
منذ أن انهار منزله فوق أفراد عائلته في غزة، لم يعد شريف حجو ينتظر عودة أبنائه الثلاثة إلى البيت، بل ينتظر شيئًا أكثر قسوة؛ أن يُستخرجوا من تحت الركام، حتى يتمكن من دفنهم ووضع حد لسنوات من الانتظار.
ويقول حجو، وهو يستعيد تفاصيل تلك الليلة: "لم أتخيل أنني سأفقد أبنائي الثلاثة دفعة واحدة، والأسوأ أنني لم أستطع حتى أن أراهم بعد موتهم، فقد سقط المنزل فوقهم، وتحول كل شيء في لحظات إلى ركام".
وبحسب مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، أفاد الدفاع المدني الفلسطيني بأنّ أكثر من 630 رفاتًا بشرية انتُشلت من تحت مبانٍ مدمرة في غزة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وأيلول/سبتمبر 2026.
ووفق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك فإنّ العثور على رفات بشرية بعد قرابة ثلاث سنوات من تدمير المنازل يؤكد حجم المعاناة التي يعيشها أقارب المفقودين، مشيرًا إلى أنّ بعض الجثامين التي عُثر عليها تعود إلى أسر كاملة، بينهم نساء وأطفال.
وذكرت الأمم المتحدة أنّه في أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت فرق الدفاع المدني انتشال 96 جثمانًا من موقع واحد في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وقالت الأمم المتحدة إنّ 58 من الذين عُثر عليهم كانوا أطفالًا و23 نساء، وإنّ جزءًا كبيرًا من عملية الانتشال تمّ بالأيدي.
وفي آب/أغسطس 2026 دُفنت في غزة جثامين 112 شخصًا في جنازة جماعية، بعد جهود بحث وانتشال طويلة، ووفق تقرير صحيفة "لوموند"، تعود الجثامين إلى ضحايا غارة وقعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وبقيت جثامين أخرى غير مستخرجة.
وبحسب الأمم المتحدة فإنّ عمليات إزالة الأنقاض تواجه قيودًا أمنيةً وصعوبات في الوصول ونقصاً في المعدات الثقيلة وقطع الغيار والوقود.
وفي تموز/يوليو 2026 أفادت OCHA بأنّ نحو 630 ألف طن فقط من الركام أزيلت، مقابل أكثر من 60 مليون طن من الركام الناتج عن الحرب.
غياب بلا وداع
يقول حجو: "كنت أسمع أصوات الناس من حولي وهم يحاولون الوصول إليهم، لكنّ الأنقاض كانت أكبر من قدرتهم، والخطر كان يحيط بالمكان من كل جانب".
ويضيف أنّ "الساعات الأولى بعد القصف كانت أشبه بصدمة لا يستطيع العقل استيعابها، وكنت أبحث عن أيّ علامة تدل على أنّ أبنائي إن كانوا ما زالوا أحياء، قبل أن يتحول الأمل تدريجيًا إلى انتظار العثور على جثامينهم".
ويتابع حجو: "كنت أتمنى في البداية أن أسمع صوت أحدهم، أن يصرخ واحد منهم من تحت الركام، أو أن يخبرني أحد بأنّهم أحياء، وكنت أقول لنفسي ربما يكون أحدهم في مكان آخر، وربما خرج قبل سقوط المنزل، وربما تأخر في العودة، لكن مع مرور الوقت بدأت أعرف أنّ أبنائي كانوا داخل البيت عندما انهار".
ويشرح أنّ "عدم القدرة على استخراجهم جعل الحزن مختلفًا عن كل فقد عرفه، فهو لم يتمكن من احتضانهم للمرة الأخيرة، ولم يشارك في غسلهم أو الصلاة عليهم، ولم يحملهم إلى مثواهم الأخير".
ويكمل: "في كل مرة أسير فيها بالقرب من المكان الذي كان قائمًا فيه منزلي، أتوقف أمام الركام كأنني أبحث في تفاصيل الحجارة عن ملامح أبنائي، ويقول: "أعرف أين كان كل واحد منهم داخل البيت، وأعرف الغرف والزوايا والأماكن التي كانوا يجلسون فيها، وأنظر إلى الركام وأتخيل أنّهم ما زالوا هناك، أتخيل مكان نومهم، وأتذكر أصواتهم وحركتهم في البيت، وأصعب شيء أن تعرف أنّ أبناءك تحت هذه الحجارة، وأنك لا تستطيع الوصول إليهم".
حزن بلا نهاية
ولا يقتصر الفقد على غياب الأبناء، بحسب روايته، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي بقيت معلقة في المنزل المنهار، ويواصل: "إنّ أشياءهم ما زالت في ذاكرتي، ملابسهم، وأغراضهم، والأماكن التي كانوا يجلسون فيها، وكنت أعتقد أنني سأحزن عليهم ثم أدفنهم وأعود إلى حياتي، لكنّ ذلك لم يحدث، وأنا لا أملك قبرًا أذهب إليه".
ويبين أنّ "محاولات الوصول إلى أبنائه اصطدمت بظروف الحرب وحجم الدمار وخطورة العمل بين الأنقاض، مبينًا: "لم تكن المسألة مجرد إزالة حجارة، فالمكان كان مدمرًا بالكامل، والركام فوق الركام، وكانت هناك مخاطر، ولم تكن المعدات متوفرة بالشكل الذي يسمح بإزالة الأنقاض والوصول إلى من تحتها".
ويستعيد حجو اللحظة التي أدرك فيها أنّ أبناءه قد يموتون دون أن يحصلوا حتى على جنازة أو قبر، مؤكدّا أنّ "أكثر ما يؤلمه ليس فقدانهم فقط، وإنّما بقاؤهم تحت الركام دون أن يتمكن من الوصول إليهم أو وداعهم، وهذا الشعور يلاحقه باستمرار، خصوصًا كلما سمع عن انتشال جثامين من تحت الأنقاض بعد فترات طويلة".
ويتابع أنّ "مرور السنوات لا يعني انتهاء الحزن، لأنّه لم يتمكن من دفن أبنائه وإغلاق صفحة فقدهم، موضحًا أنّ العائلة ما زالت تعيش حالة انتظار مؤلمة، فلا تستطيع نسيانهم أو المضي قُدمًا، ويتمنى أن ترتبط أسماؤهم بقبر ومكان يمكن للعائلة زيارته بدل بقائهم تحت أنقاض المنزل".
ولا يطلب حجو سوى الوصول إلى أبنائه ودفنهم، مؤكدًا أنّه يدرك أنّهم رحلوا ولا يبحث عن المستحيل، بل يريد معرفة مكانهم ومنحهم قبرًا يستطيع زيارته.
فقد بلا قبور
هذه الحال لا تختلف لدى المسنّ صبحي الهندي الذي فقد زوجته وابنه جرّاء قصف منزله خلال الحرب المستمرة، ليبقى مقتلهما بداية لانتظار طويل لا يعرف متى ينتهي.
ويضيف الهندي (64 عامًا): "منذ انهيار البيت وأنا أعيش بين احتمالين مؤلمين؛ أن أعرف يقينًا أنّهما رحلا، أو أن أظلّ أنتظر أن يتم انتشالهما، ولم أستطع حتى الآن أن أودعهما كما يودع الناس موتاهم، ولا أعرف أين تنتهي جثتاهما بين أطنان الركام".
ويتابع: "زوجتي كانت داخل المنزل، وابني كان معها عندما وقع القصف، وبعد انهيار البيت بدأنا نحاول الوصول إليهما، لكنّ حجم الدمار كان كبيرًا جدًا، ولم تكن لدينا المعدات المناسبة، وكل حجر كان يحتاج إلى جهد كبير لإزالته، بينما كان الخطر مستمرًا، وفي النهاية بقي الاثنان تحت الركام، وبقيت أنا أحمل صورتهما في رأسي بدلًا من أن أحمل جثمانيهما إلى المقبرة".
ويصف معاناته مع التفاصيل الصغيرة التي لم تعد تجد مكانًا في حياته: "كنت معتادًا أن أسمع صوت زوجتي في البيت، وأن أرى ابني يتحرك أمامي، وبعد القصف اختفى كل شيء في لحظة، ولم يبقَ من البيت سوى الركام، ولم يبقَ لي منهما سوى الذكريات، وأعود إلى المكان وأقف طويلًا، لأنني أشعر أنّ شيئًا منهما ما زال هناك، تحت هذه الحجارة".
حرمان من وداع الموتى
ويشير إلى أنّ عدم استخراج الجثمانين حرمه من طقوس الوداع التي تساعد العائلات على استيعاب الموت: "لم أغسلهما، ولم أصلّ عليهما، ولم أحملهما إلى القبر، ولم أستطع أن أقول لهما وداعًا، والناس يعتقدون أنني فقدتهما يوم انهار المنزل، لكن بالنسبة إليّ فإنّ الفقد يتكرر كل يوم أذهب فيه إلى المكان ولا أجد شيئًا".
