الإسلام السياسي والدولة الحديثة: من إشكال المفهوم إلى اختبار التجربة

الإسلام السياسي والدولة الحديثة: من إشكال المفهوم إلى اختبار التجربة

الإسلام السياسي والدولة الحديثة: من إشكال المفهوم إلى اختبار التجربة


11/10/2026

ضمن الجهود النّقدية السّاعية إلى تفكيك أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، تبحث دراسة "الإسلام السياسي والدولة: التباس الخطاب وإكراهات الواقع" للباحث مناف الحمد، إشكالية جوهرية تتصل بالتوتر البنيوي والارتباك المفاهيمي في خطاب "الإسلام السياسي" تجاه مفهوم "الدولة الحديثة"، وتتناول هذه الإشكالية عبر فحص التصورات التي تشكّلت حول "الدولة الإسلامية" في مُتخيَّل الحركات الإسلامية، ومقارنتها ببنية الدولة الحديثة وما تقوم عليه من قوانين ومؤسسات وآليات ناظمة لمفاهيم الحكم والمواطنة.

وفي هذا السياق، ترصد الدراسة، الصادرة عن مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، التحديات التي واجهت الحركات الإسلامية في السلطة، وتُحلّل رؤيتها للدولة وعلاقتها بالدين والمجتمع ومدى ملاءمة هذه الرؤية لإكراهات الواقع الحديث.

تنطلق الدراسة من أنّ الدولة ظاهرة تاريخية وليست شكلاً طبيعياً ثابتاً، وأنّ نموذج "الدّولة-الأمّة"، الذي نشأ في السّياق الغربي، أصبح الإطار السياسي المهيمن في العالم المعاصر، وفي مواجهة هذا الواقع، يجد الفكر الإسلامي نفسه أمام إشكال في علاقته بالدولة الحديثة؛ فهو مضطر إلى التعامل معها بوصفها الإطار القائم لتنظيم المجتمع والحكم، في الوقت الذي يرفض فيه بعض أسسها الفلسفية ويحاول إسناد الدولة إلى مرجعيات مستمدة من الفقه السياسي الإسلامي، وهو ما يفسر، بحسب الباحث، جانباً أساسياً من الالتباس الذي يطبع خطاب الإسلام السياسي.

إشكالية مفهوم "الدولة الإسلامية"

يضع الباحث مصطلح "الدولة الإسلامية" في مركز الإشكال، متوقّفاً عند الغموض الذي يكتنفه، وتعدُّد المعايير التي يمكن أن تُطلق الدولة بموجبها هذه الصفة، ويطرح مجموعة من التساؤلات: هل تكون الدولة إسلامية لأنّ دستورها ينص على أنّ الإسلام مصدر للتشريع؟ أم لأنّ غالبية سكانها مسلمون؟ أم لأنّها تطبق بعض الأحكام الفقهية؟ أم لأنّها تلتزم بمقاصد الشريعة؟

تكشف هذه الأسئلة، وفق الباحث، أنّ المصطلح لا يُحيل إلى نموذج سياسي محدد ومستقر، وإنّما يحمل دلالات متعددة تختلف باختلاف التصوُّرات التي ينطلق منها أصحابه، ولذلك لا يمكن التعامل مع "الدولة الإسلامية" باعتبارها نموذجاً مكتمل الملامح ومتفقاً عليه، بل ينبغي النظر في الأسس التي تقوم عليها هذه الرؤية وفي علاقتها بالدولة التي نشأت في العصر الحديث.

وتضع الدراسة الفروق بين النموذج الحديث والآخر الذي يتخيّله دعاة "الدولة الإسلامية" في صلب النقاش؛ فالأوّل، وفق الحمد، مدني يستند إلى القانون والمؤسسات، ولا يستمد شرعيّته من تشريع سماوي أو من سلطة دينية، أمّا الثاني فيقوم على تمثيل المقدّس الديني، وعلى رؤية مختلفة لمصدر الشرعية وعلاقة الدين بالتشريع والسلطة.

ويرى الباحث أنّ الاختلاف بين النموذجين يتجاوز مصدر التشريع إلى المفاهيم المؤسِّسة لكل منهما، وتصوُّر الفرد والمجتمع والسلطة والحقوق. ويناقش، على هذا الأساس، المحاولات التي سعت إلى إثبات وجود خصائص الدولة الحديثة في النظرية السياسية الإسلامية أو في التجارب التاريخية الإسلامية، معتبراً أنّ بعضها يلجأ إلى انتقاء عناصر من التراث لإثبات توافق مسبق مع النموذج الحديث.

ويعزو الباحث هذا التناقض إلى اختلاف الجذر الفلسفي والأنثروبولوجي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، مقارنة بالمتخيَّل الفقهي؛ فبينما تتأسَّس الدولة المعاصرة على مرجعية قانونية تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية والعقد الاجتماعي، يُصرّ الخطاب الإسلاموي على ربط التشريع بمرجعية متعالية وتأويل أحادي لـ"حاكمية النص".

وتمتد الفجوة كذلك إلى مفهومَي الذات والمواطنة؛ إذ تقوم الدولة الليبرالية على مبدأ "الفردانية" و"الذات المحمية" ذات الحقوق الأصيلة المطلقة في مواجهة السلطة، في حين ينطلق المتخيَّل الإسلامي التقليدي من مفهوم "الذات المسامية" التي تنصهر في الجماعة والعقيدة، وتجعل الاستحقاقات السياسية والحقوقية مشروطة بالانتماء الديني أو المذهبي، بدلاً من المواطنة المجردة.

التحوُّل العمراني ومفارقة تقنين الشريعة

وترتبط هذه الإشكالية المفهومية، وفق الباحث، بالفارق بين البيئة الاجتماعية والسياسية التي نشأ فيها الفقه السياسي الإسلامي وبين بنية الدولة الحديثة؛ فجزء كبير من الأحكام والتصورات الفقهية تشكّل في مجتمعات ومدن تقليدية، كانت العلاقات فيها تقوم على روابط محلية ومباشرة، وعلى الأعراف والاتفاقات والحقوق المتبادلة، بينما أدّت الدولة الحديثة إلى انتقال كثير من وظائف تنظيم الحياة العامة إلى القانون والمؤسسات المركزية والبلديات.

ويناقش الباحث ما يُسمّيه "فقهاً جديداً للدولة، وفقهاً قديماً للمدينة"، لافتاً إلى أنّ الانتقال من العمران التقليدي إلى الدولة الحديثة أحدث تغيُّراً عميقاً في علاقة الفرد بالمجتمع والسلطة، ولذلك فإنّ استدعاء أحكام فقه العمران القديم وتطبيقها مباشرة على بيئة الدولة الحديثة قد يتجاهل التحولات التي طرأت على هذه العلاقة.

ويتناول الحمد مسألة تقنين الشريعة؛ ويرصد ما يحدث عندما تتحول الأحكام الفقهية المتعددة، التي نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة، إلى قوانين موحدة تفرضها الدولة الحديثة على المجتمع، ويرى أنّ هذا التحويل قد يؤدي، على نحو ينطوي على مفارقة، إلى تكريس الشكل البيروقراطي للدولة الحديثة بدل استعادة البنية الاجتماعية التي نشأت فيها الأحكام الفقهية.

"الخصومة المزدوجة" ومفارقة التعاطي مع التراث

تبحث الدراسة في العلاقة بين التراث الإسلامي والخطاب الإسلاموي الحديث، وتسجل مفارقة لافتة تتمثل في أنّ التراث الإسلامي التاريخي والفقهي كان يمتلك سعة وتسامحاً تأويليّاً مع التعدُّدية واختلاف الآراء، وإقرار أهل الذمّة على شرائعهم، وعرف تنظيماً متنوعاً للعلاقات بين مكونات المجتمع، إلا أنّ الإيديولوجيا الإسلاموية الحديثة حوّلت هذا التراث السائل المتعدد إلى نص أحادي صلب يسعى إلى الهيمنة وإلغاء التعدد في الفضاء العام.

ويصف الباحث هذه الحالة بأنّها "خصومة مزدوجة" في الخطاب الإسلامي؛ فمن جهة يريد أن يناقض النموذج الغربي الذي نشأت فيه الدولة الحديثة، ومن جهة أخرى ينتقي من التراث الإسلامي ما يمكن أن يسند موقفه تجاه هذا النموذج، حتى عندما يكون التراث نفسه أكثر تنوّعاً وتسامحاً مع التعدد ممّا يفترضه الخطاب المعاصر.

الإسلاميون في الحكم: اختبار النموذج في الواقع

بعد التأسيس النظري، تنتقل الدراسة إلى اختبار العلاقة بين التصوُّر والممارسة من خلال تفكيك خمس تجارب سياسية خاضتها الحركات الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية، مستعرضة الإكراهات والنتائج التي أفرزتها كل تجربة، ويتعامل الباحث مع هذه التجارب بوصفها مختلفة في استجاباتها لإكراهات الدولة الحديثة، متتبعاً اختلاف ما تكشفه الممارسة عن العلاقة بين الخطاب السياسي والواقع.

أولى التجارب التي يتناولها الباحث في الدراسة تجربة الإخوان المسلمين في مصر بعد سقوط نظام مبارك، وما رافق وصولهم إلى السلطة من استدعاء لفكرة الدولة الإسلامية الأولى في مواجهة واقع دولة حديثة قائمة بمؤسساتها وقوانينها وأجهزتها.

ويتوقف الباحث عند سعي الحركة إلى التمدُّد داخل مؤسسات الدولة وما ارتبط بذلك من مفهوم "التمكين"، إلى جانب غياب رؤية اقتصادية واجتماعية متبلورة، والصعوبات التي واجهتها في التعامل مع المؤسسات القضائية والدستورية والسياسية.

وتوضح الدراسة كيف أدى سعي الحركة السريع إلى التغلغل في الجهاز البيروقراطي تحت شعار "التمكين"، واللجوء إلى حلول براغماتية نفعية، إلى جانب صدامها مع المؤسسات القضائية والدستورية، إلى تعميق التوتر مع أجهزة "الدولة العميقة" وانغلاق الفضاء السياسي.

وتكشف تجربة الإخوان في مصر، وفق الباحث، عن صعوبة الانتقال من خطاب ديني يحمل تصوراً معيناً للدولة إلى ممارسة سياسية داخل دولة حديثة تشكّلت مؤسساتها وقواعد عملها تاريخياً في سياق مختلف، ولا يفسر الباحث تعثّر التجربة بالعوامل السياسية والإجرائية وحدها، بل يربطه أيضاً بالمشكلات النظرية السابقة على الوصول إلى السلطة، وبالتوتر بين مفهوم الحركة للدولة وبين الدولة التي وجدت نفسها مطالبة بإدارتها.

وفي تجربة حركة النهضة في تونس، تتوقف الدراسة عند ما أظهرته الحركة من مرونة وبراغماتية في التعامل مع العملية الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وتتناول تصريحات راشد الغنوشي وحمادي الجبالي بشأن الخلافة، ولا سيّما الانتقال من التعامل معها باعتبارها شكلاً سياسياً محدداً إلى تفسيرها بوصفها قيماً يمكن استحضارها من دون استعادة شكلها التاريخي، ويكشف هذا التحوُّل، بحسب الدراسة، عن محاولة للتوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.

وفي المقابل، واجهت الحركة ضغوطاً اقتصادية وسياسية فرضتها طبيعة الدولة التونسية والنظام الاقتصادي الدولي، وانعكست على خياراتها ومواقفها، بما في ذلك قضايا تمسّ بعض التصورات الإسلامية التقليدية، ويرى الباحث أنّ التجربة ظلّت تعاني إرباكاً نظرياً تمثّل في محاولة "التلفيق" بين العلمانية الدستورية والمرجعية الإسلامية، بما أوجد ازدواجية في الخطاب بين القاعدة والتنظيم، وأسهم في تعثر مسارها السياسي في مواجهة الأزمات الاقتصادية، وبهذا تظهر التجربة، وفق الباحث، إشكالية الانتقال من الخطاب الديني إلى متطلبات الممارسة السياسية داخل الدولة الحديثة.

أمّا التجربة السودانية فتتخذ مساراً مختلفاً في الدراسة، من خلال فحص "الميثاق الإسلامي" ونظرته لعلاقة الشريعة بالتشريع والديمقراطية، ثم تتبّع الممارسة السياسية التي قادها نظام عمر البشير وحسن الترابي عقب انقلاب عام 1989.

ويرى الباحث أنّ هذه التجربة تجسد تناقضاً حاداً بين الخطاب والممارسة؛ إذ آلت محاولة فرض الشريعة عبر أدوات السلطة إلى ممارسة سلطوية اعتمدت قراءات فقهية انتقائية واستبعدت ما سواها.

