
تواجه حركة النهضة الإخوانية أزمة غير مسبوقة من التراجع والانكشاف السياسي، فالحزب الذي كان يتصدر المشهد بعد 2011 أصبح اليوم محاصرًا قضائيًا وسياسيًا وفاقدًا لأدوات النفوذ التقليدية التي اعتاد عليها.
وقد أظهرت الانقسامات الداخلية وتراجع الدعم الشعبي هشاشة المشروع الإخواني في تونس، وعجزه عن التكيف مع متغيرات المشهد الوطني والإقليمي.
كما أن تراجع شرعية النهضة الشعبية أصبح واضحًا بعد فشلها في تقديم حلول اقتصادية ملموسة والتباطؤ في الاستجابة لمطالب الشباب والمجتمع المدني، حتى أن فقدان الثقة بهذه الحركة لم يكن نتيجة تراكم إخفاقات يومية فقط، بل انعكس في تآكل خطاباتها الفكرية والتنظيمية التي كانت في السابق محركًا رئيسيًا لاستقطاب الأنصار.
إلى جانب الضغوط الداخلية، لعب السياق الإقليمي والدولي دورًا محوريًا في تقويض قدرة النهضة على التحرك بحرية، خصوصا أن تحولات موازين القوى في الشرق الأوسط، مع صعود مقاومة قوية للإسلام السياسي في عدة دول، بالإضافة إلى مراقبة دقيقة من الجهات القضائية والدولية، جعلت أي محاولة لاستعادة النفوذ أكثر صعوبة.
هذا الإطار يوضح أن أفول النهضة ليس مجرد ظرف محلي، بل جزء من اتجاه أوسع لتراجع الإسلام السياسي في المنطقة، حيث تتكشف هشاشته أمام تحديات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاصر.
الانهيار التنظيمي والضربات القضائية
تواجه الحركة الإخوانية اليوم أزمة تنظيمية عميقة، أشد من أي مرحلة سابقة منذ 2011، حيث أظهرت محاكمات قياداتها، أبرزها قضية راشد الغنوشي وملفات التمويل الأجنبي، الانقسامات الداخلية والصراعات على مواقع القرار، إذ يتمسك جيل “الصقور” بالخطوط التقليدية للحزب، بينما يطالب جيل المراجعات بتعديلات استراتيجية وتنظيمية، ما يخلق بيئة متوترة وغير متجانسة داخل القيادة.
وانعكس، أيضا، تراجع الانضباط التنظيمي بشكل واضح في المكاتب المحلية، حيث تظهر مكاتبها مشتتة وغير قادرة على تنفيذ خطط سياسية أو انتخابية، ما سمح لخصومها السياسيين باستغلال الفراغات.
والكشف عن تمويلات خارجية وخطط للتأثير في السياسة المحلية أضاف بعدًا آخر للأزمة، وأثبت أن الحزب لم يعد يمتلك استقلالية كاملة في صنع القرارات، ما أضعف ثقته أمام قواعده والمجتمع التونسي عمومًا.
هذه الهشاشة التنظيمية تزامنت مع ضغوط قضائية متزايدة، تشمل التحقيق في ملفات التسفير والتمويل والتورط في شبكات خارجية، ما جعل النهضة أكثر انكشافًا أمام الرقابة الرسمية والجمهور.
كل هذه العوامل أدت إلى إضعاف قدرة الحركة على استعادة المبادرة أو إعادة بناء هياكلها بطريقة منظمة، وهو ما يعكس مرحلة أفولها المبكرة على مستوى القيادة والتنظيم.
سقوط الشرعية الشعبية
تراجع الدعم الشعبي أصبح ملموسًا بعد سنوات من التجاذبات السياسية والفشل الاقتصادي، حيث أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، التي شاركت فيها، انخفاضًا في نسبة التصويت، وفقدان حواضنها التقليدية، خصوصًا بين الشباب. كما جعلت البطالة المتزايدة، تردي الخدمات العامة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، المواطنين ينظرون إلى الحزب على أنه جزء من الأزمة وليس الحل.
هذا ولم تتأثر الشرعية الشعبية فقط بالأداء الاقتصادي، بل أيضًا بسلوك الحزب السياسي، خاصة بعد 25 يوليو، حين ظهر الحزب منفصلًا عن المزاج الوطني وأصبح عاجزًا عن التفاعل مع مطالب الشارع. فالخطاب السياسي للنهضة فقد مصداقيته، وأصبح المستفيدون من شبكاتها التنظيمية محدودين جدًا، ما أضعف قدرتها على تعبئة قواعدها التقليدية وإعادة إنتاج الدعم الجماهيري.
ألى ذلك، انعكس تراجع الشرعية الشعبية في الشارع أيضًا، مع احتجاجات محلية وانتقادات واسعة للممارسات الإدارية والمالية للحركة، ما يظهر أن الحزب لم يعد قادرًا على تحريك قواعده التقليدية، وأن المستقبل السياسي له أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة والمجتمع على فرض قيود واستعادة التوازن.
أزمة المشروع الإخواني نفسه
أزمة النهضة تمتد إلى جوهر المشروع الإخواني في تونس، لأن نموذج “الإسلام الديمقراطي”، الذي تبنته الحركة منذ الثورة، فشل في الموازنة بين المبادئ الفكرية والواقع العملي، وظهرت ازدواجية بين الخطاب العلني والتنظيم السري، ما أفقدها مصداقية أمام قواعدها والمجتمع المدني.
تجربة الإخوان في مصر أثرت بشكل كبير على الرأي العام الداخلي للحركة، حيث بدا واضحًا أن النهضة قد تواجه مصيرًا مشابهًا إن استمرت في النهج ذاته، مع ارتفاع المخاطر القانونية والسياسية.
كما أن البيئة الإقليمية والدولية، التي باتت أقل تسامحًا مع الإسلام السياسي، عززت من شعور قواعد الحزب بالضغط، وأدت إلى تراجع الدعم التقليدي من الخارج، سواء من دول الإقليم أو من شبكات الدعم الدولية.
الأزمة الفكرية للمشروع الإخواني انعكست أيضًا في صعوبة تقديم برامج عملية قابلة للتطبيق، أو خطاب قادر على استعادة الثقة، مما جعل النهضة أمام مأزق مزدوج: ضعف داخلي من حيث التنظيم والفكر، وضغط خارجي من البيئة السياسية والقضائية المحيطة بها.
أذرع الإخوان المشتتة: هل يمكن للنهضة استعادة المبادرة؟
مع كل هذه الضغوط، حاولت النهضة في الأشهر الأخيرة تحريك قواعدها والتكيف مع الواقع الجديد، إذ شملت التحركات إعادة ترتيب المكاتب المحلية، نشاط إعلامي مكثف، ومحاولة تكوين تحالفات جديدة تحت مسميات سياسية أخرى، إلا أن هذه الجهود جاءت في ظل معارضة شديدة من الشارع والمجتمع المدني، حيث أصبح الجمهور أكثر تشككًا في قدرة النهضة على تقديم خطاب حقيقي وملموس.
القيادة الحالية للحركة لم تعد تتحكم في المبادرة، بل تتفاعل مع الأحداث بطريقة دفاعية، وهو ما انعكس في ضعف الانسجام بين المكاتب المحلية والمركز، وتباين في الرؤى بين الأجنحة المختلفة، وهذا يجعل فرص إعادة التجميع السياسي محدودة جدًا، ويضعف قدرتها على التأثير في المشهد العام أو استعادة الزخم الذي فقدته منذ سنوات.
وأظهرت ردود الفعل الشعبية والسياسية على نشاط النهضة أن الحزب أصبح تحت الرقابة الدقيقة، وأن أي محاولة لإعادة ترتيب قواعده ستواجه مقاومة مجتمعية وقضائية كبيرة، ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة حسم في مسار الحركة نحو أفولها الكامل أو تحولها إلى شبكة تأثير محدودة في المشهد السياسي التونسي.
هذا وتظهر تجربة النهضة اليوم أن الأفول ليس مجرد مرحلة انتخابية أو تنظيمية، بل هو نتيجة تراكم أزمات هيكلية وفكرية وسياسية، وأن الانهيار التنظيمي، سقوط الشرعية الشعبية، أزمة المشروع الإخواني، وتحركاتها الأخيرة تحت الضغط، كلها مؤشرات على أن الحركة فقدت قدرتها على التحكم في المشهد الوطني، وأن استمرارها كساحة سياسية مؤثرة أصبح محدودًا جدًا.
ويرجح مراقبون أن يبقى جزء من الحركة كشبكة تأثير أو تحالف محدود، لكن عودتها إلى مكانتها السابقة تبدو شبه مستحيلة، فيما تعكس هذه التجربة تحول المشهد التونسي نحو سياسات أكثر براغماتية ورفض أي خطاب سياسي متطرف أو أيديولوجي يفتقد للقدرة على التفاعل مع احتياجات المجتمع الواقعية.












![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_2.jpg.webp?itok=q3WAf0sR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b.png.webp?itok=z8QoLTX3)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5ef6434f-60b5-4d8e-9e50-0c7205d9ae75.png.webp?itok=hjYIPSiB)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)