البراغماتية.. لماذا تعد ذكاء تركيّاً وتهمة عربية؟

البراغماتية.. لماذا تعد ذكاء تركيّاً وتهمة عربية؟

مشاهدة

24/09/2020

إنّ النظر في المعنى الاستعمالي لكلمة "البراغماتية النفعية" لا يعني أبداً أنها تهمة أو شتيمة أو حتى مجرد انتقاد، إنّها وصف أو توصيف للمنهجية والاستراتيجية السياسية التي تتعامل وفقاً لها تركيا مع ملفاتها الخارجية على وجه الخصوص، فهي تصدر نفسها على أنها دولة لا تحاول القفز في المجهول أو الارتماء في وحل الأزمات وتعقيدات المشهد العالمي والإقليمي على وجه الخصوص؛ إنها دولة يستهويها ويشعرها بالنشوة أن تُعتبر "نفعية" أو براغماتية، وتصدر في مواقفها وأدوارها وتدخلاتها من مبدأ الواقعية السياسية.

تركيا دولة يستهويها ويشعرها بالنشوة أن تُعتبر "نفعية" أو براغماتية

كلّ ما حول تركيا هو حالة من الخلافات والصراعات، سواء العلنية منها أو غير العلنية، وحالة من التضاد على مستوى المبادئ والقيم والإيديولوجيات، وعلى مستوى المشروع القومي، الذي قد يتقاطع آنياً مع مشاريع قومية أخرى، في الوسائل والأدوات والمناورات والخيارات، لكنه يظل  مشروعا مقلقاً، ونقيضاً لغيره.

مع إيران، يبدو بينها وبين تركيا من الاختلاف الشيء الكثير والعميق، فلكلّ منهما مذهبها على مستوى الدين، ولكلّ منهما مشروعها السياسي وطموحاتها في التوسع السياسي والانتشار والسيادة والسيطرة والتأثير، لكنّ المعنى الذي يصلح كعنوان مستمر لما يمكن أن يقال أو يكتب عنهما معاً كشريكتين، هو "تفاهمات نفعية" أو مصلحية، ففي السياسة والنفعية السياسية أو الواقعية السياسية تستطيع تركيا أن تتجاوز خلافات المذهبية وصراع المشروع ونقيضه الإيراني، في حروب ونزاعات تشنها كلّ منها خارج أراضيها.

اقرأ أيضاً: براغماتي ولديه علاقات مع اللاعبين على الساحة العراقية.. الكاظمي "الذي لا يعادي أحدا"

ومع إسرائيل، فعلى النقيض من العلاقة بين العرب وإسرائيل، التي قامت بينهما أول الأمر على مبدأ "المقاومة مقابل الاحتلال"، ثمّ تحولت بفعل صيرورات السياسة والتحديات التي لم تلقَ استجابات منسجمة مع مستواها، إلى مبدأ "الأرض مقابل السلام"، ونتيجة أيضاً لتحولات كبرى وعميقة تشهدها المنطقة تحوّل المبدأ إلى عنوان جديد "السلام مقابل السلام"، على النقيض من ذلك كله، تقوم العلاقة بين تركيا وإسرائيل على مبدأ "المصلحة مقابل المصلحة"، لم تدخل إلى مشهد المقاومة، ولا إلى مشهد السلام واتفاقياته ومفاوضاته الكثيرة التي جعلت حياة الفلسطينيين كلها "مفاوضات"، حسب تعبير قديم لكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، لكنها -أي تركياـ بقيت تعلن التزامها بالقضية الفلسطينية، سرعان ما يظهر هذا الالتزام دون أي التزام يؤثر على العلاقة النفعية بين الجهتين.

 يجب التفريق بين براغماتية تركيا ونفعيتها الفعلية ومبدئيتها المفترضة لأغراض شعبوية

لقد أعلن أردوغان - على سبيل المثال - رأيه الرافض لـ"صفقة القرن"، فقد صرح أنّ "تركيا لن تسمح أبداً أن يتبعثر مخطط السلام للشرق الأوسط في المنطقة من خلال ما يُسمّى صفقة القرن"، إنه مجرّد إعلان لا تستتبعه أي التزامات فعلية.

هذه البراغماتية المتصلة بإسرائيل، والعلاقات التي تتوفر على حظوظ كبيرة مقبولة من تركيا، وتعتبر سياسات ذكاء، لكنها عربياً تبدو كبيرة من الكبائر، وعلاقة مرفوضة جملة وتفصيلاً لدى شعوب تطمئن لمشروع تركيا القومي ولا تطمئن لقدرتها على بناء مشروعها العربي.

أمّا مع تركيا والعرب، فتبدو أحدث مقاربة للعلاقة متمثلة في محاولة تركيا التقارب مع مصر، رغم ما بين البلدين من خلافات، بل رغم ما بينهما من حرب باردة على الأرض، لكنها ساخنة جداً في السياسة وفي الخطاب وفي تفاصيل التصريحات السياسية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟

سيبدو أنّ الأمر فيه شيء من الغباء السياسي، إذا كانت رؤية تركيا تتمحور حول الاستفراد بمصر وعزلها عن محورها العربي وتحالفها الرباعي مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لكن لنحاول أن نحسن النيّة، بحيث تدرك تركيا صعوبة ذلك، وتمضي بجدية وجرأة في اتجاه استعمال خيارات فاشلة، بمعنى أنها تدرك حتمية الفشل في استدراج مصر خارج محورها، لكنها ترغب في خلق مساحة سانحة بين الطرفين لتفاعل من نوع ما، يمكن أن يحدث مستقبلاً، ففي الحاضر تقف جملة من القضايا والأزمات كحاجز سميك بينهما، بدءاً من جماعات الإسلام السياسي، وليس انتهاء بأزمة ليبيا.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (27): براغماتية العلاقة مع الغرب

لا تمثل مصر كلّ العلاقة بين العرب وتركيا، لكنها أحدث مناورات أنقرة في هذا الجانب، فالعلاقة بين تركيا والعرب على مستوى الأنظمة والسياسات علاقة حرجة ومفخخة جداً، لكنها على مستوى الشعوب، تبدو لتركيا حظوظ لا يستهان بها، نظراً لقدرتها على إخفاء "نفعيتها" وواقعيتها السياسية، والظهور للعرب شعوباً وجماعات بمظهر الدولة "المبدئية" التي تحرس مكونات الشعور الجمعي العربي من الدين والإسلاميين والمضطهدين إلى المقاومة وكره إسرائيل والتصدي للأطماع الغربية في دول الأزمات العربية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن.

تركيا تعمل بجدية بالغة وإصرار على بناء ولاءات لها لدى الشعوب العربية مقابل شعارات خادعة

أخطر ما في الأمر أنّ تركيا تعمل بجدية بالغة وإصرار كبير على بناء ولاءات لها لدى شعوب المنطقة العربية، وخارجها أيضاً، بحيث تضغط هذه الولاءات على سياسات الدول بما يعزز حضورها ويكرّس مشروعها مقابل المشروع الإيراني والمشروع الغربي.

لهذا كله، يجب التفريق بين براغماتية تركيا ونفعيتها الظاهرة والمكرّسة في الوقائع وفي السياسات، وبين مبدئيتها المفترضة ونظرياتها ومثلها العليا للحقائق الكبرى، فالدولة التي تتبنّى المبدأ النفعي والبراغماتي تنظر إلى الحقيقة على أنها ثانوية إزاء الممارسة العملياتية، فلا حقيقة مع حقيقة المصلحة والحلول العملية للمشكلات التي لا تقوم إلا على أنقاض المثاليات والنظريات.

قد تبدو تركيا متصالحة مع واقعها ومع خياراتها، ومنسجمة مع نفسها في سياساتها وواقعيتها، لكنّ الولاء الشعبوي المفرط لها ولمشروعها النظري وتمثلاته في الوجدان الشعبي عند كثير من العرب هو ما لا يبدو واقعياً، ولا يعتبر صيغة مأمولة لمصالحة العربي مع مصالحه العملية.

الصفحة الرئيسية