
في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث يتلاصق ركام البيوت المدمرة كما لو كانت تتكئ على بعضها بعضاً طلباً للصمود، تتحول أكوام النفايات إلى وجهة يومية لأطفال لم يعرفوا من الطفولة سوى اسمها، فهناك بين الروائح الثقيلة والذباب المنتشر يبحث صغار المدينة عن بقايا طعام، أو قطعة بلاستيك قابلة للبيع، أو حتى لعبة مكسورة تمنحهم لحظة عابرة من الفرح.
ويُظهر تسعة من كل عشرة أطفال في غزة علامات سلوك عدواني مرتبط بأكثر من عامين من الحرب في القطاع، وقد تآكل إحساس الأطفال بالاستقرار والأمن مع انهيار الخدمات اليومية الأساسية، وذلك بحسب تقييمات أصدرها الشركاء العاملون في مجال سلامة الطفل، ونشرها مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون الإنسانية.
وما يزال أكثر من 650 ألف طفل في غزة محرومين من هذا الحق الأساسي، ووفقاً لتقارير اليونيسف والأونروا تعرضت 95% من مدارس القطاع للدمار أو الضرر البالغ، أي أنّ نحو 500 مدرسة من أصل 564 لم تعد صالحة للاستخدام، وكثير من هذه المدارس تحول إلى ملاجئ للنازحين، حيث صارت الفصول مساحات للنوم، واكتظت الساحات بالخيام.
وقد بدأت إسرائيل في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية خلفت أكثر من 72 ألف شهيد، وما يزيد عن 171 ألف جريح، إضافة إلى دمار هائل طال 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع.
نبحث عن أيّ شيء
الطفل أحمد عبدو (13عاماً) من حي الشجاعية، وجهه نحيل، وعيناه متعبتان على نحو لا يشبه عمره، يجلس على حافة رصيف متشقق، يحمل كيساً بلاستيكياً أسود أكبر من حجمه، يقول: "أخرج مع إخوتي بعد الفجر، ونذهب إلى المكان الذي تلقى فيه النفايات خلف السوق المركزي بالحي، وإذا وجدنا خبزاً لم يفسد كثيراً نأخذه إلى البيت، أمي تنظفه وتضعه في الفرن قليلاً، وأحياناً نجد علباً فارغة نبيعها، وليس دائماً نجد شيئاً، لكننا نبحث كل يوم."
ويتوقف قليلاً، ثم يضيف بصوت خافت: "أحلم أن أذهب إلى المدرسة كل يوم مثل باقي الأطفال، لكن أحياناً لا أستطيع، لأننا نحتاج إلى المال، المعلم قال لي إنني ذكي، لكنّ الذكاء لا يملأ البطون."
وتحت أشعة شمس قاسية يتحرك عبدو بحذر بين أكوام مختلطة من بقايا الطعام والزجاج المكسور وبقايا معادن صدئة، لا قفازات، ولا أحذية واقية، ولا أيّ حماية من الأمراض.
يشرح كيف تعرّض لجرح عميق في قدمه قبل أشهر: "كنت أبحث عن علب معدنية، ودست على شيء حاد، نزفت كثيراً، وخفت أن أقول لأمي حتى لا تمنعني من الخروج، فنحن نحتاج ما أجمعه."
وبسؤاله عن أحلامه، لم يتردد طويلاً، ويجيب: "أريد أن أصبح طبيباً، وأريد أن أعالج الأطفال الذين يتعبون، وأتمنى ألّا يبحث أحد في القمامة بعد اليوم، ويبتسم للحظة، ثم تختفي الابتسامة سريعاً، ويتابع: "لكن الآن، أهم شيء أن نجد شيئاً نأكله".
ويشير إلى حقيبة مدرسية معلقة على الجدار، ويقول: "هذه حقيبتي، وأحبّ أن أحملها بدلاً من كيس القمامة، لكنني إن لم أفعل ذلك، سأموت وعائلتي جوعاً."
نخرج قبل أن تشتد الرائحة
في سوق اليرموك الشعبي وسط مدينة غزة الذي بات ساحة بحث يومي عن شيء يبقي الحياة ممكنة، تتكدس أكوام النفايات على مساحات مفتوحة، كان الطفل سليم عبيد (12 عاماً)، وهو طفل نحيل البنية، يحمل عصا طويلة يقلب بها النفايات قبل أن يمد يده.
يبدأ عبيد حديثه بهدوء يفوق عمره، ويقول: "أذهب مع أقارب لي في ساعات الصباح الأولى إلى مكبّ النفايات، وفي ذلك الوقت تكون النفايات جديدة، ولم تتجمع الحشرات عليها كثيراً، ونبحث بسرعة قبل أن يأتي آخرون."
وبسؤاله عمّا يبحث عنه تحديداً، أجاب دون تردد: "الدقيق أوّلاً، وإن لم نجده، نبحث عن علب معدنية أو قطعة بلاستيكية، وأحياناً نجد لعبة مكسورة، أصلحها لأخي الصغير."
ويحمل عبيد كيساً أبيض امتلأ جزئياً بزجاجات بلاستيكية مهترئة، ويشرح: "ما أجمعه خلال يوم كامل قد يدرّ مبلغاً زهيداً، لكنّه أفضل من لا شيء."
ويتوقف قليلاً، ثم يضيف: "أشعر بالخجل عندما أتغيب عن مدرستي، وأعود إليها بعد غياب طويل، فزملائي يسألون أين كنت، ولا أريد أن أقول لهم إنني كنت أبحث في القمامة، فعلى بعد أمتار من كومة النفايات، يمرّ أصدقائي في طريقهم إلى المدرسة، يحملون دفاترهم، وأنظر إليهم للحظة، ثم أعود إلى تقليب المخلفات."
عبيد لا يرتدي قفازات، ويداه تحملان آثار خدوش قديمة وجروحاً حديثة، ويقول: "أحياناً نجد أشياء حادة أو مواد لا نعرف ما هي، ومرة شعرت بدوار شديد بعد أن فتحت كيساً فيه بقايا مواد تنظيف."
وعند سؤاله إن كان يخاف المرض، أجاب: "أخاف، لكنّ الجوع أخطر، فالمخاطرة مقابل البقاء، والدي عاطل عن العمل منذ سنوات، ووالدتي تتظاهر بالقوة أمامي، لكنها تبكي أحياناً في الليل من صعوبة وضعنا المعيشي، وأنا لديّ إصرار على المساعدة لأننا لا نملك طعاماً."
ويؤكد عبيد: "لا أظنّ أنّ حياتي ستتغير، وإن حدث تغيير، فلا أدري كيف، لكن لا يمكن أن يبقى كل شيء هكذا إلى الأبد."
ضغط نفسي مزمن
يرى الإخصائي النفسي بمركز الأمل للصحة النفسية رمزي عفانة أنّ "العمل في بيئة خطرة وغير صحية يضع الطفل تحت ضغط نفسي مزمن، فالطفل في هذه الحالة يعيش في حالة استنفار دائم، سواء بسبب الخوف من الإصابة أو المرض أو نظرة المجتمع، وهذا النوع من الضغط المستمر قد يؤدي إلى اضطرابات القلق، وأعراض الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وسرعة الانفعال أو العدوانية."
يقول عفانة: "عندما يتحمل الطفل مسؤوليات تفوق عمره، مثل إعالة الأسرة جزئيّاً، يحدث ما يعرف بالبلوغ القسري، فالطفل يختصر مراحل الطفولة، وهو ما قد يؤثر لاحقاً على قدرته على الاستمتاع، واللعب، وبناء علاقات صحية."
ويضيف: "الشعور المبكر بأنّه رجل البيت قد يمنحه إحساساً مؤقتاً بالقوة، لكنّه في العمق قد يخفي شعوراً بعدم الأمان والقلق من الفشل، كما أنّ التعرض لنظرات الشفقة أو الاحتقار قد يضعف تقدير الذات ويخلق صراعاً داخلياً بين الكرامة والحاجة."
ويتابع: "انقطاع الطفل عن المدرسة لا يؤثر عليه أكاديميّاً فقط، بل يؤثر نفسيّاً أيضاً، فالمدرسة تمثل بيئة أمان نسبي، وهوية اجتماعية، والشعور بالإنجاز، وعندما يحرم الطفل منها، قد يشعر بالعزلة أو بالدونية مقارنة بأقرانه."
ويوضح عفانة أنّ "مشاعر العجز لدى الوالدين تنتقل غالباً إلى الأطفال بشكل غير مباشر، وقد يشعر الطفل بمسؤولية مضاعفة أو بذنب إذا لم يستطع المساعدة، وفي بعض الحالات يحاول الطفل إخفاء تعبه أو ألمه كي لا يزيد من عبء والديه."
ويؤكد أنّه "إذا استمرت هذه الظروف لسنوات دون تدخل، فقد نواجه جيلاً يعاني من اضطرابات قلق مزمنة، وضعف الثقة بالنفس، وصعوبات في بناء استقرار نفسي واجتماعي، ومع ذلك يبقى العامل الحاسم هو توفر بيئة داعمة وبرامج حماية نفسية واجتماعية مبكرة".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