ويوضح أنّ مرور الوقت لم يخفف وطأة الغياب، بل جعل الانتظار أكثر قسوة، ويقول: "كلما مرت الأيام، كنت أقول ربما يأتي وقت نستطيع فيه إزالة الركام والعثور عليهما، لكنّ الأيام تحولت إلى شهور، والشهور إلى سنوات، وأصعب ما في الأمر أنني لا أملك موعدًا أعرف فيه أنني سأتمكن من دفنهما، وحياتي متوقفة عند تلك اللحظة".
ويتابع: "أكثر ما يؤلمني عندما يتحدث الناس عن قبور أبنائهم وزوجاتهم ويزورونهم، لأنني لا أملك مكانًا أذهب إليه، وعندما أشتاق إلى زوجتي لا أعرف أين أذهب، وعندما أتذكر ابني لا أستطيع أن أقف عند قبره، والمكان الوحيد الذي أعرفه هو موقع المنزل، وهناك أبحث بين الركام عن أيّ أثر يمكن أن يقودني إليهما".
ويختتم الهندي في حديثه قائلاً: إنّ "الحرب أخذت بيتي وزوجتي وابني، لكنّها أخذت منّي أيضًا القدرة على إنهاء حزني، فربما يستطيع الإنسان أن يتعايش مع موت من يحب، لكنّه لا يستطيع بسهولة أن يتعايش مع غياب قبره".
أرقام تتجاوز السجلات
ويكشف رئيس لجنة المفقودين في غزة، الدكتور عمر نوفل، أنّ "ملف المفقودين ما يزال أكبر من الأرقام المسجلة رسميًا، مشيرًا إلى وجود نحو 5 آلاف شخص جرى تسجيلهم كمفقودين، إلى جانب قرابة 800 جثمان لم تُحسم هويات أصحابها جميعًا، وتمّ التعرف حتى الآن إلى نحو 110 جثامين".
ويشرح نوفل أنّ "تحديد هوية الجثامين يزداد تعقيدًا في الحالات التي تصل فيها الرفات على هيئة أشلاء أو من دون علامات جسدية واضحة، الأمر الذي يحول دون التعرف عليها بالطرق التقليدية، ويترك عائلات الضحايا في انتظار طويل لمعرفة مصير ذويها".
وبحسب نوفل، يجري الاعتماد على ما يمكن جمعه من معلومات لدى عائلات المفقودين، إلى جانب فحص السمات الجسدية التي قد تساعد في المطابقة، مثل ملامح الوجه والأسنان وآثار الكسور أو الإصابات القديمة، بينما تحفظ الحالات التي يتعذر التعرف إليها بأرقام مرجعية تمهيدًا لإمكانية تحديد أصحابها لاحقًا.
ويشير إلى أنّ "عينات بيولوجية تؤخذ من بعض الجثامين وتُحفظ لإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) متى توفرت الإمكانات اللازمة، بالتوازي مع جمع البيانات المتعلقة بكل جثمان، بما في ذلك الصفات والعلامات التي يمكن أن تساعد مستقبلًا في مقارنتها مع بيانات عائلات المفقودين".
ويؤكد نوفل أنّ "هذه العملية تواجه تحديات ميدانية وطبية كبيرة، في مقدمتها محدودية الإمكانات المتاحة لإجراء الفحوصات المتخصصة، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بانتشال الجثامين من بين كميات هائلة من الركام، ممّا يبطئ عمليات التوثيق والتعرف، ويزيد من تعقيد ملف المفقودين".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_9.jpg.webp?itok=CG6zttO-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%AA_1.jpg.webp?itok=CI3rLlyD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=dc4PN9vo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_22_0_2.jpg.webp?itok=puf0ZYin)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_8.jpg.webp?itok=HXZozlF4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_2.jpg.webp?itok=a0FPV7M1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_0.png.webp?itok=iS5Y2XRn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_1.jpg.webp?itok=KZOIW-og)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_6.jpeg.webp?itok=_jZgSt5Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9.png.webp?itok=jbhyBAnk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_3.jpg.webp?itok=2RZISVRf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=qPTFSKaQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_173_0.jpg.webp?itok=aFo3KXM-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2_1.jpg.webp?itok=6HvWG15j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_0.jpg.webp?itok=vdd7gMWc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=N2YJ0n5C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1MmLJRJW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
