«بيعة في الظلام» و«بيعة بالوكالة».. كيف أحكم الإخوان رابطهم التنظيمي؟

«بيعة في الظلام» و«بيعة بالوكالة».. كيف أحكم الإخوان رابطهم التنظيمي؟

«بيعة في الظلام» و«بيعة بالوكالة».. كيف أحكم الإخوان رابطهم التنظيمي؟


21/09/2026

لم تكن البيعة داخل جماعة الإخوان المسلمين مجرد صيغة رمزية لإعلان الانضمام، بل ارتبطت منذ المراحل المبكرة للجماعة بتكريس الالتزام بالتنظيم وقيادته، وبناء علاقة تتجاوز العضوية العادية إلى منظومة من الواجبات والانضباط الداخلي. 

ولهذا احتلت البيعة موقعاً محورياً في البناء الإخواني، باعتبارها إحدى الأدوات التي تربط العضو بالكيان التنظيمي وتحدد طبيعة علاقته بالقيادة.

وأعاد حديث الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ثروت الخرباوي فتح هذا الملف من زاوية تفاصيل أداء البيعة نفسها، بعدما تحدث عن صورة قال إنها عُرفت داخل الجماعة، تتم في غرفة مظلمة ويظهر خلالها الشخص الذي يأخذ البيعة مقنّعاً، بحيث لا يعرف العضو بالضرورة من يبايعه. وبحسب الخرباوي، كان المقصود من هذه الطريقة أن تكون البيعة للكيان التنظيمي وليس لشخص محدد، بما يجعل التنظيم هو الطرف الحقيقي في العلاقة.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها عند وضعها إلى جانب الوثائق التاريخية الخاصة بالجماعة، إذ تكشف نصوص حسن البنا نفسها أن «البيعة» لم تكن تفصيلاً هامشياً في البناء الإخواني. ففي «رسالة التعاليم» وضع البنا «أركان البيعة» في عشرة مبادئ: الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة. ويقدم النص هذه الأركان باعتبارها جزءاً من تعليمات موجهة إلى أعضاء الجماعة، بما يربط البيعة منذ تأسيس البناء التنظيمي بمنظومة من الالتزامات تتجاوز مجرد إعلان الانتماء.

 

البيعة في الظلام.. حين تختفي هوية من يتلقى العهد

 

أكثر أشكال البيعة إثارة في شهادة الخرباوي هو ذلك الذي وصفه بأنه كان يتم داخل غرفة مظلمة، مع إخفاء وجه الشخص الذي يؤدي أمامه العضو البيعة. ووفق شهادته، لم يكن الهدف معرفة شخصية من يتلقى البيعة، بل قطع الطريق أمام تحول العلاقة إلى رابطة شخصية، بحيث يبقى الالتزام موجهاً إلى التنظيم باعتباره كياناً قائماً بذاته.

هذه الطريقة تضع التنظيم قبل الأشخاص بصورة مباشرة؛ فالعضو لا يرتبط بالقيادي الذي يقف أمامه بقدر ما يرتبط بالهيكل الذي يمثله ذلك القيادي. وبذلك تتحول البيعة من علاقة بين شخصين إلى أداة لإرساء ولاء تنظيمي يستمر حتى مع تبدل القيادات والمسؤولين.

ويقول الخرباوي إن القيادي نفسه قد لا يعرف الشخص الذي تتم مبايعته، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى طبيعة هذا البناء؛ إذ تصبح معرفة الأشخاص ببعضهم محدودة بحسب مواقعهم داخل التنظيم، بينما تبقى العلاقة بالهيكل التنظيمي هي الحلقة التي تجمع المستويات المختلفة.

وكان الخرباوي قد أوضح أن نظام البيعة لم يكن ثابتاً على صورة واحدة، وأن ممارساتها اختلفت بحسب المرحلة والتنظيم الداخلي. لكن ذلك لا يلغي أهمية الصورة التي تحدث عنها؛ فهي تكشف عن ممارسة تقوم على إخفاء هوية المبايع له، وتمنح التنظيم قدرة أكبر على فصل الالتزام الداخلي عن العلاقات الشخصية المباشرة.

وتشير شهادة أخرى للخرباوي تعود إلى عام 2013 إلى شكل مختلف من البيعة، إذ تحدث آنذاك عن «البيعة بالوكالة» في صفوف الإخوان، وقال إن أعضاء كانوا يبايعون المرشد العام من خلال شخص ينوب عنه، ثم ينقل هذا الشخص البيعة إلى المرشد. وقد تناولت «الإمارات اليوم» تلك الشهادة في تقرير نشرته عام 2014، موضحة أن الخرباوي تحدث عن إنابة أشخاص لتلقي البيعة ثم نقلها إلى المرشد في القاهرة.

