
أسامة أحمد المصطفى
حين يقع الإعلام أسيرًا للخوف، وحين تُختطف استقلاليته من تحت يده، لا يفقد المجتمع نافذته إلى الحقيقة فحسب، بل يفقد إحدى أعتى أدواته في التفكير والمساءلة وتكوين الوعي.
وحين ترتهن المنابر الإعلامية للأيديولوجيا، تنحسر وظيفتها المعرفية، وتتحول من سلطة رقابية تستنطق الوقائع وتستجلي الحقائق، إلى آلة تعبئة تعيد اجترار الخطاب ذاته، وتستدعي من الجمهور أن يصدّق قبل أن يسأل، وأن ينقاد قبل أن يفكر.
وهنا تتبدى فداحة الإعلام المؤدلج؛ فهو لا يكتفي بطرح رواية سياسية منحازة، وإنما يتوغّل إلى ما هو أعمق، فيعيد هندسة وعي الجمهور وفق نسق محدد من المفاهيم والمواقف، حتى يصبح الاختلاف ضربًا من الخروج، والسؤال شبهةً، والنقد خصومةً، والمعلومة التي لا تنسجم مع الرواية المهيمنة مصدرًا للريبة والخطر.
وفي التجربة السودانية، يمكن قراءة جانب من أداء الإعلام المرتبط بالحركة الإسلامية (الإخوان) بوصفه نموذجًا لهذه المعضلة؛ فعندما تتماهى العقيدة السياسية مع أدوات الإعلام، يتضاءل الفاصل الضروري بين الصحفي والسلطة، وبين الخبر والدعاية، وبين الحقيقة والرواية التي يُراد لها أن تستوطن وجدان الجمهور.
والإعلام الذي يعيش تحت سطوة الخوف لا يحتاج دائمًا إلى رقيب يقف خلف العاملين فيه؛ إذ يكفي أن يتعلم العاملون حدوده غير المرئية، وأن يستبطنوا مسبقًا ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. عندها تنتقل الرقابة من الخارج إلى الداخل، وتتحول إلى رقابة ذاتية مستبطنة، يصبح معها الخوف جزءًا خفيًا من عملية صناعة الخبر وصياغة الرواية الإعلامية.
أما الإعلام المؤدلج، فمأزقه أعمق من مجرد حجب بعض الحقائق؛ إذ قد يعمد إلى إعادة ترتيب الوقائع ذاتها. يضخّم حدثًا هامشيًا حتى يستحيل قضية مركزية، ويطمر حدثًا جوهريًا تحت ركام التفاصيل، ويرفع منسوب صورة شخصية، بينما ينتقص من شرعية أخرى، ويصنع للخصم صورة نمطية تختزل الإنسان كله في موقفه السياسي.
وعند هذه العتبة، لا يعود الجمهور أمام إعلام يسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما البدائل الممكنة؟ بل يصبح أمام إعلام يلقنه مسبقًا: ماذا ينبغي أن يعتقد؟ ومن ينبغي أن يرفض؟ ومن ينبغي أن يصدّق؟ وهنا تحديدًا ينزاح الإعلام من صناعة الوعي إلى صناعة الامتثال.
والأخطر أن الجمهور المنقاد لا يولد بالضرورة من عجز فطري عن التفكير، وإنما قد تصنعه بيئة إعلامية مغلقة تتكاثر فيها الرسالة الواحدة، وتتكرر بالصوت والصورة والعنوان والتحليل حتى تفقد صفتها كرسالة وتتحول إلى مناخ ذهني عام. عندها تصبح الألفة قناعة، والقناعة موقفًا، والموقف سلوكًا جماعيًا.
إن التكرار الممنهج للرواية الواحدة، وإقصاء الأصوات المغايرة، وتصوير الخصوم باعتبارهم خطرًا دائمًا، واستعمال معجم التخويف والتخوين والتشهير، كلها أدوات قادرة على تحويل الإعلام إلى مصنع للصور الذهنية، لا إلى مختبر للحقيقة، لكن الإعلام الوطني الحقيقي ينبغي أن يسير في الاتجاه النقيض تمامًا.
وظيفته ليست صناعة جمهور مطيع، وإنما بناء مواطن مستنير؛ وليست منح السلطة حصانة إعلامية، وإنما تمكين المجتمع من مساءلتها؛ وليست إغلاق منافذ الاختلاف، وإنما تحويل الاختلاف إلى فضاء رحب للحوار والتدافع الفكري.
الإعلام الرشيد لا يجزع من السؤال؛ لأن السؤال ليس خصمًا للحقيقة، بل أحد مسالك الوصول إليها. ولا يتحسس من النقد؛ فالمؤسسة الواثقة من مشروعها لا تحتاج إلى إسكات منتقديها، وإنما إلى مواجهتهم بالحجة والبيّنة والمعلومة والإنجاز.
ومن هنا، فإن السودان في مرحلته المقبلة يحتاج إلى إعلام مختلف في فلسفته وأدواته ووظيفته؛ إعلام يتجاوز منطق التعبئة الأيديولوجية إلى إعلام الدولة والمجتمع والإنسان. إعلام يجعل السلام في مقدمة أجندته، ويمنح الوحدة الوطنية فضاءً حقيقيًا، ويحتفي بالتنوع، ويرصد التنمية، وينشر المعرفة، ويتيح للرأي والرأي الآخر أن يلتقيا في ساحة واحدة دون إقصاء أو استعلاء.
إن المعركة الحقيقية ليست بين إعلامٍ مؤيد وإعلامٍ معارض، وإنما بين إعلامٍ يصنع الوعي وإعلامٍ يصنع الوهم؛ بين إعلامٍ يفتح عيون الناس على المستقبل، وإعلامٍ يعيدهم باستمرار إلى متاريس الماضي ، فالوطن الذي يريد أن ينهض لا يحتاج إلى جمهورٍ يصفّق، بل إلى مجتمعٍ يفكر؛ ولا يحتاج إلى إعلامٍ يردد ما تريد السلطة سماعه، بل إلى إعلامٍ يمتلك شجاعة أن يقول ما يحتاج الوطن إلى سماعه.
فالإعلام الذي يوقظ العقل يبني وطنًا، أما الإعلام الذي يخدّر العقل فلا يصنع إلا جمهورًا منقادًا كالقطيع، خاضعًا للتلقين، مستسلمًا للوهم، فاقدًا لقدرته على السؤال والتمييز.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_1.png.webp?itok=Fb6uB5fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KwVHMk9_iXW2OmEEwYzKw9YwtnojyB58oWT2f8aqcH2oxPDboVp672B3lIznXWDzyHwtCTD_IG3v80sV3yfOBP0d54vKq0PhgrsZ9xgCULQKjJIVUoO5aC2E8247S0SM0410uXoA-I06c-smYPMwz2pBPTCSKFVEHLVjWcy3KIzrKXaLLN8633CRzGHDqDUy.jpg.webp?itok=A0vfHZK1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0.jpeg.webp?itok=GwiyL61a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/StMPEl1Fc9xKmBXazZnIjk-Qf2HwVEc9IMLSJyyYwvnL-nbkldTJkVyF0xZ4wmZTqx4wF8zOrmNxGT9rEVwLKsidfRueyzzMk7YUS6q9nMldJtUVWz-DmwTkPc8m9mN-QnPpzYWhM8AWNniyOaQi8U8H6-F616d49rb4vUC-akA3riYxHsDJ6eMN7GeWHp4O.jpg.webp?itok=AHmLtY3j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_206_0.jpg.webp?itok=54BJ5L6Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1.jpg.webp?itok=HiSjRkaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0.jpg.webp?itok=em76kfMZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/F48mg1VTbIqzfAicFS7Rpivte6VpRUzZukpWNLTJHcx7imSU4Bqq58f1gzPNdAYSMGkdgyrEGEHismcmElVJUbPk4fX8cPue1gvDzSbGFaCX8K6fvt429_F0vinT4mEhOUPq7rbq53C37onaHHa8aRhrdq_PgmDRNHfpL983i6sTe__4awjL5a81Nfz0GADB.jpg.webp?itok=K6176ejz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0.jpg.webp?itok=qv1UIFJ2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=hImxY3gi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_1_6_0_0_0_1_2_1_0.png.webp?itok=pHZz6M_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0.jpg.webp?itok=C6ynXhh9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/G8aSC3poWT22tcUMyixO__4tQqNBq8w6f5n8Ng0kNzKzU817899X4Cy-okoyZf-AFMRWoARG4d5hHpS9zHYq2eLyk6J2hUKB35h6akd7e9rLkFCrwgFRF0esXNQzuggReKZC_Q4D3ReNI2JKHzESJ63I8O5Dqsd593N0aQ37U5BJGzL4PSKQ9BMn2iKhhT7g%20%281%29.jpg.webp?itok=rQ_sZOWG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

