الإسلام بدقائق: فيديوهات فرنسيّة لدرء الشبهة.. ولكن!

فرنسا

الإسلام بدقائق: فيديوهات فرنسيّة لدرء الشبهة.. ولكن!

مشاهدة

30/07/2019

أعلنت شبكة "سافاري نيوز" مؤخراً؛ إطلاقها مجموعة من الفيديوهات التعليميّة التوعويّة الموجهة للشبان والشابات، بين عمرَي 16 حتى 35 عاماً؛ فالشبكة التي تأسست عام 2002 ترى أنّ مهمّتها نقل أخبار المسلمين في فرنسا والتوعية بالظاهرة الإسلاميّة.

اقرأ أيضاً: "الإسلاموفوبيا".. هل هي إعادة إنتاج للمظلومية؟
المثير للاهتمام في هذه الفيديوهات، حتى قبل مشاهدتها؛ هو التعريف الذي تقدّمه المؤسسة، فاسم "بيت الحكمة-La Casa del Hikma" الذي تحمله السلسلة لا يحيل إلى المسلسل الإسباني المشهور "La Casa de Papel"، بل إحالة إلى "دار الحكمة" الجامعة التي أُسست في بغداد، وبلغت أوجها في عهد هارون الرشيد.

شعار الشركة المنتجة
بالعودة لسلسلة الفيديوهات؛ نرى أنّ سافاري وظفت الأغنية الشهيرة التي اشتهر بها المسلسل "وداعاً أيتها الجميلة-bella ciao"، في الفيديو الترويجيّ للفيديوهات،  رغم نفي القائمين عليها لأيّة علاقة مع المسلسل، في تجاهل لحقيقة أنّ الأغنيّة استخدمت أصلاً من قبل المقاومة الإيطالية ضدّ الفاشيّة، هي أغنية ثوريّة بامتياز، ولا يعرف سبب إنتاج نسخة منها تعزف على العود لتكون في الخلفيّة، لكن من هذه العملية الثقافيّة (cultural appropriation) تتيح النظر إلى الفيديوهات، كمنتجات ثقافيّة تقتبس من منتجات سابقة وتدخلها ضمن مكوناتها بعد تعديلها ووضعها ضمن سياقات جديدة،  مع العلم أنّ الشركة المنتجة نفت بصورة متهكمة وكوميديّة أيّة علاقة مع المسلسل الإسبانيّ؛ فالفيديوهات لا تحوي أيّة دعوات ثوريّة أو محاولات لسرقة أيّ بنك.

تتضمن الفيديوهات خوفاً من سوء الفهم المرتبط بالمفاهيم الإسلاميّة وكأنها موجهة لغير المسلمين الذين لا يمتلكون أيّة فكرة عن الإسلام

تقول الشركة المنتجة إنّ الفيديوهات الأحد عشر جزءاً من مسؤوليتها الوقوف بوجه التشدّد بأشكاله كافة، كونه نابعاً من الجهل والتلاعب بالناس ومعاني الكلمات، لتأتي الفيديوهات كجهد تعليمي وتثقيفي باستخدام "صيغة أصليّة ومغايرة"، وهذا تصريح مبالغ به؛ فالرسوم المتحركة ذات الطابع الإسلامي ليست بالجديدة، بل منتشرة بكثرة، إلا أنّ الشركة المنتجة تشير إلى أنّ الهدف من الفيديوهات "تعليمي لخلق مجتمع منفتح قائم على المساواة".
الفيديو الأول في السلسلة يحمل اسم "الجهاد، حرب مقدسة؟" والذي يبدأ باقتباس من شخص لا تُعرف هويته أثناء مقابلة تلفزيونيّة، يشرح فيها معنى الجهاد بوصفه حرباً مقدسة، هذه المقابلة يشاهدها عبر هاتفه النقال شاب أشقر ببذلة رسمية، إلى جانبه رجل ذو لحيّة يبدو عربياً، ومن خلال سوء فهم كلمة "جهاد" والنقاش بين الرجلين،  يظهر بعدها  طارق أوبرو، عميد مسجد بوردو الكبير، ليشرح معاني الجهاد  لغوياً، فهو ليس دعوة للحرب بل لـ "المجاهدة" في سبيل العلم والحياة، ليبين لاحقاً أنّ الإسلام لا يدعو للحرب، ولا المواجهة وغيرها من التأويلات التي  تقرأ الإسلام بوصفه نشاطاً روحياً حصراً، ليسأل الرجل ذو اللحيّة الشيخ نفسه؛ ماذا عن الفتوحات الإسلاميّة؟ ويأتي الجواب؛ إنّ الأمر سياسيّ وليس دينياً، فالفتوحات كانت جهداً سياسياً للدفاع عن الدولة حينها، فكان لا بدّ من الهجوم والغزو لحماية الدولة الناشئة.

اقرأ أيضاً: هل تتغذى الإسلاموفوبيا في كندا على الممارسات الغريبة لبعض المسلمين؟
الشيء ذاته في الحلقة الثانيّة؛ إذ يرى المتابع الموقف اليوميّ ذاته، وسوء الفهم عن الصوفيّة، ليأتي العالِم الإسلامي، عثمان تيمورا، ويشرح عن الصوفيّة قائلاً؛ إنّها ليست من خارج دين الإسلام ولا محاولة لتهديمه من الداخل، بل هي شكل من أشكال النشاط الروحاني.

صورة من الفيديو الخاص بالجهاد
يلمس المشاهد في الفيديوهات خوفاً من سوء الفهم المرتبط بالمفاهيم الإسلاميّة، وكأن الفيديوهات موجهة لغير المسلمين، الذين لا يمتلكون أيّة فكرة عن الإسلام؛ إذ يوظف سوء الفهم اليوميّ، والعبارات التي تردّد في الشارع وعلى التلفاز، في سبيل شرح مفاهيم الإسلام، ونزع الشبهات واللبس، وتفكيك الصورة النمطيّة عن المسلمين، في سبيل تقديم تفسير وتأويل للإسلام بوصفه مجرد سلوك فرديّ، روحاني، لا شيء فيه يثير الرعب؛ بل ويمكن توظيفه ضمن المساحات العامة والسياسيّة لتحقيق المساواة وخلق الاختلاف، كلّ هذا  عبر الانطلاق من لُبس يوميّ إلى شرح لغويّ للمفردات والمفاهيم التي تثير الحيرة؛ كالمساواة والعلمانيّة والشريعة.

المهندس والناشط ياسر كرجوسلي: توظيف التكنولوجيا وتقنيات النشر المتنوعة يساهم بإعادة النظر في الشروط التاريخية للظاهرة الدينيّة

تقدم هذه الفيديوهات قراءة لا سياسية للإسلام، تنزع عنه الشروط التاريخيّة، وتركز على النصّ القرآني المفتوح للتأويل، وكأنّ التأويل الحرفي للنص القرآني هو المشكلة الجوهريّة، لتأتي الفيديوهات أقرب للشرح المعجمي للكلمات والآيات،  أو مقاربة روحانيّة وفكريّة، في تجاهل تام للحركات السياسيّة والمؤسسات التي تغذي هذه القراءات المنحرفة وتضخّ البروباغاندا  للجماعات الإرهابيّة، فإعادة قراءة النصّ القرآني وتفسيره لا يمكن أن تقف بوجه الأصوليّة، لتبدو الفيديوهات نوعاً من البروباغاندا "البيضاء"؛ التي تقدم قراءة لغويّة للنصّ، وتدافع عن صورة المسلمين أمام الفرنسيين، كما أنّ التفسيرات المقدمة لا تنزع عن النص القدسيّة، أو تسائله؛ بل تحافظ عليه كمحرك ومرجعيّة لا يمكن المساس بهما.

صورة من الفيديو الخاص بالصوفيّة
التقت "حفريات" بالمهندس والناشط، ياسر كرجوسلي، وسألته عن رأيه في هذه الفيديوهات، وخصوصاً أنّه طوّر تطبيق "تيندريج إسلام" الذي يتيح إعادة ترتيب آيات المصحف، فيقول بدايّة: "لا أجد أيّ غريب في توظيف أشكال التكنولوجيا والاتصال الحديثة ضمن قضايا الدين والدعوة له أو ضدّه، الموضوع منتشر ويوظف باحتراف عالٍ من قبل الجماعات الجهادية  والمعتدلة على حدّ سواء، فكلّ أيديولوجيا تسعى لمواكبة العصر ومتغيراته، والفيديوهات الترويجية التي تبثّها داعش هي أوضح مثال على ذلك".

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
ويضيف: "تبدو هذه الفيديوهات لا إشكاليّة، فهي أقرب لدعوة رقيقة لإيضاح اللبس في المصطلحات اليوميّة، لكنها ليست بالعمق الكافي لتقف بوجه البروباغاندا المضادة، تلك الجهادية أو السياسية؛ إذ لا يكفي التفسير الذي يقدّمه المختصون هنا، والأسلوب التوعويّ، ولا بدّ من سبر تاريخي وفهم لسياق الظاهرة الإسلاميّة، لتأتي التكنولوجيا بوصفها ليست وسيطاً لنقل المعلومات فقط؛ بل وسيلة لمساءلتها نفسها".
ويستطرد: "توظيف التكنولوجيا وتقنيات النشر المتنوعة يساهم بإعادة النظر في الشروط التاريخية للظاهرة الدينيّة، فكما غيرت المطبعة من طبيعة الفكر المسيحي، وأتاحت الانتشار الأوسع للنصوص المقدسة، فإنّ الشيء ذاته يحدث مع تقنيات العصر الحاليّ، فالكلمة التي كانت وسيطاً للنص الديني، يمكن أن تستبدل بشيفرة ربما، وهنا يمكن النظر عميقاً في النصّ الديني، سواء من وجهة نظر متشددة أو منفتحة، بوصفه وليد شروطه التاريخيّة والفكريّة، ومعانيه وسطوته يمكن أن تتلاشى جميعها، أو تتغير بسبب التكنولوجيا، ومن هذا المنطلق تبدو هذه الفيديوهات مجرد محاولات بدائيّة تفقد أثرها بمجرد الانتهاء من مشاهدتها، أشبه بمعلومة سريعة تُنسى مباشرة أمام الضخّ الهائل من المعانيّ الأخرى، التي يمكن أن تحملها كلمات، كجهاد أو شريعة، التي تذكر في سلسلة الفيديوهات".


الصفحة الرئيسية