 

البيعة بالوكالة.. التنظيم يتجاوز حدود المكان

 

وتكشف البيعة بالوكالة جانباً أكثر وضوحاً من قدرة التنظيم على إبقاء صلة القيادة بالأعضاء حتى عندما تفصل بينهم الحدود الجغرافية، فوفق شهادة الخرباوي، كان الشخص الذي يتولى نقل البيعة يقوم بدور حلقة الوصل بين الأعضاء والمرشد العام في مصر، بما يجعل الالتزام التنظيمي ممتداً خارج المكان الذي توجد فيه القيادة.

ولا تتوقف أهمية هذا الشكل عند طريقة أداء القسم، وإنما تكمن في الوظيفة التنظيمية التي يؤديها. فالعضو لا يحتاج إلى لقاء المرشد مباشرة حتى يصبح جزءاً من التسلسل التنظيمي، ولا تتوقف العلاقة على وجود القيادة في المكان نفسه، ما دام هناك وسيط قادر على نقل البيعة وإيصالها إلى رأس الهرم التنظيمي.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات البناء الإخواني: القيادة يمكن أن تكون بعيدة، لكن الرابط التنظيمي لا ينقطع، أي أن الوساطة لا تلغي العلاقة، وإنما تصبح وسيلة للحفاظ عليها، وتسمح للهيكل التنظيمي بالعمل عبر مسافات وحدود مختلفة.

وتشير دراسة المؤرخ ريتشارد ميتشل عن جماعة الإخوان إلى أن الجماعة طورت منذ نحو عام 1930-1931 لوائح لتنظيم عملها، ثم اعتمدت في 8 سبتمبر/أيلول 1945 قانوناً أساسياً لتنظيم هيكلها، أعقبته تعديلات في 1948 ثم لوائح داخلية عامة طورت البناء الإداري وآليات العمل. ويعتبر ميتشل هذه النصوص من المصادر الأساسية لفهم الهيكل التنظيمي والعمليات الإدارية للجماعة.

وهذا يضع البيعة داخل إطار أوسع من الطقس التنظيمي؛ فهي لم تكن منفصلة عن البناء الإداري، وإنما جاءت داخل منظومة لها مستويات وقواعد وآليات اتصال. ومن هذه الزاوية يمكن فهم «البيعة بالوكالة» باعتبارها واحدة من الآليات التي تسمح باستمرار العلاقة التنظيمية حتى عندما لا يكون القائد حاضراً بصورة مباشرة.

 

من القسم إلى منظومة الطاعة

 

في «رسالة التعاليم»، وضع حسن البنا «الطاعة» ضمن أركان البيعة العشرة، إلى جانب الثبات والثقة والتجرد وغيرها من المبادئ. والأكثر دلالة أن البنا قدم الرسالة نفسها باعتبارها موجهة إلى أعضاء الإخوان، وقال في مقدمتها إنها ليست دروساً تحفظ، وإنما «تعليمات تنفذ». وبذلك تظهر البيعة في نص المؤسس باعتبارها جزءاً من مسار عملي وتنظيمي، لا مجرد صيغة رمزية.

وتدعم الدراسات التاريخية هذا الفهم؛ إذ تكشف أعمال ريتشارد ميتشل عن وجود بناء إداري ولوائح متعاقبة نظمت عمل الجماعة، بينما تشير الأدبيات التي تناولت التنظيم الإخواني إلى مركزية الانضباط والطاعة والعلاقة بين العضو والمستويات القيادية داخل الهيكل.

وتوضح دراسة ميتشل أن لوائح الجماعة لم تكن تكتفي بتحديد شكل القيادة، بل نظمت أيضاً علاقة العضو بالبناء التنظيمي. ومن هنا تصبح البيعة نقطة مرتبطة بمسار العضوية نفسه، وليست إجراءً منفصلاً عن بقية مراحل الانضمام والتنظيم.

وبذلك تصبح البيعة نقطة انتقال من مجرد التعاطف أو الاقتناع بالفكرة إلى عضوية لها التزامات محددة. وهذا هو الجانب الذي يجعل دراسة أشكال البيعة مهمة لفهم الإخوان: القضية لا تتعلق بكيفية أداء القسم فحسب، وإنما بما يترتب عليه داخل التنظيم، وبكيفية تحويل الانتماء الفكري إلى ارتباط تنظيمي منضبط.

 

لماذا لم تكن البيعة شكلاً واحداً؟

 

تكشف المصادر أن الحديث عن «بيعة الإخوان» باعتبارها ممارسة واحدة ثابتة لا يعكس تاريخ التنظيم المتغير، فشهادة الخرباوي نفسها تتحدث عن اختلاف النظام بحسب المرحلة والتنظيم الداخلي، بينما تظهر شهادته الأقدم شكل «البيعة بالوكالة»، إلى جانب الصورة التي وصفها لاحقاً باعتبارها بيعة تتم في ظروف تحجب هوية المبايع له.

ويرتبط هذا الاختلاف بطبيعة التنظيم نفسه، حيث لم تعمل الجماعة طوال تاريخها في ظروف سياسية واحدة، كما امتد نشاطها إلى بلدان متعددة، وتغيرت هياكلها وقواعدها الداخلية بمرور الزمن. وتؤكد دراسة ميتشل أن قوانين الجماعة ولوائحها خضعت لتعديلات متتالية، بدءاً من اللوائح الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، مروراً بالقانون الأساسي لعام 1945 والتعديلات اللاحقة، وصولاً إلى لوائح داخلية أكثر تفصيلاً.

ومن ثم فإن «البيعة في الظلام» و«البيعة بالوكالة» تمثلان شكلين مختلفين من آليات الحفاظ على الرابط التنظيمي. الأولى تفصل العضو عن هوية الشخص الذي يتلقى البيعة، والثانية تتجاوز غياب القيادة المباشرة عبر الوسيط.

واللافت أن اختلاف الشكل لم يلغِ الوظيفة الأساسية: الحفاظ على علاقة العضو بالهيكل الإخواني. فسواء جرى إخفاء هوية المبايع له أو نقل البيعة عبر شخص آخر، بقي التنظيم هو الطرف الثابت في العلاقة، وهو ما يفسر قدرة هذا النوع من الهياكل على الاستمرار رغم تغير القيادات والظروف السياسية.

 

التنظيم أولاً.. ماذا تكشف البيعة عن علاقة العضو بالجماعة؟

 

تعود النقطة المركزية في حديث الخرباوي إلى أن البيعة، في الصورة التي وصفها، لا تستهدف إنشاء علاقة شخصية بين العضو ومن يأخذ منه القسم، وإنما ربط العضو بالتنظيم. وهذه الفكرة تتقاطع مع طبيعة البناء التنظيمي الذي وثقته الدراسات التاريخية، حيث تتدرج علاقة العضو عبر مستويات وهيئات متعددة ولا تقوم فقط على الاتصال المباشر بالمرشد العام.

وتكشف صياغة «أركان البيعة» عند حسن البنا كذلك أن العلاقة المقصودة كانت أوسع من مجرد الانتماء الاسمي؛ فالطاعة والثبات والثقة والتجرد والعمل والتضحية جاءت جميعها ضمن الأركان العشرة. كما أن نص «رسالة التعاليم» يربط هذه الأركان بتصور شامل للإسلام وبمجموعة من المبادئ والواجبات التي يشرحها البنا للأعضاء.

ومن هنا تتضح أهمية البيعة داخل المشروع التنظيمي للإخوان: العضو لا يدخل فقط في دائرة فكرية، وإنما في علاقة تحكمها مبادئ للانضباط والالتزام، وتضع الطاعة والثقة والثبات ضمن مكوناتها الأساسية.

وفي البيعة التي تتم في الظلام، تختفي شخصية المبايع له تقريباً من المعادلة؛ وفي البيعة بالوكالة، لا يكون القائد حاضراً أصلاً. وفي الحالتين يبقى الرابط التنظيمي هو العنصر الثابت. وهذا ما يجعل البيعة أكثر من طقس داخلي، ويحولها إلى إحدى الأدوات التي حافظ بها التنظيم على صلته بأعضائه عبر الأشخاص والأماكن والمراحل.

 

البيعة.. مفتاح لفهم التنظيم لا مجرد طقس داخلي

 

تكشف قصة البيعة جانباً أساسياً من الطريقة التي بنت بها جماعة الإخوان هيكلها الداخلي: حركة ذات خطاب ديني تحولت إلى تنظيم يمتلك قواعد للعضوية، وهياكل إدارية، ومستويات للقيادة، وآليات للحفاظ على الصلة بين القاعدة والقيادة. 

أما شهادة الخرباوي فتضيف إلى هذه الصورة بعداً أكثر إثارة، من خلال الحديث عن ممارسات محددة للبيعة، بينها إخفاء هوية من يتلقى القسم والبيعة بالوكالة. وبين الشكلين، تظهر آلية تنظيمية تستطيع أن تحافظ على رابطة العضو حتى عندما لا يعرف الشخص الذي أمامه أو عندما لا يلتقي القيادة بصورة مباشرة.

وبين «البيعة في الظلام» و«البيعة بالوكالة» تظهر إحدى أكثر أدوات التنظيم الإخواني حساسية: إبقاء الرابطة التنظيمية قائمة حتى عندما يغيب الشخص، ويتغير القائد، وتتسع المسافة بين العضو ومركز القيادة. فالوجوه قد تتبدل، والوسطاء قد يتغيرون، لكن الهيكل يبقى قادراً على إعادة إنتاج العلاقة نفسها عبر البيعة واللوائح والتدرج التنظيمي. وهنا تكمن أهمية تفكيك البيعة لفهم الطريقة التي أحكم بها الإخوان قبضتهم التنظيمية على أعضائهم، وكيف جعلوا الولاء للكيان يتجاوز العلاقة المباشرة بالأشخاص.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية