
لقد كان تنامي المد السلفي المهووس بظاهر النصوص بدل عمقها بمثابة المد الذي أسهم في الإجهاز على روح الإصلاح الحقيقية في العالم الإسلامي. هذا المد، الذي استشرى في العقود الأخيرة، لم يكتفِ بنشر ثقافة فقهية قاحلة فحسب، بل زرع منهجاً عقلياً مريضاً يتسم بالسطحية المفرطة وداء التجزيئية، ويغرق في وحل ظاهر النص الديني دون أن يسمح لنفسه بالارتقاء ببصره إلى سماء مقاصد الشريعة وغاياتها الكليّة. لقد أحدث هذا التركيز الضيق، الذي يقدّس الحرف على حساب الروح، انفصالاً معرفياً بين الفهم الديني السائد وضرورات الواقع المتغير وأحوال الناس المعقدة، مُحدثاً شرخاً عميقاً في بنية الفكر.
لكنّ الخطر الذي لا يقلّ فداحة عن ذلك يكمن في إعلان هذا التيار العداء السافر والمنهجي للعلوم العقلية والإنسانية. فقد أسهم بقوة في تفشي ثقافة الاستخفاف والازدراء بالفلسفة التي تنير العقل، وعلم الاجتماع الذي يفكك بنى المجتمعات، والتاريخ الذي يلقن العبر، والفنون والآداب التي تصقل الروح. هذه المجالات المعرفية هي الأدوات الجراحية التي لا غنى عنها لتشخيص أمراض الحضارة المزمنة وفهم التحديات المعاصرة بكل تعقيدها. وهكذا، عُزل الفكر الديني طوعاً عن حقول المعرفة الحديثة، وظل يدور في فلكه الخاص. وإضافة إلى ذلك، فقد أسهم هذا الفكر بقوة في بناء سياج من التشدد واليقين الأوحد، حيث يُصادر كلّ رأي مخالف ويعتبره ضلالاً أو انحرافاً، ممّا قوّض أسس التعددية الفكرية وضيّق الخناق على فضاء الاجتهاد الحيوي.
إنّ صعود هذا المد لم يكن ظاهرة عفوية، بل وُجد في بيئة مؤسسية وسياسية هشّة مثّلت له تربة خصبة للنمو والتجذّر. ففي غياب التنمية الشاملة التي تفتح آفاقاً رحبة، واتساع دائرة الفقر وتفشي البطالة في صفوف الشباب المتعلم، وحيث تتضاءل آمال التغيير العقلاني والمُمكن، يغدو اللجوء إلى الإيديولوجيا الدينية الراديكالية بمثابة مشروع إنقاذ وهمي، أو ملاذاً يلوذ به الشباب اليائس والساخط. وقد تزامنت هذه العوامل مع ضعف المؤسسة الدينية الرسمية وعجزها البين عن تقديم خطاب مستنير ومقنع يتجاوب مع متطلبات العصر وأسئلته الضاغطة، ممّا أفرز فراغاً فكرياً هائلاً سارعت لملئه الحركات الأصولية بنشاط فائق. هذه الحركات عززت وجودها عبر التأصيل الإيديولوجي الصارم، فحوّلت مؤلفات شخصيات محورية مثل سيد قطب وآراء ابن عبد الوهاب إلى خطابات إيديولوجية جاهزة للتعبئة، ففاقمت بذلك من عزلة الشباب واغترابهم عن مسار التطور التاريخي، وعززت الفهم الأحادي المتصلب الذي يرفض مرونة الزمن.
لقد تضخّم انتشار هذا المد على الصعيد العالمي. هذه الأفكار وجدت مستقرها الأمثل في ظل الاستبداد السياسي الذي أجهز على الحياة السياسية الحقيقية، الأمر الذي أدى إلى تعميق التدهور الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا، انصرف الشباب عن قضايا النهضة الكبرى والمشروعات الفكرية الجادة ليغرقوا في وهم استرجاع الماضي "الزاهر" لإنشاء "الجيل الفريد"، منصرفين عن التفكير في المستقبل إلى الانشغال بـ الفتاوى الجزئية الهامشية حول قضايا فرعية كالتصوير والتعاملات البنكية، وهو ما يكشف عن تسطيح فادح لأولويات الإصلاح الحقيقي وتحويله إلى اهتمامات شكلية.
على صعيد الممارسة السياسية، شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين تبلور تكتل براغماتي ونفعي بين الإسلام السياسي والسلفية المتشددة، على الرغم من التناقضات العقائدية والمنهجية الجوهرية بينهما. فكانت الرؤى التي بثها هذا التكتل تتسم بالانفصال الصارخ عن العقل والعقلانية، متنكرة للتراث العقلي الإسلامي الأصيل المستمد من ابن سينا وابن رشد وابن خلدون، ورافضة العقلانية المستنيرة المستفادة من الفلسفة الغربية. وتجلى هذا الرفض عملياً في المواقف السلبية تجاه كل طُرح فكري وإبداعي، وفي الافتقار الشديد إلى تأسيس مراكز البحث العلمي المتقدمة ورعاية الفنون والآداب، حيث تقتصر مقراتهم على المنشورات والأوراق التي تخدم إيديولوجيتهم الضيقة حصراً. لقد كان الهدف الأساسي لهذا التحالف هدفاً نفعياً محضاً: تعزيز القاعدة الشعبية للأحزاب الإسلامية؛ لذلك، غدت الجماعات السلفية بمثابة قاعدة انتخابية جاهزة للتعبئة والتوجيه، تُوظف بفاعلية في الاستحقاقات السياسية لتحقيق مكاسب سلطوية مشتركة، وهو ما يجسّد ذروة الانحراف عن مسار الإصلاح الحقيقي إلى أتون البراغماتية السياسية.
يتلخص المشهد في أنّ استغلال الإسلاميين للسلفيين في الحملات الانتخابية هو تحالف نفعي براغماتي يهدف في المقام الأوّل إلى تعظيم المكاسب السياسية والنيابية للحزب الإسلامي. ويعتمد هذا التحالف على توظيف الجماعات السلفية كـ "قاعدة تصويتية ضخمة ومضمونة"، حيث يتمتع المشايخ والقيادات السلفية بنفوذ روحي مباشر يمكنهم من توجيه أصوات الأتباع بفعالية نحو مرشحي الأحزاب الإسلامية المتحالفة، ممّا يوفر على الإسلاميين جهداً تنظيمياً كبيراً ويضمن لهم تدفقاً انتخابياً ثابتاً. بالإضافة إلى ذلك، يخدم هذا التحالف هدف إضفاء الشرعية الدينية والتقليدية على الحزب الإسلامي، خاصة تلك الأحزاب التي قد تُتهم بـ "الاعتدال" المفرط أو الابتعاد عن الأصول، حيث يوفر الغطاء السلفي طمأنينة للناخبين المحافظين بشدة. وتُستخدم الشبكات الدعوية والمنابر السلفية كآلة إعلامية مجانية وفعالة للحملة، حيث تتحول الدروس والمجالس إلى منصات حشد ودعم، ممّا يعزز صورة أحادية وموحدة للتيار الديني ويقلل تشتت الأصوات. وفي المقابل، يحصل السلفيون على حماية سياسية ومكاسب تشريعية وميزانيات لدعم أنشطتهم الدعوية. وينتج عن هذا التحالف النفعي نتائج سلبية على مسار الإصلاح الحقيقي، إذ يؤدي إلى تسطيح الأهداف وتحويل الاهتمام من قضايا النهضة الكبرى إلى مكاسب سياسية جزئية أو قضايا فرعية هامشية تخدم الحشد الانتخابي، ويعزز الأحادية وتغييب العقلانية في الخطاب السياسي لصالح التوجيه العاطفي والديني المباشر.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_2.jpg.webp?itok=a0FPV7M1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_22_0_2.jpg.webp?itok=puf0ZYin)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_3.jpg.webp?itok=TFvEG0fu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%AA_1.jpg.webp?itok=CI3rLlyD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_1.jpg.webp?itok=KZOIW-og)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=dc4PN9vo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_8.jpg.webp?itok=HXZozlF4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_6.jpeg.webp?itok=_jZgSt5Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_9.jpg.webp?itok=CG6zttO-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2_1.jpg.webp?itok=6HvWG15j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=qPTFSKaQ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9.png.webp?itok=jbhyBAnk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_173_0.jpg.webp?itok=aFo3KXM-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_3.jpg.webp?itok=2RZISVRf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_3.png.webp?itok=4RZXbWir)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1MmLJRJW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_0.jpg.webp?itok=vdd7gMWc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=N2YJ0n5C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
