أكاديميون خلف البسطات... حين تنكسر الشهادات أمام لقمة العيش في غزة

أكاديميون خلف البسطات... حين تنكسر الشهادات أمام لقمة العيش في غزة

أكاديميون خلف البسطات... حين تنكسر الشهادات أمام لقمة العيش في غزة


07/05/2026

في سوق الزاوية الشعبي بمدينة غزة يقف رجل خمسيني خلف بسطة صغيرة يرص عليها بعض الخضروات بعناية لافتة، كأنّما يعيد ترتيب أفكاره قبل أن يقدمها لطلبته في قاعة المحاضرات، لكن هنا، لا طلاب ولا سبورة، هنا فقط زبائن عابرون، ومساومات يومية على أسعار لا تكاد تغطي متطلبات الحياة.

هذا الرجل هو الدكتور محسن راضي أستاذ جامعي، يحمل شهادة دكتوراه في الجغرافيا، قضى سنوات طويلة في تحصيلها، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى استبدال قاعات الجامعة برصيف الشارع.

وأطلق عدد من الأكاديميين والناشطين تقريراً بعنوان "تذكّروهم: علماء فلسطين الذين قتلوا في إبادة غزة" يوثّق استهداف النخبة العلمية في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة.

ووفق المعطيات التي يوردها التقرير، دمرت إسرائيل كافة الجامعات الـ 12 العاملة في قطاع غزة، إلى جانب 7 مؤسسات أخرى للتعليم العالي، في حين دمر أكثر من 57 مبنى جامعياً يشمل كليات وقاعات تدريس ومختبرات ومكتبات ومتاحف، حيث سويت بالأرض.

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، أدى هذا الاستهداف إلى حرمان نحو 87 ألف طالب وطالبة من الدراسة الجامعية، في حين استشهد أكثر من 1200 طالب جامعي، وما يزيد على 200 من أعضاء الهيئات الأكاديمية في جامعات غزة، كثير منهم في ضربات مباشرة على منازلهم، فضلاً عن إصابة وتشريد عدد كبير منهم.

من المنبر الأكاديمي إلى الرصيف

يقول د. راضي بصوت هادئ يخفي وراءه ثقلاً كبيراً: "لم أتخيل يوماً أنني سأقف هنا، كنت أدرّس آلاف الطلبة، وأناقش أبحاثاً علمية، واليوم أناقش أسعار الخضروات والفواكه".

ويضيف أنّ "التحول لم يكن فجائياً، بل نتيجة تراكمات من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عصفت بقطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة، فتوقفت الرواتب، ثم أصبحت مجتزأة، ثم لم تعد تكفي لأبسط مقومات الحياة".

ويوضح: "في البداية حاولت الصمود، وكنت أرفض فكرة العمل خارج مجالي، لكن حين وجدت نفسي عاجزاً عن توفير الحاجات الأساسية، ولم يعد هناك مجال للترف الفكري، فلديّ عائلة ومسؤوليات لا تنتظر".

وبسؤاله عن شعوره وهو يقف خلف البسطة، يجيب د. راضي بعد صمت طويل: "العمل ليس عيباً، هذه قناعة راسخة لديّ، لكنّ المؤلم هو الشعور بأنّ كل ما بنيته علمياً تم تهميشه، ليس لأنني فشلت، بل لأنّ الواقع فشل في احتوائنا".

ويتابع: "أصعب اللحظات هي عندما يمرّ أحد طلابي السابقين، بعضهم يتجنب النظر إليّ، وبعضهم يحييني باحترام مضاعف، في كلتا الحالتين أشعر بثقل المشهد".

بين الصمود والانكسار

وعن نظرته لنفسه اليوم، يكمل: "أنا لم أفقد هويتي الأكاديمية، لكنّها أصبحت جزءاً صامتاً داخلي، أحملها معي وأنا أزن الخضار، وأتحدث بها في رأسي حين لا يسمعني أحد".

ويشرح: "نحن لا نعمل في هذه المهن لأننا نرغب، بل لأننا مجبرون، هناك فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، التي تفاقمت بفعل الحصار والبطالة، فتخيل أن تقضي 20 عاماً في التعليم، ثم تجد نفسك تبدأ من الصفر، هذا ليس فقط تحدياً اقتصادياً، بل صدمة نفسية عميقة".

ورغم قسوة الواقع، يحاول كثير من هؤلاء الأكاديميين الحفاظ على توازنهم النفسي، ويواصل: "غالباً أعود إلى كتبي في الليل، أقرأ، وأكتب، وأحاول ألّا أنفصل تماماً عن عالمي الحقيقي، وفي أوقات كثيرة أشعر بأنني أعيش حياة مزدوجة، واحدة في الشارع، وأخرى في ذهني".

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني: "إذا استمر الوضع كما هو، فسنخسر جيلاً كاملاً من العقول، ليس لأنّهم غير قادرين، بل لأنّهم منهكون، لكن رغم كل شيء، ما زلت أؤمن بأنّ العلم لا يهدر، وربما تتأخر الفرصة، لكنّها لا تموت".

سيرة علمية ومسار ينكسر ببطء

وخلف طاولة خشبية مهترئة في حي الرمال وسط مدينة غزة، تصطف عليها سلع متواضعة، ومعلبات، وبعض المواد الغذائية الأخرى، وأكياس صغيرة من البقوليات، يجلس الدكتور شوقي سليمان، وفي عينيه شيء يشبه الدهشة المزمنة، دهشة رجل لم يستوعب بعد كيف انتهى به المطاف هنا.

وقبل سنوات، كان د. سليمان (43 عاماً)، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات، يناقش نظريات معقدة مع طلبته، ويشرف على أبحاث علمية، واليوم  يقضي نهاره في حساب الفكة، ومراقبة حركة السوق، وانتظار رزق قد لا يأتي".

 

حصل على شهادة الدكتوراه بعد سنوات من الدراسة في ليبيا، وعاد إلى غزة مدفوعاً برغبة في الإسهام في بناء المجتمع الأكاديمي، ويستعيد تلك المرحلة ويكمل: "كنت أؤمن أنّ العودة واجب أخلاقي، ورفضت عروضاً للبقاء في الخارج، وكنت أقول دائماً غزة بحاجة إلى عقول أبنائها، لكنّ الواقع كان أكثر قسوة من التوقعات".

ويبين: "في البداية كان هناك أمل، بعد أن عملت مدرساً بجامعة كبيرة في غزة، ثم بدأت الأزمات المالية تضرب هذه الجامعة كغيرها من المؤسسات التعليمية، إلى أن أتت الحرب الأخيرة ودمرت كل شيء".

حين تتحول المعرفة إلى عبء

ويضيف د. سليمان: "الشهادة باتت عبئاً بدلاً من أن تكون ميزة، فكلما كنت أكثر تعليماً، زادت فجوة التوقعات لديك، وحين تعمل عملاً لا يحتاج إلى كل هذا الجهد الذي بذلته، تشعر بنوع من الاختلال الداخلي".

ويوضح: "المشكلة ليست في العمل نفسه، أنا أؤمن أنّ كل عمل شريف، لكنّ المشكلة في غياب المسار الطبيعي للحياة، أن تغلق أمامك كل الأبواب التي يفترض أن تفتح".

وعن أول يوم وقف فيه خلف البسطة يقول: "كان يوماً قاسياً، لم يكن بسبب الناس، بل بسبب نفسي، كنت أشعر بأنني أراقب شخصاً آخر، واحتجت وقتاً طويلاً لأتقبل الفكرة".

ويُعلق: "نحن لا نهدر فقط طاقات فردية، بل نهدر استثماراً مجتمعياً كاملاً، كل طالب دكتوراه هو مشروع معرفة، وعندما يتحول إلى بائع على بسطة، فهذه خسارة جماعية".

هجرة العقول أو البقاء القسري

ويشرح كيف يدير يومه: "أستيقظ مبكراً، أذهب إلى السوق المركزية، أشتري بضاعة بقدر رأس المال الصغير الذي أملكه، الربح في أفضل الأحوال بسيط جداً، ما أكسبه لا يغطي كل الاحتياجات، ونعتمد على التكيف، وتقليل المصاريف، وتأجيل الالتزامات".

ويتابع: "في بعض الأيام أعود إلى المنزل بخسارة، ومع ذلك، لا يمكنني التوقف، لأنّ البديل هو لا شيء، في حين باتت البسطة مساحة للتأمل، أراقب الناس، وأسمع قصصهم، وأفهم المجتمع بشكل أعمق بطريقة ما، وما زلت أمارس البحث، لكن بدون مؤسسة".

ويؤكد أنّ "الجانب النفسي هو الأكثر إيلاماً، فهناك شعور دائم بعدم الاستقرار، وفقدان السيطرة على المسار الشخصي، وهذا يخلق قلقاً مستمراً، فكثير  من زملائي يعانون من اكتئاب صامت، ولا أحد يتحدث عنهم، لكننا نشعر به في طريقة الكلام، في الانسحاب، في فقدان الحماس".

وبسؤاله عن خيار الهجرة، يجيب: "لو أتيحت الفرصة، كثيرون سيغادرون، ليس حباً في الرحيل، بل بحثاً عن حياة طبيعية، لكنّ المفارقة أنّ كثيرين لا يستطيعون المغادرة، فنحن عالقون بين خيارين، البقاء في واقع صعب، أو انتظار فرصة قد لا تأتي".

أزمة بنيوية تهدر الكفاءات

بدوره، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة القدس ناجي شحادة أنّ "تحول بعض الأكاديميين إلى العمل في مهن بسيطة، ليس مجرد نتيجة مباشرة للأزمة الاقتصادية، بل هو انعكاس لخلل بنيوي أعمق في العلاقة بين التعليم وسوق العمل".

يقول شحادة: "حين يعجز المجتمع عن استيعاب مخرجاته العلمية، تتحول الشهادات من أداة للترقي إلى عبء رمزي، وهنا ندخل في أزمة اجتماعية تمس بنية التقدير والاعتراف داخل المجتمع".

ويتابع: "الأكاديمي في هذه الحالة يعيش حالة ازدواجية حادة بين ما هو عليه وما يفترض أن يكون، وهذا يولد شعوراً بالاغتراب وفقدان المعنى، وقد يتطور إلى انسحاب اجتماعي وإحباط مزمن، لأنّ العمل لم يعد يعكس هويته أو جهده العلمي".

ويوضح: "هذه الظاهرة تؤدي إلى تآكل ثقة الشباب بجدوى التعليم العالي، وعندما يرى الشباب نماذج حقيقية لأكاديميين يعملون خارج تخصصاتهم، فإنّ ذلك يهز الإيمان الجماعي بقيمة التعليم على المدى البعيد".

ويؤكد شحادة أنّه "في حال استمر هذا الواقع، فسنشهد تحولاً في سُلّم القيم، حيث تتراجع مكانة التعليم كوسيلة للارتقاء الاجتماعي، ويحلّ محلها منطق البقاء فقط، وهذا قد يؤدي إلى مجتمع أقلّ اعتماداً على المعرفة وأكثر هشاشة في مواجهة الأزمات".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية