع أنحاء تركيا.
تركيا في عيون مصر
لطالما سعى النورسيون إلى ترسيخ أنفسهم في الشرق الأوسط، وخاصة في مصر، فبعد أن ترجمت جزئياً إلى اللغة العربية خلال فترة حياة بديع الزمان سعيد النورسي، ثم على يد العراقي إحسان قاسم الصالحي، نُشرت رسائل النور Risale-i Nur لأول مرة في بيروت، ثم ومنذ الحرب، في بغداد. من خلال هذه الأعمال، وأيضاً من خلال عدد من "المدارس" medrese (هكذا تسمى اجتماعات النورسيين) المستقرة أساساً في القاهرة، عرف الإخوان المسلمون حياة سعيد النورسي معرفة جيدة، وهكذا تم تكريم الحركة النورسية من خلال مجلات الإخوان المسلمين الجدد، مجلة "الدعوة" (التي مُنعت عام 1981) و"المختار الإسلامي".

الإسلاميون الأتراك ليسوا جميعاً إخواناً مسلمين رغم أنّهم يدركون أهمية تأثير هذه الحركة

وهكذا، ففي مقال نُشر في "الدعوة"، يُعتبر سعيد النورسي، إلى جانب حسن البنا والمودودي، أبرز الشخصيات الإسلامية في القرن الثاني عشر للهجرة: "على الرغم من الطاغوت (الآلهة المزيفة) وأساليب القمع، قاوم سعيد النورسي واستمر في دعوة المسلمين إلى الطريق الصحيح، وتنوير القلوب والأسباب من خلال القرآن ... ". من جانبها، وصفت  "المختار الإسلامي"، بقلم الإخواني الدكتور فهمي الشناوي، حركة سعيد النورسي بـ"الجامعة الحقيقية، وبأقوى وأكبر من أي جامعة أخرى في تركيا، وفي مصر وأماكن أخرى"، يأسف الشناوي في مقاله لكون أن العالم العربي لا يعرف ما يكفي عن أعمال سعيد النورسي: "هذه يجب أن تنتقل من جيل إلى آخر. يجب نشرها على الشباب المسلم، من دمشق إلى جنوب إفريقيا ، ومن أوروبا إلى آسيا وجميع أنحاء العالم".
وغنيّ عن القول إن صحافة الإخوان الجدد كانت تشيد بحزب الازدهار، وبرئيسه أربكان، المسمى بـ"الـمجاهد"، ورجل المستقبل، "الوحيد القادر على عرقلة الصهيونية واليهودية والإمبريالية المسيحية في تركيا". لهذا السبب، وفقاً لما ذكرته مجلة الدعوة (تشرين الثاني/ نوفمبر 1980)، يأمر الجيشُ بحلّ حزبه في كل انقلاب، ومقارنة مع عدنان مندريس في سياسته الدينية وتحديثه الاقتصادي والصناعي، كان أربكان ضحية للقمع العسكري، لأنّه كان يستعد لثورة إسلامية جديدة على طريقة الإيرانيين
تُعتبَر مساهمة الإخوان المسلمين في فكر الإسلاميين الأتراك مساهمة كبيرة، ليس من حيث التنظيم واستراتيجية الحكم، ولكن من حيث التفكير في تحديث الحُجَج. فلأوّل مرة منذ بداية القرن، ومع "معالم في الطريق"، ثم مع "في ظلال القرآن"، اكتشف الإسلامويون الأتراك معنى وقوّة عددٍ من الآيات القرآنية التي، حتى ذلك الحين، كانوا يُكرّرونها دون فهمٍ (حرفياً ومجازياً). في الوقت نفسه، تم بناء جسر بين نهاية الإمبراطورية العثمانية والإسلام الحالي. وبعد أوقات عصر الحزب الواحد الصعبة، لاحظوا مع بعض الدهشة أنهم لم يكونوا المسلمين الوحيدين الذين يقاتلون "قوى ما قبل الإسلام". على حد تعبير كاتب تركي، لسيرة سيد قطب: "مع معالم في الطريق"، ذكّرنا شهيدُنا البطل بأن المؤمن الحقيقي لن يكون قادراً على الاقتراب من أولئك الذين يفضلون الجهل (الجاهلية)، ولا يمكن أن يكون متسامِحاً"
عدنان إرتكين مندريس

الإخوان أقوياء في إنتاج الشعارات
الإسلاميون الأتراك ليسوا جميعاً إخواناً مسلمين، رغم أنهم يدركون أهمية تأثير هذه الحركة. كانت أيديولوجيا الإخوان، مثلها مثل الجماعة الإسلامية الباكستانية، بمثابة حافز لتقوية التيارات التقليدية. أخبرني أحد ممثلي "النهضة الإسلامية" التركية، عصمت أوزيل، علاوة على ذلك، مؤخراً: "بالتأكيد استعار المسلمون الأتراك كثيراً من الأشياء من جماعة الإخوان المسلمين، لكن هذا يبقى على مستوى تكتيكي: كيف يمكننا التخلص من عدوان الغرب؟ أنا لست عربياً ولكنني قرأت "معالم في الطريق"، في نسخته التركية. إنها لغة جديدة قويّة: الإخوان أقوياء في إنتاج الشعارات. بين تركيا والدول العربية، الفرق الكبير جداً، وهو أنهم كانوا مستعمَرين من الخارج، بينما فيما يخصنا، فنحن مستعمَرون من الداخل".
غزو السلطة هدف بعيد
مثل هذا الكلام هو بلا شك مفرط للغاية. في الواقع، لقد رأينا أنّ حركتين إسلاميتين تركيتين على الأقل، لديهما تناغمات أيديولوجية كبيرة مع جماعة الإخوان المسلمين الجدد في مصر: حزب الازدهار وحركة نوركو. يمكن اعتبار حزب نجم الدين أربكان مركزاً لكل الأيديولوجيات الإسلامية التي تدافع عن نفس الهدف السياسي: غزو السلطة. على غرار الإخوان، ولكن مع توسّع أقل، يتمتع الحزب بشكل غير رسمي بجمعيات ومؤسسات وشركات. يهتم أعضاء حركة نوركو بذلك النوع من التعليم السري والإخواني للجيل الأوّل من الإخوان. فهُم يرون أنّ غزو السلطة هدفٌ بعيد: إذا كان كل إنسان مسلماً، فإنّ المجتمع بأسره مسلم. علاوة على ذلك، فإنّ النوركو لا يهتمون بكتابات الإخوان، ولا بكتابات المودودي، فكتابه "رسائل ومسائل"" بالنسبة لهم "جامعة". بمعنى آخر، إنهم مهتمون بالإخوان لأنّ الإخوان مهتمّون بهم.

اقرأ أيضاً: تركيا والقومية المحافظة الجديدة
في المقابل، قد يكون الكفاح ضد القوى العلمانية في مصر وتركيا أقرب إلى الإستراتيجية المشتركة، إنّ إدانة أحد الطرفين، على سبيل المثال، للاضطهاد الديني أو السياسي الذي يمارسه الطاغوت (آلهة مزيفة) على الطرف الآخر، يتيح في الواقع للطرف الأول إدانة قادته السياسيين، في بلاده.


المصدر: books.openedition


هوامش:
(1) فاروق بيليتشي أستاذ جامعي بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO). مؤرخ متخصص في التاريخ العثماني وتركيا المعاصرة. كان فاروق بيليتشي باحثاً في المعهد الفرنسي لدراسات الأناضول في إسطنبول ومحاضراً بجامعة مرمرة 2 (إسطنبول)
(2) محمد نامق كمال ولد في 21 ديسمبر عام 1840 م في تاكير داغ – وتوفي في 2 ديسمبر عام 1888 بجزيرة كريت) وهو أديب تركي مشهور، وصحفى، ورجل دولة، كما أنه شاعر من رواد القومية التركية وينتمى لحركة العثمانيين الشباب.


الصفحة الرئيسية