الإمارات في مرمى الحرب الإعلامية: استراتيجيات التضليل وصناعة الشائعات

الإمارات في مرمى الحرب الإعلامية: استراتيجيات التضليل وصناعة الشائعات

الإمارات في مرمى الحرب الإعلامية: استراتيجيات التضليل وصناعة الشائعات


14/03/2026

عبدالمنعم همت

في لحظات التوتر الإقليمي والصراعات العسكرية، تتسع مساحة الحروب غير التقليدية، حيث تتحول المعلومات والإشاعات إلى أدوات تأثير لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات المسيرة. وفي هذا الإطار، يعمل التنظيم العالمي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين على بناء استراتيجيات إعلامية مكثفة تستغل الأجواء السياسية والعسكرية المتوترة في المنطقة، بهدف توجيه الرأي العام وإعادة تشكيل الصورة الذهنية حول بعض الدول، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة.

هذه الإستراتيجية الإعلامية لا تقوم على الخبر بقدر ما تقوم على بناء سرديات سياسية تنتشر بسرعة في الفضاء الرقمي، وتستهدف خلق حالة من الارتباك النفسي والإعلامي داخل المجتمعات العربية والإسلامية. ويلاحظ أن هذه الحملات تعتمد على مجموعة من الرسائل المتكررة التي يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إعلامية مرتبطة بشبكات التنظيم أو متعاطفة معه.

من أبرز هذه الرسائل محاولة حشد الرأي العام العربي والإسلامي ضد الإمارات عبر تصويرها كطرف رئيسي في صراعات المنطقة. هذه المقاربة تعتمد على خطاب تعبوي يسعى إلى تحويل الخلافات السياسية إلى قضية عاطفية، مستفيداً من حساسية الشارع العربي تجاه قضايا السيادة والصراعات الإقليمية.

كما يجري الترويج لروايات تتهم الإمارات باستهداف سلطنة عمان، وهي روايات تستهدف في جوهرها ضرب العلاقات التاريخية بين البلدين. فالعلاقة بين الإمارات وعمان تقوم على توازنات تاريخية واجتماعية عميقة، وقد أدركت بعض الجهات أن إثارة الشكوك بين الدولتين يمكن أن يخلق ارتباكاً في المشهد الإقليمي.

إلى جانب ذلك، تروج بعض المنصات المرتبطة بهذه الشبكات لروايات تدعي أن إيران تمكنت من توجيه ضربات كبيرة للبنية التحتية في الإمارات. هذا الخطاب يهدف إلى تصوير الدولة الإماراتية بوصفها ضعيفة أمنياً وعسكرياً، وهو تصور يتناقض مع الوقائع المعروفة حول منظومة الدفاع المتطورة التي تمتلكها الدولة.

وتتوسع هذه الحملات لتشمل بث شائعات حول هروب المواطنين والوافدين من الإمارات وانتشار أزمات في الغذاء والمياه. هذه الروايات تستند إلى أسلوب معروف في الحروب النفسية، حيث يتم تضخيم الأحداث أو اختلاق وقائع بهدف خلق شعور عام بالقلق وعدم الاستقرار.

كما يجري الترويج لفكرة أن الإمارات تقترب من نفاد مخزونها من أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية في مواجهة الهجمات المحتملة بالطائرات المسيرة أو الصواريخ. هذا الخطاب يستهدف إضعاف الثقة في القدرات الدفاعية للدولة، وإيصال رسالة بأن البنية العسكرية الإماراتية قد تصبح عاجزة عن حماية المجال الحيوي للدولة.

لفهم هذه الحملات الإعلامية، لا بد من النظر إلى الدوافع الإستراتيجية التي تقف وراءها. فالإمارات خلال العقدين الماضيين تحولت إلى لاعب إقليمي مؤثر في مجالات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي. هذا الحضور القوي خلق في المقابل شبكات من الخصوم السياسيين والأيديولوجيين الذين يرون في نجاح التجربة الإماراتية تهديداً لمشاريعهم السياسية.

في هذا الإطار، تنظر بعض التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي إلى الإمارات بوصفها إحدى الدول التي واجهت مشروعها السياسي في المنطقة. لذلك تسعى هذه التيارات إلى تقويض صورة الدولة الإماراتية عبر حملات إعلامية منظمة تستهدف الرأي العام العربي والإسلامي.

هناك أيضاً بعد آخر يتعلق بطبيعة الصراع بين مشروع الدولة الوطنية الحديثة ومشروعات التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود. فنجاح نموذج الدولة المستقرة اقتصادياً وأمنياً يقلل من جاذبية الخطابات الأيديولوجية التي تقوم على فكرة الفوضى أو الثورة الدائمة. ولهذا، تصبح الحرب الإعلامية إحدى الوسائل المستخدمة لمحاولة إضعاف الثقة في هذا النموذج.

تعتمد هذه الحملات في الغالب على آليات رقمية متطورة، مثل استخدام حسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، وإعادة تدوير الأخبار القديمة، وبناء حملات منظمة لنشر الشائعات في توقيتات محددة. كما يجري أحياناً استخدام مواقع إلكترونية أو قنوات إعلامية تبدو مستقلة في ظاهرها، لكنها مرتبطة بشبكات سياسية محددة.

وفي بعض الحالات، تتقاطع هذه الحملات مع روايات إعلامية مرتبطة بجماعات مسلحة أو تنظيمات متشددة في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن، أو مع خطاب جماعات متطرفة مثل داعش وبوكو حرام التي تستخدم أيضاً الدعاية الإعلامية كأداة للتأثير النفسي.

غير أن مواجهة هذه الحملات لا تعتمد فقط على الرد الإعلامي المباشر، بل تتطلب استراتيجية متكاملة للأمن المعلوماتي والإعلامي. الخطوة الأولى في هذه الإستراتيجية تتمثل في تعزيز الشفافية الإعلامية، لأن المجتمعات التي تمتلك مصادر معلومات موثوقة تكون أقل عرضة لتصديق الشائعات.

كما أن تطوير قدرات الرصد الرقمي يمثل عنصراً أساسياً في التعامل مع هذه الظاهرة. فالتقنيات الحديثة تسمح بتتبع الحملات المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعي وكشف الشبكات التي تقف خلفها، وهو ما يساعد على فهم طبيعة الحرب الإعلامية الموجهة.

وتبرز أيضاً أهمية التوعية المجتمعية في مواجهة الشائعات. فالمواطن الواعي بطبيعة الحروب المعلوماتية يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخبر الحقيقي والدعاية السياسية. المجتمعات التي تمتلك ثقافة إعلامية متقدمة تكون أقل عرضة للانجرار وراء الحملات النفسية.

على المستوى الإقليمي، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون في مجال الأمن الإعلامي، خاصة أن الحملات الرقمية غالباً ما تستهدف أكثر من دولة في الوقت نفسه. تبادل المعلومات حول الشبكات الإعلامية المضللة يساعد على الحد من تأثيرها.

ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز السردية الإيجابية القائمة على الحقائق والإنجازات الواقعية. فالدول التي تمتلك سجلاً واضحاً من التنمية والاستقرار تكون أكثر قدرة على مواجهة الحملات الدعائية، لأن الواقع الملموس يصبح أفضل رد على الروايات المضللة.

إن الحروب الحديثة لم تعد تدار فقط في ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت تدور أيضاً في فضاء المعلومات والصورة الذهنية. وفي هذا الفضاء، تلعب الشائعات والدعاية دوراً مركزياً في تشكيل مواقف الرأي العام.

لكن التجربة تشير إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصاداً مستقراً وشبكات علاقات دولية واسعة تكون أكثر قدرة على الصمود أمام هذه الحملات. فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس بما تملكه من عتاد عسكري، وإنما بقدرتها على حماية وعي مجتمعها من محاولات التضليل الإعلامي.

وفي هذا الإطار، يبقى الوعي الاستراتيجي والتماسك المجتمعي والشفافية الإعلامية من أهم أدوات الدفاع في مواجهة الحروب المعلوماتية التي أصبحت جزءاً أساسياً من صراعات العصر الحديث.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية