انتخابات تركيا: هل يتراجع المكوّن الإسلامي لصالح التشدد القومي؟

تركيا

انتخابات تركيا: هل يتراجع المكوّن الإسلامي لصالح التشدد القومي؟

مشاهدة

01/07/2018

في إطار تغطيتها للانتخابات التركية الأخيرة، التي تمخضت عن فوز رجب طيب أردوغان في الرئاسة لخمس سنوات مقبلة قابلة للتجديد، قالت "دويتشه فيله" إنّ أردوغان فاز في ألمانيا أكثر من فوزه في تركيا؛ حيث حصد نحو 65% من أصوات الجالية التركية في ألمانيا. بالطبع ليست ألمانيا هي الدولة الأولى في نسبة التصويت، فقد تفوقت عليها بلجيكا، التي صوّت نحو 75% من الأتراك فيها لصالح رئيس حزب العدالة والتنمية. لعلّ هذا يفتح مزيداً من النقاش، المفتوح أصلاً، حول مسائل السيادة الوطنية، والولاء، ومنطق العلاقات الدولية، ومستقبل العلاقات التركية-الأوروبية، وتأثير الشعبوية في كل ذلك، وفي مقدمته تفاعلات مسألة الهوية في الغرب.

 وصل الأمر بأردوغان في صراعه مع ميركل أن دعا الجالية التركية في ألمانيا إلى التصويت ضدها

تقدّم الشعبوية والمكوّن اليميني المتطرف
وقد وصل الأمر بأردوغان، في صراعه المعروف مع المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، أن دعا الجالية التركية في ألمانيا إلى التصويت ضدها، مستغلاً قوّة هذه الجالية في ألمانيا وتأثيرها المتصاعد، المقرون بولاء واسع للرئيس الشعبوي، الذي كان على مدى الشهور الماضية واعياً لفكرة تقديم نفسه أمام قاعدته الانتخابية على أنه "نِدٌّ عنيد" للغرب، ومعنِيٌّ بتكريس "العِزّة القومية" لتركيا في عهده!

أردوغان اليوم بعد التعديلات الدستورية الكبيرة لصالحه يغدو حالة سياسية فريدة في الدولة التركية الحديثة

الباحث في الشؤون التركية، بكر صدقي، قال في تحليل نشره موقع "درج" (27/6/2018) إنه إذا أردنا قراءة المشهد السياسي في تركيا بمناسبة الانتخابات الأخيرة، على ضوء رؤية سوسيولوجية، قلنا إن النزعة القومية التركية المتشددة شهدت صعوداً لافتاً في هذه الانتخابات، سواء بالكتلة التي صوتت لحزبي "الحركة القومية" بقيادة دولت بهجلي، و"الخيّر" المنشق عنه بقيادة مرال آكشنر، وبلغ مجموع أصواتهما 21% من الناخبين، أو بمجموع أصوات ناخبي "تحالف الجمهور" الذي ضم إلى "الحركة القومية" حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي اقترب، في خطابه وسياساته، كثيراً، من خطاب وبرنامج حليفه الصغير (الحركة القومية)، وفازا معاً بنحو 54% من أصوات الناخبين، والغالبية المطلقة في البرلمان. هذه هي الكتلة الاجتماعية المحافظة التي حسمت نتائج الانتخابات لصالح الرئيس أردوغان والتحالف القومي – الإسلامي. مع ملاحظة تقدم المكون القومي في هذا التحالف على حساب تراجع المكون الإسلامي. هذا ما لاحظناه من تراجع نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية، من 48% في آخر انتخابات برلمانية، إلى 42% حالياً. كذلك سحقت آمال حزب "السعادة" (الإسلامي) الصغير بقيادة تمل قرامولا أوغلو الموصوف بـ"الحكيم" في اقتناص ما يمكن اقتناصه من أصوات مؤيدي الحزب الحاكم ممن بدأوا يتململون من ابتعاد الحزب عن مبادئه الأصلية التي شكلت أساس شعبيته.
 

اقرأ أيضاً: تركيا وقناع الإسلام السياسي في المنطقة العربية

دور دولتْ بهجلي
من جانبها، قالت بارشين بيبناج، المحللة في صحيفة "حرييت" التركية، (26/6/2018) إنّ الفضل في انتخاب رجب طيب أردوغان من الجولة الأولى من الانتخابات يعود الى "الحركة القومية" ورئيسها دولت بهجلي. فالقوميون التزموا خياراً براغماتياً، وانضموا الى السلطة الحاكمة. ويرجح أن يسعى بهجلي إلى بعض الامتيازات لجمعياته في المحافظات قبيل الانتخابات المحلية. ويد أردوغان ستطلق.  وأضافت بيبناج: "رئيس الحزب القومي يبتعد من الأضواء، في وقت تُسلط هذه على حكم الرجل الواحد. ومع برلمان ضعيف، وهشاشة نظام المحاسبة، لن يواجه أردوغان معارضة شرسة من أحزاب سياسية أو مؤسسات سبق أن قوّض استقلالها. ولكن على نحو ما أشار المحلل التركي مصطفى أكيول، سيواجه أردوغان مقاومة شعبية على رغم تمتعه بدعم شعبي. فأداء المعارضة المدنية التركية كان لافتاً. وسيجد معارضو أردوغان سبيلاً الى إزعاجه ومراقبة سلطته".
 

 تحالف أردوغان مع حزب اليمين التركي الذي ينتقد حكم اليمين المتطرف في النمسا

الدور المفتاحي في الانتخابات
ويؤكد الباحث بكر صدقي أنّ كلاً من قطبي الانقسام التركي/ الكردي، حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديموقراطي، قد لعب دوراً مفتاحياً في الانتخابات التي جرت قبل أيام في تركيا. فقد كان تجاوز الحزب الكردي حاجز العشرة في المئة هو ضمانة كل المعارضة في عدم حصول "العدالة والتنمية" على الغالبية المطلقة في البرلمان. بالمقابل شكّل حصول حزب الحركة القومية اليميني المتطرف على 11% من أصوات الناخبين طوق نجاة للحزب الحاكم في حصولهما معاً على الغالبية المطلقة. هذه النتيجة جعلت العدالة والتنمية أسيراً لحليفه الصغير، الأمر الذي سنرى مفاعيله في الفترة المقبلة؛ حيث يتوقع مزيداً من التحاق الحكومة بالمنظور القومي المتشدد، وبخاصة في مقاربة المسألة الكردية.

اقرأ أيضاً: تركيا الأردوغانية على مفترق طرق

ربع قرن من حكم حزب العدالة والتنمية
أردوغان اليوم بعد التعديلات الدستورية الكبيرة لصالحه يغدو حالة سياسية فريدة في الدولة التركية الحديثة، فلم يسبقه أحد فيها بعدد سنوات الحكم؛ فحتى المؤسس مصطفى كمال أتاتورك لم تتجاوز سنوات حكمه الـ15 عاماً، بينما تجاوز حكم أردوغان حتى اليوم الـ16 سنة مع احتمالات عشر سنوات أخرى مقبلة، وإذا أضفنا حكم حزبه منذ سيطرته على البلديات التركية فإننا نصل إلى أنّ العدالة والتنمية يحكم منذ ربع قرن. بالتأكيد ليس ثمة مشكلة في أنّ ذلك كله تمّ عبر صناديق الانتخابات، بل المشكلة أنه عاماً بعد آخر يتم تجريف الحياة السياسية في تركيا بسبب سياسات أردوغان السلطوية، وتمدد هيمنته على الفضاء العام التركي، صحافة وقضاء وحريات...، ما يعني غياب العدالة والتوازن في المنافسة السياسية، وهو ما اتضح في الانتخابات الأخيرة المبكرة. مع ذلك فإنّ النسبة التي تجاوزت الـ45 % التي لم تصوّت لأردوغان وحزبه تعني أنّ ثمة انشطاراً في المجتمع التركي حول الخيارات الأساسية، ولذلك غالباً ما تشهد الانتخابات في تركيا نسبة مشاركة عالية جداً، غير أنّ فشل المعارضة في التوحد صبّ في صالح أردوغان، الذي تحالف مع اليمين التركي المتطرف (حزب بهجلي) فيما هو يلوم وينتقد النمسا على حكم اليمين المتطرف فيها!

 

 

 

الصفحة الرئيسية