ويوضح الباحث أنّ الشريعة في هذا النموذج تحولت من إطار مرجعي تُضبط به الممارسة السياسية إلى أداة إيديولوجية لخدمة المشروع السياسي وتثبيت أركان السلطة.

وتقدم الدراسة التجربة السودانية نموذجاً على المآزق الناجمة عن إخضاع المرجعية الدينية لأجهزة الدولة البيروقراطية والإكراهية، وما يترتب على ذلك من تداعيات على الدين والسياسة وبنية مؤسسات الحكم.

تركيا وإندونيسيا: الممارسة السياسية

 وتأتي تركيا، من خلال تجربة حزب العدالة والتنمية، في موضع مختلف ضمن المقارنة؛ إذ يتوقف الباحث عند قدرة الحزب على التعامل مع إطار الدولة العلمانية والخروج من أسر الإيديولوجيا الصارمة والتصورات الفقهية التقليدية للدولة، ولا سيّما الدعوة إلى "إقامة الدولة الإسلامية" أو فرض الشريعة؛ فقد اتجه الحزب، وفق الحمد، إلى ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون وتحقيق التنمية الاقتصادية، متعاملاً مع الدولة المعاصرة باعتبارها واقعاً سياسياً قائماً لا مشروعاً دينياً ينبغي إعادة بنائه.

ويربط الباحث نجاح التجربة، خصوصاً في ولايتها الأولى، بالإصلاحات الاقتصادية ونمو القطاع الخاص وصعود طبقة من رجال الأعمال المسلمين ذوي القيم المحافظة، فضلاً عمّا قدّمه الحزب من خدمات ورعاية اجتماعية أسهمت في رفع مستوى رفاهية المواطنين وتعزيز شرعيته الشعبية.

وترصد الدراسة المرونة السياسية التي أظهرها الحزب في تعاطيه مع العلمانية، وما ارتبط بها من صيغة "الديمقراطية المحافظة"، التي تتيح للقيم الإسلامية أن تكون مصدر إلهام للممارسة العامة من دون أن تتحول إلى رؤية إيديولوجية مفروضة على المجتمع. ويرى الباحث أنّ هذه الصيغة أتاحت قدراً من التوفيق بين العلمانية السياسية والقيم الإسلامية، مع الحفاظ على التعددية والحريات الفردية.

وتتناول الدراسة محاولة الانقلاب في 15 تموز (يوليو) 2016 وما أعقبها من إجراءات واسعة ضد أنصار فتح الله غولن، وتقرأ فشل المحاولة في ضوء ما ترسخ من شرعية سياسية وشعبية للتجربة، فبحسب الباحث، أسهمت الإنجازات والسياسة المرنة المستجيبة لمصالح الناس في ترسيخ الخطاب السياسي للحزب في الوجدان الجمعي، بما جعل قطاعات واسعة من المجتمع طرفاً مدافعاً عن الديمقراطية.

ومن هذه الزاوية يطرح الباحث مقولة "تقديم السياسة على الفلسفة"؛ أي إعطاء الأولوية للممارسة السياسية وتحقيق المصالح العامة على التنظير السياسي لـ "الدولة الإسلامية".

وتكمن خصوصية التجربة، وفق الباحث، في قدرتها على تجاوز مركزية تطبيق الشريعة، والتعامل مع الديمقراطية والتعددية كإطار للممارسة السياسية، مع استلهام القيم الإسلامية بوصفها مكوناً للهوية والمجال العام، من دون تحويلها إلى صيغة فقهية أحادية تفرضها الدولة.

وفي الحالة الإندونيسية، تختلف تجربة الحركات الإسلامية في تعاطيها مع مفهوم الدولة عن عدة تجارب عربية تناولتها الدراسة؛ فمنذ نيل الاستقلال احتدم النقاش حول موقع الشريعة في دولة تتسم بالتعددية الدينية والثقافية؛ فبينما طالبت القوى الإسلامية بدسترة الشريعة، رأى التيار العلماني في فصل الدين عن الدولة الضمانة الأساسية لوحدة الأرخبيل.

