
رغم تصاعد الأصوات المطالبة بتصنيف الإخوان، فإنّ الموقف الأوروبي ما يزال بعيداً عن حظر موحد على مستوى الاتحاد، ربما لأنّ المشكلة الأوروبية ليست في وجود نقاش حول الإخوان، بل في اختلاف الدول الأوروبية حول طبيعة المشكلة وكيفية ترجمتها قانونياً. وحتى آب (أغسطس) الجاري، لا توجد، على مستوى الاتحاد الأوروبي، قائمة موحدة تصنّف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية". بل إنّ مجلس الاتحاد الأوروبي أبقى قائمته الإرهابية دون تغيير في شباط (فبراير) الفائت، رغم تشديده معايير الإدراج.
خصوصية السياق الأوروبي
وبحسب ما يشير الكاتب المختص في شؤون التطرف والإرهاب المقيم في باريس شيار خليل، فإنّ السبب الرئيس هو أنّ الجماعة ليست، في السياق الأوروبي، تنظيماً مركزياً يعمل وفق نموذج عسكري أو هرمي بسيط يمكن إثبات تبعية كل مؤسسة له. كما أنّ السلطات تحتاج إلى أدلة قانونية محددة لتبرير حلّ مؤسسة أو تجميد أموالها أو إدراجها في قوائم العقوبات.
ويردف خليل لـ "حفريات": "حتى وزير الداخلية الفرنسي أقرّ بأنّ فكرة الحظر الشامل تواجه تعقيدات قانونية وتشغيلية، وأنّ المقاربة العملية قد تكون التحرك ضد الأفراد والمنظمات كلّ حالة على حدة عندما تتوفر أدلة على مخالفة القانون أو العمل ضد المبادئ الجمهورية. لكنّ غياب الحظر الشامل لا يعني غياب المواجهة، بل ربما يمثل ذلك بداية مرحلة أكثر تعقيداً، أي سياسة الحصار القانوني بدلاً من قرار المنع الواحد".
يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي المختص في شؤون الإرهاب والمقيم في ألمانيا ميار شحادة، ويقول: "هذه السياسة يمكن أن تكون أكثر تأثيراً في المدى الطويل. فإذا أصبح من الصعب على الجمعيات الحصول على التمويل، وإذا توسعت صلاحيات مراقبة مصادر الأموال، وإذا أصبحت المؤسسات عرضة للحل الإداري أو القضائي، وإذا خضعت شبكات التأثير للمراقبة، فإنّ قدرة أيّ تنظيم على إعادة إنتاج نفسه تتراجع حتى لو بقي الاسم موجوداً".
بعبارة أخرى، يقول شحادة لـ "حفريات": يمكن أن تبقى الجماعة غير محظورة رسمياً، بينما تصبح مساحة الحركة المتاحة لشبكاتها أضيق بكثير. ففي ألمانيا تبدو المقاربة مختلفة عن النموذج الفرنسي. فالحساسية الدستورية والقانونية الألمانية تجعل قرارات الحظر السياسي أو الديني أكثر تعقيداً، لكنّ ذلك لا يعني أنّ الإسلاموية خارج دائرة الأمن الداخلي.
وتابع حديثه قائلاً: "المنهج الألماني يقوم بدرجة أكبر على دور أجهزة حماية الدستور والاستخبارات الداخلية، ومراقبة المنظمات والتيارات التي ترى أنّها تشكل تهديداً للنظام الديمقراطي أو تسعى إلى التأثير فيه بصورة تتعارض مع النظام الدستوري. وقد أظهرت التجربة الألمانية خلال السنوات الأخيرة استعداد الدولة لاستخدام أداة الحظر الإداري ضد مؤسسات إسلامية عندما ترى أنّ نشاطها يتجاوز الإطار الديني إلى تهديد الأمن أو النظام الدستوري. ومن الأمثلة البارزة حظر "المركز الإسلامي في هامبورغ" عام 2024 في سياق اتهامات تتعلق بالتطرف والارتباط بإيران وحزب الله، وهو مثال مهم على نوع الأدوات التي تستطيع الدولة الألمانية استخدامها ضد البنى المؤسسية عندما تتوفر لها أساسات قانونية وأمنية كافية".
الملف الألماني
لكنّ الملف الألماني اليوم لا ينفصل عن التطور الإقليمي الجديد، كما يوضح شحادة، لافتاً إلى أنّه مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، أصبح خطر استهداف المؤسسات اليهودية والإسرائيلية جزءاً مركزياً من حسابات الأمن الأوروبي.
وحول التغيرات الطارئة في أوروبا، يقول خليل: إنّ الأمر الرئيس يتمثل في كون صانع القرار الأوروبي لم يعد ينظر إلى الحركات الإسلاموية باعتبارها "مجرد ظاهرة إيديولوجية منفصلة عن البيئة الجيوسياسية. بل أصبحت بصورة متزايدة ضمن شبكة أوسع تجمع بين التطرف، والاستقطاب، والتعبئة الرقمية، والتمويل العابر للحدود، والنفوذ الخارجي، والأزمات التي تنتجها حروب الشرق الأوسط".
أحد أهم التحولات في المقاربة الأوروبية هو التمييز المتزايد بين الإرهاب العنيف وبين ما تصفه الحكومات، وخصوصاً في فرنسا، بـ "الانفصالية" أو "التغلغل" داخل المؤسسات. فالإرهاب التقليدي يتيح للدولة أدوات قانونية واضحة نسبياً، منها الملاحقة، والاعتقال، والحظر، وتجميد الأموال، وإدراج الأفراد والتنظيمات على قوائم العقوبات. أمّا التنظيمات التي لا تمارس العنف بصورة مباشرة، وتعمل من خلال جمعيات أو مؤسسات تعليمية أو شبكات دعوية أو منظمات مجتمع مدني، فتمثل تحدياً أكثر تعقيداً. إذ إنّ التقرير الذي أعدته جهات رسمية بفرنسا، منها وزارة الداخلية، حول نشاط الجماعة وشبكاتها، وأثار جدلاً واسعاً في أيار (مايو) 2025، قدّم تصوراً للخطر باعتباره عملية طويلة المدى وليست مشروعاً لانقلاب أو تمرد مباشر. ووفق ما نقلته "رويترز"، اتهم التقرير الجماعة بالعمل عبر وكلاء ومنظمات محلية من أجل التأثير في مؤسسات المجتمع الفرنسي وقيمه العلمانية، مع تركيز على المدارس والمساجد والمنظمات غير الحكومية والمستوى المحلي. وهنا تحديداً يكمن مصدر القلق الأوروبي. فالمشكلة ليست في وجود تنظيم مركزي ظاهر يمكن مداهمته وحظره بقرار واحد، بل في وجود شبكات مرنة ومتشعبة تستطيع العمل داخل أطر قانونية منفصلة ظاهرياً، بينما تتشارك خلفيات فكرية أو علاقات تنظيمية أو شبكات تمويل أو أهدافاً سياسية متقاربة.
فرنسا وتطوير الأدوات القانونية
إذا كانت ألمانيا تمثل نموذجاً للمراقبة الاستخباراتية والحذر القانوني، فإنّ فرنسا تبدو اليوم أكثر الدول الأوروبية استعداداً لتطوير أدوات قانونية جديدة لمواجهة ما تسميه "التغلغل الإسلاموي". ففي أيار (مايو) 2026 عرض وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تصوراً لمشروع قانون يستهدف "التغلغل" والانفصالية، في خطوة تعكس انتقالاً واضحاً في التفكير الفرنسي من مكافحة الإرهاب إلى التعامل مع ما تعتبره الدولة أشكالاً أكثر انتشاراً وأقلّ وضوحاً من النفوذ الإيديولوجي. وأهمية المشروع لا تتعلق فقط بذكر جماعة الإخوان ضمن الحركات التي تناقشها السلطات، بل بطبيعة الأدوات المقترحة نفسها التي كانت تتعامل معها أوروبا بمرونة في السابق. ومن بين هذه الأدوات؛ توسيع إمكانية تجميد الأصول المالية، وإضافة أساس قانوني جديد لحلّ الجمعيات والمنظمات، وتشديد الرقابة على التمويل، خصوصاً المرتبط بجهات أجنبية، وتعزيز الشفافية المالية للجمعيات، واستعادة الدعم أو الإعانات العامة في بعض الحالات، وتوسيع القدرة على التدخل ضد المحتوى الذي تعتبره السلطات محرضاً أو مخالفاً للقيم الجمهورية، والانتقال من التركيز الحصري على الإرهاب والعنف إلى مفهوم التغلغل داخل المؤسسات والمجتمع.
ويكشف هذا المسار عن تطور نوعي في السياسة الفرنسية. فالدولة لم تعد تنتظر بالضرورة ظهور صلة مباشرة بالعنف حتى تتحرك. بل تحاول، من خلال التشريع، بناء منطقة وسطى بين الحرية القانونية الكاملة وبين الجريمة الإرهابية. وهذه المنطقة الوسطى هي بالتحديد المجال الذي ترى باريس أنّ شبكات الإسلام السياسي تعمل داخله وفي حيزه أو هامشه. وقد أوضح نونيز في حديثه أنّ التعامل مع الإخوان أكثر صعوبة، من وجهة نظر السلطات، من التعامل مع تيارات أكثر وضوحاً مثل بعض التيارات السلفية؛ لأنّ ما تعتبره الدولة استراتيجية "تغلغل" تقوم أساساً على العمل من داخل المجتمع والمؤسسات وليس على إعلان القطيعة معه. وفي الوقت نفسه شدد على أنّ الحكومة لا تستهدف الإسلام كـ "دين"، وأنّ الإجراءات يجب ألّا تتحول إلى وصم للمسلمين بصورة عامة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0_1.jpg.webp?itok=iIuHGb7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=OF-DCOHk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86_27_10_0.jpg.webp?itok=RfS1i6Qp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_8_3_0.jpg.webp?itok=-X0JjjMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_5.jpg.webp?itok=QtK4edK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_1.jpg.webp?itok=sRuYxRsX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84%20%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85_0_0.jpg.webp?itok=oMR1EA8x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=aqh24jus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_4_0_0.jpg.webp?itok=1dOcehRK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=gq1aLNFF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XAqfmsK1bEo6l-Ge2Zhzelkz_JPw0ruqXBnr3YFu6p9zRNS_BEmdpEAMsxJz3y3jT2m-5yv8s5JHwMzMTrMrqbacdGtGyKN_QEyyVUQBnLN8V02lcEl_8N_JsRaofT3FWqv_niuH3FHHG8WYSjYvETCDsUxtYXvVVcZ57Zt9j00Yw-O7gG8XGzEqrvGgcvYH%20%281%29_0.jpg.webp?itok=geuxFFvT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_8_2_2.jpg.webp?itok=DOVRyzEA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/188-160100-175426-0_700x400_0_0_1_1_2.jpg.webp?itok=VJeqzj3Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1_0.jpg.webp?itok=OH1F3MZm)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_19_0_0_1.jpg.webp?itok=k2P5zLe4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
