تنافس روسي إيراني على الكعكة السورية... الأهداف والوسائل

تنافس روسي إيراني على الكعكة السورية... الأهداف والوسائل

مشاهدة

01/06/2021

تعاونت روسيا وإيران على نحو وثيق طوال الأعوام الماضية للحفاظ على نظام بشار الأسد ومنع سقوطه في مواجهة الثورة السورية التي دخلت عامها الـ11، إلا أنّ خلف هذا التعاون عناوين خلاف عدة في الرؤى والمصالح والأهداف في سوريا، وتتراكم الشواهد التي تعكس بوضوح وجود تنافس قوي بين روسيا وإيران على اقتسام الكعكة السورية، مع محاولة كل طرف إقصاء الآخر.

اقرأ أيضاً: مقاتلو الشمال السوري... أين وكيف سعت تركيا لتوظيفهم في خدمة مشاريعها التوسعية؟

من الناحية العسكرية والأمنية، فعلى الرغم من العجز البشري واللوجستي الذي يعانيه جيش النظام، لدرجة أنه أصبح غير قادر على خوض عمليات قتالية على مستوى المحافظات، بسبب نقص العنصر البشري، إضافة إلى حصر الدعم اللوجستي والعسكري من قبل حلفاء النظام، بدأت كل من موسكو وطهران، منذ مطلع 2019، بتركيز الدعم على تشكيلات رديفة، تأسست بإشراف مباشر منهما. وبينما تدعم روسيا الفرقة 25 مكافحة الإرهاب والفرقة 30 حرس جمهوري، تقوم إيران بدعم لواء الباقر، أمّا بقية تشكيلات جيش النظام الأخرى، فتعاني من عجز كبير على جميع المستويات.

على المستوى الأمني، يسيطر الروس فعلياً على الأجهزة الأمنية، من خلال مكتب استخبارات الجيش الروسي الموجود في منطقة المهاجرين بدمشق، وهو المسؤول الفعلي عن النشاط الأمني، ولا سيطرة فعلية من طرف النظام على تلك الأجهزة، وفق ما أوردت وكالة الأناضول.

هذا الوضع، دفع ماهر الأسد للبدء بتأسيس نواة جهاز أمني مستقل، من خلال منح مكتب أمن الفرقة الرابعة صلاحيات واسعة، ويعتبر المكتب حالياً جهازاً أمنياً مستقلاً، ويمارس مهامه خارج مظلة وزارة الدفاع، التي تعتبر الجهة الرسمية المسؤولة عن وحدات الجيش، وبعيداً عن شعبة الأمن العسكري، الجهة الأمنية الرسمية المسؤولة عن ملف أمن المؤسسة العسكرية.

 

موسكو وطهران توقفتا منذ مطلع 2019 عن دعم القوات السورية، وركزتا على تشكيلات رديفة، تأسست بإشراف مباشر منهما

 

من جانبهم، أدّى الإيرانيون الدور الأهم في تفكيك الأجهزة الأمنية، بوساطة مكتب استخبارات الحرس الثوري في دمشق بمنطقة المزة، من خلال شراء ولاءات ضباط تلك الأجهزة، بالإضافة إلى التركيز على نقل الكوادر والضباط الموالين للحرس الثوري إلى المناطق الساخنة، التي يشرف عليها الحرس الثوري، لا سيّما في المنطقة الشرقية ومحافظة حلب، حيث جرت العادة أن يتم تقديم لوائح تعيينات مقترحة، سواء من قبل الجانب الروسي أو الجانب الإيراني، قبيل كل فترة تعيينات دورية تصدر، ويتم التركيز من خلال هذه اللوائح على فرض تعيينات في عدد من المواقع، بما يتناسب مع حماية مصالح هذه الأطراف ونفوذها الأمني، الأمر الذي أدى إلى تفكك الأجهزة الأمنية، وفرض حالة من التضارب في آلية العمل.

اقرأ أيضاً: زعيم المافيا يفضح نقل الأسلحة التركية إلى الجهاديين في سوريا

لا ينحصر التنافس الروسي ـ الإيراني على منع إيران من الاستحواذ على مرفأ في الساحل السوري، الحيوي بالنسبة إلى الوجود الروسي، أو في الاستثمارات والتغلغل داخل البنية السورية، بل يتصل بالهدف النهائي للتنسيق؛ إذ تريد روسيا الوصول لبناء دولة اتحادية مستقرة تضمن مصالحها، بينما تبذل طهران كل جهودها لتكريس بقاء سوريا في النادي الإيراني، خدمة للمشروع الإمبراطوري الفارسي.

 

يسيطر الروس فعلياً على الأجهزة الأمنية، من خلال مكتب استخبارات الجيش الروسي الموجود في منطقة المهاجرين بدمشق

 

وكان موقع جسور للدراسات قد أورد تقريراً نهاية شهر نيسان (إبريل) الماضي، يوضح بالأرقام إلى أي درجة تدور المنافسة بين روسيا وإيران في سوريا.

وقال التقرير: إنه في وقت مبكر تدخلت إيران عسكرياً واقتصادياً في سوريا، واكتفت روسيا بالمحافظة على دعمها السياسي لنظام الأسد، لتتدخل في وقت لاحق عسكرياً أواخر 2015.

في الفترة بين 2011 و2015، قامت إيران برسم المشهد بطريقة خاصة بها على الأرض، وبما يضمن مصالحها، فقد أمدّت النظام بقروض ضخمة مقابل استيراد سلع وبضائع إيرانية، وامتلكت عقارات واستحوذت على مشاريع في مختلف أنحاء البلاد، وبدأت تُجري صفقات تجارية مختلفة لهندسة المشهد بما يتلاءم مع أهدافها. لم يدم الأمر طويلاً حتى بدا أنّ روسيا ترى أنّ الواقع السوري ينطوي على مصالح اقتصادية لها، سواء في مجال الطاقة ومبيعات السلاح أو إعادة الإعمار والتهرب من العقوبات الدولية، ومصالح اقتصادية شخصية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومن هم في محيطه، الأمر الذي فتح باب التنافس مع إيران في بلد صغير نسبياً تتآكل موارده بفعل الحرب.

 

الإيرانيون أدّوا الدور الأهم في تفكيك الأجهزة الأمنية، بوساطة مكتب استخبارات الحرس الثوري في دمشق بمنطقة المزة

 

وقال مركز جسور: إنّ أبرز المصالح الاقتصادية الروسية في سوريا تتلخص في مبيعات السلاح، والسيطرة على موارد الطاقة في سوريا، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي، وتوريد القمح والسلع، والسيطرة على النفط والغاز، وتعطيل المشاريع المنافسة أوروبياً وإيرانياً، وضمان حصة الشركات الروسية في إعادة إعمار سوريا، بالإضافة إلى تحقيق مصالح بوتين ودائرة المقربين منه.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني إعادة انتخاب بشار الأسد رئيساً لسوريا؟

أمّا عن أبرز المصالح الاقتصادية الإيرانية، فقد أوضحت الدراسة أنّ إيران هدفها السيطرة على الفوسفات في سورية، ومدّ خط الغاز الإسلامي نحو العراق وسوريا ولبنان ليصل إلى أوروبا، بالإضافة إلى استكمال مشروع الهلال الشيعي بخط نقل بري يجمع إيران بسوريا ولبنان.

وأظهرت الدراسة أنّ من أبرز المصالح الإيرانية أيضاً السيطرة على مطار دمشق الدولي، لضمان عمليات الإمداد والوصول إلى المناطق كافة، وتوسيع القاعدة الشعبية للوصول إلى مؤسسات الدولة، إلى جانب السيطرة على قطاعي الكهرباء والاتصالات. 

 

موقع جسور للدراسات ينشر تقريراً يوضح بالأرقام إلى أي درجة تدور المنافسة بين روسيا وإيران في سوريا

 

وتستمر إيران في مساعيها لترسيخ وجودها في سوريا، محاولة استقطاب السوريين بكافة فئاتهم، حتى الأطفال، وذلك بأساليب متفرقة، منها الثقافية.

فقد افتتح "المركز الثقافي الإيراني" اليوم دورة لتعليم الأطفال اللغة الفارسية بشكل مجاني، في مدينة المياين في محافظة دير الزور، وحملت تلك الدورة التي تعتبر الثانية من نوعها، اسم "براعم الفرات"، بحسب ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

إلى ذلك، وضع المركز المذكور جائزة قدرها مليون ليرة سورية لمن يتجاوز اختبار اللغة الفارسية في نهاية الدورة بمعدل ممتاز.

وكان "المركز الإيراني" الأول في الميادين قد افتتح في 15 أيلول (سبتمبر) الماضي دورات مجانية مسائية تهدف إلى تعليم الأطفال اللغة الفارسية، مستهدفة طلاب المرحلة الابتدائية.

 

"المركز الثقافي الإيراني" يفتتح دورة لتعليم الأطفال اللغة الفارسية بشكل مجاني، ويعلن عن جوائز للمتفوقين

 

يأتي هذا التسلل الإيراني نحو التعليم في سوريا، فيما تتنافس كل من إيران وروسيا على مستويات عدة، منها؛ الترويج للغة الفارسية أو الروسية، بحسب ما أفاد تقرير سابق لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية نُشر قبل أيام.

إلّا أنّ روسيا تغلبت حتى الآن على إيران في قطاع المدارس، بعد أن أدرجت روسيا اللغة الروسية بديلة للغة لفرنسية لتكون لغة ثانية للتعليم في البلاد، وأقيمت أول امتحانات اللغة الروسية في المدارس الثانوية السورية العام الماضي.

وتواصل إيران الضغط من أجل تعليم الفارسية رسمياً في مدارس سورية، وقد أكد وزير التعليم الإيراني محسن حاج ميرزائي في وقت سابق على "أهمية إدخال اللغة الفارسية في نظام التعليم السوري".

وأدخلت إيران دورات اللغة الفارسية في بعض المدارس التي ساهمت في إصلاحها أو بنائها، لا سيّما في محافظتي الرقة ودير الزور، وقد أضافت بالفعل صفوفاً باللغة الفارسية إلى مناهج المدارس الابتدائية والمتوسطة.

 

روسيا تغلبت على إيران في قطاع المدارس، بعد أن أدرجت اللغة الروسية بديلاً للفرنسية، لتكون لغة ثانية للتعليم في البلاد

 

يشار إلى أنّ العديد من السوريين يتخوفون من أن يحدث الشيء نفسه في حلب، حيث أعلنت إيران الشهر الماضي أنها تخطط لفتح قنصلية.

باختصار، سيشتد التنافس ويغيب التنسيق بين الروس والإيرانيين، بانتظار متغيرات حاسمة، وإذا قرّر القيصر الروسي أن يبقى ملك اللعبة على رقعة الشطرنج السورية، فلن يكون من السهل عليه إبعاد إيران عن الغنيمة السورية بعد كل هذا الاستثمار.

الصفحة الرئيسية