وفي هذا السياق، جاءت صيغة "البانشاسيلا" التي طرحها أحمد سوكارنو عام 1945 كإطار وطني جامع يقوم على خمسة مبادئ: الإيمان بإله واحد، وإنسانية عادلة، ووحدة البلاد، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

وكان التحول المفصلي في هذه التجربة، وفق الدراسة، هو تراجع أكبر حركتين إسلاميتين، "نهضة العلماء" و"المحمدية"، عن مطلب دسترة الشريعة عام 1999؛ وذلك إثر تجربة القمع في عهد سوهارتو، وما تلاها من مراجعات فكرية وسياسية عميقة.

وبحسب الباحث، انتقلت الحركتان من إيديولوجيا "إقامة الدولة الإسلامية" إلى تبنّي مفهوم "الإسلام الحضاري"، القائم على الانخراط الإيجابي في فضاء الدولة الديمقراطية والتعددية.

وارتبط هذا الانتقال بمراجعات نقدية قادها مثقفون إصلاحيون، في مقدمتهم نورشيليوش مجيد، الذي ميّز بين "المقدّس الإلهي" و"الدنيوي التاريخي"، داعياً إلى "تأقيت" الشؤون السياسية ونزع القداسة عنها، وطُرح القرآن في هذا الخطاب بوصفه مرجعاً للمبادئ والأخلاق العليا؛ كالعدل والحرية والمساواة، لا كدستور تفصيلي لشكل الحكم، ممّا أسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المرجعية الدينية والنظام السياسي الحديث.

ويُرجع الباحث رفض "نهضة العلماء" و"المحمدية" لفكرة "الدولة الإسلامية" إلى وعيهما الدقيق بخصوصية المجتمع الإندونيسي المتعدد؛ لأنّ فرض نظام فقهي لجماعة بعينها كان سيهدد التلاحم والوحدة الوطنية، وبناء عليه، استقرت الحركتان على دعم دولة "البانشاسيلا" والديمقراطية التداولية، ممّا أتاح للإسلاميين المشاركة الفاعلة من داخل بنية الدولة الحديثة بدلاً من محاولة إعادة بنائها على أسس إيديولوجية.

ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى أنّ التجربتين؛ الإندونيسية والتركية، تكشفان عن إمكانية الانتقال الملموس من مركزية "تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية" إلى "فضاء سياسي ديمقراطي" يتسع للمشاركة الإسلامية؛ بما يحفظ حياد الدولة تجاه المعتقدات، ويستلهم القيم الإسلامية في المجال العام من دون تحويلها إلى أحكام فقهية قسرية.

الخطاب الإسلامي... من النقد إلى المراجعة

وفي قسمها الأخير، تبحث الدراسة إمكانات مراجعة الخطاب الإسلامي، بدءاً من تفكيك ما يسمّيه الباحث "الأقانيم المركزية" في المتخيّل الإسلامي، وعدم التعامل معها بوصفها حقائق نهائية ملزمة للمجتمع بكل أطيافه. ويرى الحمد أنّ هذه المراجعة تتيح للتيار الإسلامي الانخراط في المجال الديمقراطي بوصفه تياراً سياسياً بين تيارات أخرى.

وتشمل المراجعة المرجعيّات النصّية والتاريخية والفقهية؛ فالنص، بحسب الدراسة، لا يقدم نموذجاً سياسياً جاهزاً لكل زمان، كما أنّ التجارب السياسية الإسلامية الأولى تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة.

وتستند الدراسة، في هذا السياق، إلى التمييز الأصولي بين أنواع التصرفات النبوية، بما يتيح قراءة ما ارتبط بالإمامة والسياسة ضمن سياقه التاريخي، بدلاً من تحويله إلى نموذج سياسي ثابت، وتشير إلى تعدد الاجتهادات في التراث الفقهي، وتدعو إلى توسيع النظر من الدلالات اللفظية إلى المقاصد والغايات والحكمة في معالجة القضايا السياسية المعاصرة.

وفي ختام الدراسة، يرى الباحث أنّ تجاوز مأزق "الدولة الإسلامية" يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الدين والدولة على أساس الحياد والمواطنة والتعددية والديمقراطية التداولية، بما يضع التيار الإسلامي في موقعه الطبيعي كطيف سياسي بين سائر الأطياف، من دون حق استثنائي في فرض خطابه استناداً إلى مرجعيات لا تحظى بإلزام مشترك بين المواطنين.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية