العودة إلى الظل: كيف انعكس تفكيكُ الملفات الأساسية في السياسة الخارجية على دور وصلاحيات وزارة الخارجية الإيرانية؟

العودة إلى الظل: كيف انعكس تفكيكُ الملفات الأساسية في السياسة الخارجية على دور وصلاحيات وزارة الخارجية الإيرانية؟

العودة إلى الظل: كيف انعكس تفكيكُ الملفات الأساسية في السياسة الخارجية على دور وصلاحيات وزارة الخارجية الإيرانية؟


21/10/2025

تشهدُ وزارة الخارجية الإيرانية مرحلةً دقيقةً من إعادة التّموضُع بعد تفكيك الملفات الأساسية للسياسة الخارجية؛ ما أدى إلى بروز تناقُضاتٍ في الرؤى، وتضارُبٍ في مسارات القرار السياسي بين المؤسسات الإيرانية المختلفة. ولا تقتصرُ تلك التناقضات على صعيدِ صنع القرار فحسب، وإنما كذلك على صعيد تطبيقه، والصلاحيات التي تمتلكها مختلف المؤسسات، إذ تشهد حدود الصلاحيات التي تمتلكها المؤسسات المؤثرة في صنع القرار وتطبيقه تحولاً مُطّرداً ينبغي رصده من أجل إنشاء نظام فاعل من التعامل مع مختلف تلك المؤسسات، وفهم دورها، ومكانتها ضمن هرم اتخاذ القرار وتطبيقه، والحصول على مخرجات تتمتع بقدرٍ كافٍ من الصُّمود، ويمكنُ التعويلُ عليها في التّعامل مع المسألة الإيرانية.

وزارة الخارجية الإيرانية، وحدود صلاحياتها في صُنْع القرار الدبلوماسي وتطبيقه

على مستوى صُنْع القرار، لا يمكنُ عَدُّ وزارة الخارجية الإيرانية من المؤسسات الفاعلة الرئيسة، على رغم امتلاكها عدّة مؤسسات، أشبه بمراكز مختصة بصناعة القرار السياسي. ولا تقتصر أسباب هذا الغياب على المبادئ الدستورية الحاكمة أو على وجود قرار سيادي بوضع هذه المؤسسة خارج سياج مصنع القرار في إيران، وهو ما أكده القائد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، في أكثر من موقف، مُبيّناً أن صلاحيات هذه المؤسسة الدستورية تنحصر في تطبيق القرار الدبلوماسي، وتنفيذه، وإنما تتعدى ذلك إلى طبيعة المشهد السياسي الإيراني الذي يتضمن توزيعاً غير رسميٍّ لمهام صنع القرار الدبلوماسي، تتدخل فيه مؤسسات سيادية بأحجام مختلفة، وتتميز جميعها بنفوذ أوسع بكثير من نفوذ وزارة الخارجية، وتدخل ضمن مجال حلقة الموثوقية المصيرية من أجل التأثير على القرار في نظامٍ سياسيٍّ لا يعتمد على مبدأ الانتخابات، بمقدار ما يعتمد مبدأ العقيدة، والأيديولوجيا في تشكيل مراكز صنع القرار. 

لكنْ حتى على المستوى التطبيقي أو التنفيذي فإن الخارجية الإيرانية ليست تلك المؤسسة التي تمتلك الحقوق الحصرية؛ إذ هي مؤسسة واحدة، من بين مؤسسات عدّة، تمتلك حقّ التدخل في تطبيق السياسة الخارجية. وتُظهِر المعطيات أن مؤسسات سيادية أخرى مثل "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني"، و"المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية"، تمتلكُ "هيمنة قانونية متواصلة" تكاد تكون أوسع بكثير من تلك التي تمتلكها وزارة الخارجية في ممارسة المهام الدبلوماسية، ومعالجة الملفات الأساسية فيها. فضلاً عن مؤسسات أخرى، تدخل بين الفينة والأخرى هذا المجال، تبعاً لتغيُّر موازين القوى، وتغيُّر القرارات السيادية، ومنها: "قيادة الأركان المسلحة" التي تدخلت في خلال فترة من الزمن في العمل الدبلوماسي من طريق الدور الذي قام بها قائدها السابق الجنرال محمد باقري.

ولا يقتصر التدخل في التطبيق على المؤسسات التي تمتلك حقاً دستوريّاً أو قانونيّاً في مجال تنفيذ القرار الدبلوماسي؛ فالمشهد يعد أكثر تعقيداً إذا أخذنا بالحسبان الدور الذي تكفلت به مؤسسات أيديولوجية وعقائدية أخرى في هذا المجال، وعلى رأسها مؤسسة "الحرس الثوري"، والمؤسسات التابعة له مثل "فيلق القدس". إذ كان "فيلق القدس" يتمتع بدعم مباشر من القيادة الإيرانية العليا، وكان يتدخل بشكل واسع في صنع القرار الدبلوماسي، وتطبيقه، طوال الفترة ما بين الأعوام 2003 إلى 2023، عبر الميليشيات الموالية له، والتي كانت تعمل تحت إمرته في كلٍّ من العراق وسورية ولبنان واليمن وبلدان أخرى؛ ما أدى إلى إخراج ملفات تلك البلدان من يد الخارجية الإيرانية، حتى على صعيد تعيين السفراء ورسم أولويات السلوك الإقليمي، كما كان لـ "فيلق القدس" تأثيرٌ واضحٌ على بعض الملفات الدولية، من طريق امتلاك زمام المبادرة في برامج سيادية، مثل: البرنامج الصاروخي، والمشروع الإقليمي، والتعامل مع الأهداف الأمريكية والغربية في منطقة الشرق الأوسط. 

كل ما سبق، وضع وزارة الخارجية الإيرانية في مكانةٍ قريبة من أسفل الهرم في عملية "صنع القرار الدبلوماسي، وتنفيذه"، وذلك من طريق آليات كلية من بينها "تغييب هذا الجهاز من صنع القرار الدبلوماسي"، و"تغييبه من التأثير على ملفات سياديّة تعد أعمدة السياسة الخارجية الإيرانية"، و"التدخل إلى حدّ التغييب في مهام الخارجية الإيرانية في الملفات الإقليمية". وإذا كان ذلك ناجماً إلى حدٍّ بعيدٍ عن قرارات سياديّة، فإنّه يعني من منظور القوى الإقليمية والدولية، أنّ التعامل مع وزارة الخارجية الإيرانية في معالجة الملفات، لا ينبغي أنْ يجري من منطلق اعتبارها المؤسسة ذات الصلاحيات السيادية في اتخاذ القرار أو تطبيقه في تلك الملفات.

ملف إيران النووي: روحاني يُحدِث ثُقباً في الجدار

حاول الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني التأثير على تركيبة المشهد السياسي الإيراني، ورفع مكانة وزارة الخارجية فيه، وذلك من طريق مساعيه الحثيثة لوضع وزارة الخارجية ضمن هرم اتخاذ القرار السياسي وتطبيقه على مستوى الملفات السيادية، وذلك حين قرر نقل "الملف النووي الإيراني" باعتباره أحد الملفات السيادية من أروقة "المجلس الأعلى للأمن القومي" إلى أروقة الخارجية بقيادة الوزير آنذاك، محمد جواد ظريف. 

ومع أن روحاني نجح في نقل الملف، إذ كان ملف المفاوضات النووية موضوعاً بيد وزارة الخارجية الإيرانية على مدى أكثر من ثمانية أعوام، إلا أنَّه كان نقلاً بصلاحيات مقيدة؛ إذ كانت المؤسسة السياسية في إيران قد قررت منح "المجلس الأعلى للأمن القومي" حقّاً سياديّاً في البتّ في القرارات التي تتمخّض عن المفاوضات التي تجريها الخارجية الإيرانية، وكذلك التوافقات الناجمة عنها. وبالفعل كانت الصلاحيات التي امتلكتها الخارجية في خلال عهد روحاني ناجمة عن شخصية الرئيس الإيراني ووزير الخارجية، وناتجة عن الظروف السياسية التي كان يمرّ بها النظام الإيراني وقتذاك، ويمكن عَدّها صلاحيات مؤقتة، لم تتسرب إلى جوهر توزيع الصلاحيّات في النظام السياسي الإيراني. وقد أظهرت التجربة أن القرارات التي نتجت عن تلك الصلاحيات، والتي تمثلت في الاتفاق النووي لعام 2015، ما استطاعت الصمود أمام الضغوط التي مارستها المؤسسات السيادية الأخرى.

وزارة الخارجية في عهد بزشكيان: محاولات العودة إلى نهج روحاني في ظروف مختلفة

أسّست حكومة روحاني لوضع يعترف بإمكانية منح وزارة الخارجية الإيرانية دوراً تنفيذيّاً مؤثّراً في الملف النووي باعتباره ملفاً من الملفات السيادية. وعلى هذا الأساس تسعى حكومة الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان إلى تكرار هذه التجربة، أو تكريسها، عبر التأكيد على أن الملف النووي يقع ضمن صلاحيات وزارة خارجيتها، وذلك من أجل الانخراط في مفاوضات مع القوى العالمية حول هذا الملف السيادي، بغية الحصول على انفتاح اقتصادي، وتحقيق شعارات الدولة في إحياء الاتفاق النووي. 

وفي هذا السياق، استطاعت وزارة الخارجية بقيادة عباس عراقجي، أن تبدأ مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، وإن كان ذلك في إطار مفاوضات غير مباشرة، كما استطاعت أن تُعيد الحياة إلى المفاوضات مع الثلاثي الأوروبي حول البرنامج النووي، لتبين رغبتها في وضع جهاز وزارة الخارجية الإيرانية ضمن المؤسسات صاحبة القرار بشأن الملفات السيادية. غير أن عقبات عدّة تحول دون تحقق هذا المهمّ، ومنها:

  • كان النجاح الذي حققته حكومة حسن روحاني في وضع الملف النووي في يد وزارة الخارجية ناجماً إلى حدٍّ كبير عن شخصية الرئيس روحاني الذي كان يحتل مكانةً لافتةً في الهرم السياسي الإيراني باعتباره مُمثلاً لخامنئي في "المجلس الأعلى للأمن القومي"، وأميناً عامّاً لهذا المجلس لستّة أعوام. وقد ساعدت هذه المكانة روحاني في تحقيق فرصة كبيرة للحكومة، من طريق معالجة الموضوع مع القائد الإيراني الأعلى، كما مكّنه الإرث الذي تحقق على صعيد الملف النووي - باعتباره ملفاً وضعته إيران على طاولة المفاوضات بخلاف ملفات أخرى - من تحقيق ذلك المكسب. غير أن شخصية الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، ومكانته ضمن الهرم السياسي، وعلاقاته القليلة بالدولة العميقة، تُقلل إلى حدٍّ كبير من احتمال أنْ يتمكّن من تكرار ما حقّقه روحاني.
  • ما عادت الظروف الداخلية التي أسهمت في إقناع القائد الإيراني الأعلى، بوضع الملف النووي ضمن صلاحيات الخارجية الإيرانية في بداية عهد روحاني كما كانت عليه في ذلك العهد،وهو ما يُقلل من احتمال تكرار التجربة ذاتها في حكومة بزشكيان؛ فقد أتى وضع الملف النووي في يد الحكومة في ضوء ظروف كانت تشهد طموحاً مُتزايداً من "الحرس الثوري" للاستحواذ على القرار السياسي في إيران، وكانت مؤسسة "بيت القائد" تعمل في سياق تلك الظروف على إنشاء توازن بين "الحرس الثوري" والحكومة، لتأكيد هيمنتها على المشهد الإيراني. غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة التي أدت إلى خروج قيادات "الحرس الثوري" من المشهد، نتيجة موجة الاغتيالات والمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، غيّرت الظروف إلى حدٍّ بعيد، ودفعت مؤسسة "بيت القائد" إلى بسط هيمنتها على ملفات السياسة الخارجية، بعد خروجها من يد "الحرس الثوري" نتيجة القضاء على أذرعه الإقليمية، وتحييد قياداته. وبالإمكان ملاحظة نموذج من هذا الجهد الذي تبذله مؤسسة "بيت القائد" لبسط هيمنها على الملفات السيادية في عودة علي لاريجاني المُقرّب من مؤسسة "بيت القائد" إلى أمانة "المجلس الأعلى للأمن القومي" الذي يمنحه الدستور سلطات سيادية واسعة.
  • تأتي جهود الرئيس مسعود بزشكيان إلى الاستحواذ على الملف النووي للتأثير على الملفات السيادية في إطار ظروف إقليمية ودولية مُختلفة كليّاً بعد 7 أكتوبر 2023 بشكل عام، وبعد حرب الاثني عشر يوماً على وجه التحديد؛ فنتيجة الضربات القوية التي تلقاها البرنامج النووي الإيراني، والتي أدت إلى تحييده أو إلى إبعاده على أقل تقدير من عتبة الخطر المحدق بالنظام الدولي، ما عادت توجد ضرورة مُلحّة لخوض مفاوضات فورية بشأن الملف النووي الإيراني، إذ على رغم الجهود التي تبذلها الحكومة للإعلان عن بقاء برنامجها النووي فإن ثمّة قناعة عالمية بأنه تم وضع نهاية لهذا البرنامج، أو تأجيل الأخطار الناجمة عنه حتى إشعار آخر. وإذْ يعني ذلك أنّ وضع الملف النووي بيد الحكومة لا يمكنه أن يقدّم شيئاً في سبيل زيادة وزن وزارة الخارجية الإيرانية، فإنه يعني كذلك رغبة المجتمع الدولي في فتح باب الدبلوماسية مع إيران لبحث ملفات سيادية أخرى، مثل البرنامج الصاروخي، وما تبقى من المشروع الإقليمي. وإذا كان ذلك يعني أنّ وزارة الخارجية الإيرانية لن تكون ذات جدوى بخصوص الحوار على تلك الملفات السيادية التي لا توجد رغبة من المؤسسة السياسية الإيرانية في وضعها بيد الوزارة، فإنها تعني أن المؤسسات السيادية الأخرى، ومن بينها "المجلس الأعلى للأمن القومي"، ستكون البوابة الأساسية لأيِّ تفاوضٍ بشأن تلك الملفات. ويمنحُ ذلك، "المجلس الأعلى للأمن القومي" أهميةً مضاعفة، ولعلّ ذلك هو ما دفع مؤسسة "بيت القائد" إلى الاستحواذ عليه من طريق رجلٍ يُحسَب على دائرة الثقة لدى القائد علي خامنئي. وهو ممّا يفسر النشاط الدبلوماسي المكثّف الذي بدأه علي لاريجاني مؤخراً لمعالجة بعض الملفات الإقليمية بمعزل عن الحكومة.
  • يظلّ تراجع دور وزارة الخارجية الإيرانية في ممارسة الدبلوماسية، ناجماً عمّا يمكن أن يوصف بأنه إرادة رسمية لدى صانع القرار الإيراني الذي يسعى إلى إصلاح السياسة الخارجية الإيرانية غداة انهيار غالبية الملفات السيادية التي كانت تستند عليها تلك السياسة، وإعادة توزيع المهام ضمن الواقع الجديد المُتشكّل؛ فقد أدى خروج البرنامج النووي وخروج المشروع الإقليمي الإيراني نتيجة المواجهة العسكرية المحتدمة إلى زعزعة الملفات الأساسية التي كانت تعد الأعمدة التي تستند السياسة الخارجية في إيران عليها. هذا في حين أدّت زعزعة الهيمنة التي كان يفرضها "الحرس" في المشهد الداخلي والإقليمي نتيجة تحييد قيادات الصف الأول له، والقضاء على أذرعه الإقليمية، إلى ضرورة إعادة توزيع المهام في ضوء الظروف الصاعدة. ويبدو من حجم الملفات المطروحة على طاولة صانع القرار الدبلوماسي في إيران وطبيعتها أن إيران مُقبلة على مرحلة "ترميم السياسة الخارجية" بوصفها عملية تقع خارج صلاحيات الحكومة وجهازها للسياسة الخارجية.

وفي شكل عام، فإن الظروف المختلفة التي طرأت على مستوى الملفات الأساسية، وتوزيع القوى السياسية الداخلية، وإعادة رسم خريطة الهيمنة الداخلية، كما حدثت على صعيد الشخصيات، أدّت إلى بلورة إطار سياسي مختلف كليّاً عن ذلك الذي صعدت ضمنه حكومة روحاني؛ ما من شأنه أن يكرّس ظاهرة تهميش الخارجية الإيرانية، وإخراجها إلى حدٍّ كبير عن مجال معالجة الملفات السيادية. 

التداعيات على السياسة الخارجية الإيرانية 

يعيش المشهد السياسي في إيران مرحلةً من إعادة التّشكيل، نتيجةً للاغتيالات الواسعة التي وقعت في خلال حرب الاثني عشر يوماً بشكل خاص، وأحداث ما بعد 7 أكتوبر 2023 بشكل عام. وفي ضوء ظروف كهذه فإن من الضروري مراجعة الصورة التقليدية التي تعود عليها المراقبون في رصد الملفات الأساسية ضمن السياسة الخارجية الإيرانية، ودور وزارة الخارجية في أيٍّ منها، وفي رسم الملامح الكلية لهذه السياسة. وأول تداعيات الوضع الجديد قادمة من تأثير التطورات الأخيرة على مكانة الحكومة، وجهازها للسياسة الخارجية في صنع القرار الدبلوماسي، وفي تطبيقه في الملفات الأساسية التي تعد أعمدة السياسة الخارجية الإيرانية، وذلك في ظل حالة الغياب أو الجمود التي يعيشها الملف النووي؛ فالظروف الراهنة ترجح استمرار مسار تهميش الحكومة في كل الملفات السيادية، سواء على صعيد صنع القرار أو على صعيد تطبيقه على حساب استفحال دور مؤسسات تابعة لمؤسسة المرشد.

وفي سياق هذا المسار، فإن من المتوقع أن يجري على مؤسسة "الحرس الثوري" و"فيلق القدس" التابع لها ما يجري على الحكومة، خصوصاً في ضوء بتر الأذرع الإقليمية التي كانت مؤسسة "الحرس" تستمد منها جزءاً من قوتها، وكذلك في ضوء تغييب قادة الصف الأول الذين كانوا يطمحون إلى تنمية دور "الحرس" في المجال السياسي، بما في ذلك السياسة الخارجية. وبالطبع سيبقى للحرس دورٌ من طريق تأثيره على الملف الصاروخي، ومن طريق وزنه الاقتصادي، لكنه سيكون دوراً أقل تأثيراً بشكل ملموس، مقارنةً بالوزن الذي كان يتمتع به قبل هذا عبر الميليشيات وامتداده الإقليمي والتماسك الداخلي بين قادة الصف الأول.

ولعل الحصيلة الأبرز على مستوى أثر هذه التحولات في الأطراف الإقليمية المتعاملة مع إيران، ستكون تكريس هشاشة أي حوار يتم مع الجهاز الدبلوماسي التابع للحكومة الإيرانية من أجل التوصل إلى توافقات حول الملفات العالقة. ومن هذا المنطلق، ستكون أية مسارات للحوار مع وزارة الخارجية الإيرانية حول الملفات الخلافية من دون جدوى ملموسة، خصوصاً فيما يتعلق بالملفات الإقليمية، والملفات السيادية. وسيكون أمام وزارة الخارجية الإيرانية خيار أن تتحول إلى مؤسسة من مؤسسات التطبيق التابعة لمؤسسات سيادية أخرى، تابعة في الغالب للقائد الإيراني الأعلى، أو التحول إلى مؤسسة هامشية، يجري إبعادها من مسار الحوارات الجادة. وسوف يتعين على مختلف الأطراف الإقليمية إيجاد طرق وقنوات للحوار مع تلك المؤسسات السيادية صاحبة الكلمة العليا والأثر الفعلي في الملفات الخلافية.

وعلى صعيد متصل فإن المؤسسات الدبلوماسية التابعة لـ "الحرس الثوري" بما فيها الوجوه المُقرَّبة من "فيلق القدس"، والتي كانت تتخذ القرارات في بعض البلدان، مثل: العراق واليمن ولبنان، ستفقد الكثير من وزنها على حساب مؤسسات دبلوماسية تابعة لمؤسسة القائد الأعلى. وستكون النتيجة عدم التعويل على وهْم الحوار مع الأذرع الدبلوماسية لـ "الحرس الثوري" باعتباره حواراً يفضي إلى نتائج عميقة وصامدة. 

وفي المحصلة، فإن الوضع القائم نتيجة تبدُّد الملفات التقليدية، مثل الملف النووي، وملف مشروع التوسُّع الإقليمي، والتغيير الواضح في موازين القوى داخل المشهد السياسي، يضع الأطراف الإقليمية المتعاملة مع إيران أمام توزيع مهام جديد كلياً في الداخل الإيراني من شأنه أن يُكرِّس وضع وزارة الخارجية على هامش عملية صنع القرار الدبلوماسي وتطبيقه، كما يمكن أن يدفع إلى الهامش نفسه المؤسسات الدبلوماسية التابعة لـ "الحرس الثوري" بعد تهاوي منظومة الميليشيات وغياب الخط الأول من القادة، أو على الأقل يضع هذه المؤسسة في موقف ضعف مقارنة بتاريخها في خلال عقدين على حساب استفحال مؤسسات تابعة في غالبها لمؤسسة القائد الأعلى. إنَّها تطورات دقيقة يجب أخذها بالحسبان من أجل فهم الوضع الجديد، واستيعاب مكانة المؤسسات الدبلوماسية المختلفة في عملية صنع القرار، وعملية تطبيقه، كما يجب أخذ هذه التحولات بالاعتبار عند التعامل، والتفاوض مع الجانب الإيراني في الملفات الخلافية.

عن مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية