من المساجد إلى الجمعيات ومصادر التمويل... أوروبا توسع معركتها ضدّ الإسلام السياسي

من المساجد إلى الجمعيات ومصادر التمويل... أوروبا توسع معركتها ضدّ الإسلام السياسي

من المساجد إلى الجمعيات ومصادر التمويل... أوروبا توسع معركتها ضدّ الإسلام السياسي


27/08/2026

لم يعد النقاش الأوروبي، على مختلف المستويات الرسمية والحزبية والمجتمعية، بشأن جماعة الإخوان وشبكات الإسلام السياسي، مقتصرًا على الجوانب الحقوقية المرتبطة بحرية التنظيم والممارسة الدينية، بل فرضت التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة إعادة تقييم أوسع لطبيعة هذه التيارات ومدى نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية. فقد أدت المخاطر التي شهدتها بعض العواصم الأوروبية، ولا سيّما مع تصاعد الخطاب التعبوي وحالات العنف والجرائم التي نفذها أفراد أو ما يُعرف بـ"الذئاب المنفردة"، في أعقاب حرب غزة ثم الحرب مع إيران، إلى تعديل بوصلة التفكير الأمني والسياسي، وإعادة النظر في حجم تغلغل شبكات الإسلام السياسي وأدوات تأثيرها غير المباشرة.

وقد اتسع الاهتمام الأوروبي بتفكيك الروابط وشبكات التأثير التي تجمع بين تيارات إسلاموية مختلفة، بعدما أظهرت التطورات أنّ التباينات الإيديولوجية والتنظيمية الظاهرة لا تحول بالضرورة دون نشوء حالات من التقاطع أو التخادم أو الاصطفاف التكتيكي أو الاستراتيجي حول قضايا مشتركة. ويشمل ذلك تيارات مرتبطة بالإخوان، والتنظيمات الجهادية مثل "داعش" و"القاعدة"، إلى جانب فصائل مسلحة مرتبطة بإيران والحرس الثوري، خصوصًا في سياقات التعبئة والتحريض واستثمار الصراعات الإقليمية.

وبذلك، لم تعد المقاربة الأوروبية تقتصر على رصد التنظيمات العنيفة بوصفها تهديدًا منفصلًا، بل تتجه بصورة متزايدة إلى دراسة البيئة الفكرية والتنظيمية وشبكات العلاقات التي يمكن أن تسهم في إنتاج التطرف أو توفير مساحات للتعبئة والاستقطاب، حتى مع استمرار الفوارق الواضحة بين هذه التيارات في البنية والأهداف والوسائل. فخلال العامين الأخيرين، ومع التسارع الواضح في الأحداث الإقليمية بتوتراتها، بدأت عدة دول أوروبية في الانتقال تدريجيًا من مرحلة الرصد والمراقبة الأمنية إلى البحث عن أدوات قانونية ومالية وإدارية تسمح بتقييد وتقويض نفوذ التوغل والتغلغل الإسلاموي داخل المجتمع والمؤسسات المدنية، ومنها المدارس والجامعات ومؤسسات تنموية وخيرية تؤدي دورًا مشبوهًا بخلاف ما يبدو ظاهريًا، سواء كان عسكريتاريًا بدعم وتوفير اقتصاديات للعنف للحركات والفصائل المسلحة، أو تبييض الأموال.

تشديد الرقابة على مصادر التمويل

وعليه، اتجهت السلطات الألمانية مؤخرًا إلى تشديد الرقابة على مصادر تمويل المنظمات والجمعيات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المصنفة ضمن قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية إلى جانب التصنيف الأمريكي لعدد من أفرعها الإقليمية، وسط تنامي المخاوف السياسية والأمنية من استغلال العمل الخيري والإغاثي في بناء شبكات نفوذ موازية، وتأمين مصادر تمويل مستدامة لأنشطة التنظيم، فضلًا عن تمرير الأموال عبر مؤسسات تعمل تحت مظلة قانونية وإنسانية. في حين يأتي هذا التوجه بالتزامن مع تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية في برلين بشأن آليات منح التمويل الحكومي للمنظمات غير الحكومية، ومدى كفاية عمليات التدقيق في خلفياتها وشبكات علاقاتها الدولية، خصوصًا في ظل تحذيرات أمنية متكررة من اعتماد بعض تيارات الإسلام السياسي على الجمعيات والمؤسسات المدنية بوصفها إحدى أدوات التمدد المجتمعي طويل الأمد.

وتصاعد النقاش عقب تقديم "حزب البديل من أجل ألمانيا" طلب إحاطة انتقد فيه وزارة الخارجية الألمانية وديوان المحاسبة الاتحادي، على خلفية حصول جمعية "الإغاثة الإسلامية ـ ألمانيا" على تمويلات حكومية بلغت نحو 8.5 ملايين يورو خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2016، رغم وجود تحذيرات وسجلات استخبارية سابقة أثارت تساؤلات بشأن ارتباطات المنظمة بشبكات دولية قيل إنّها قريبة من جماعة الإخوان.

ووفقًا لما كشفه المكتب الإعلامي للحزب، فإنّ وزارة الخارجية لم تقدّم، بحسب انتقاداته، تفسيرًا مفصلًا للمعايير التي استندت إليها في اعتبار المنظمة جهة "ذات سمعة طيبة" ومؤهلة للحصول على التمويل الحكومي، رغم ما كان متاحًا من معلومات وتقارير أمنية حول شبكة علاقاتها الدولية. ثم طالب الحزب، عبر طلب الإحاطة، بالكشف عن الإدارات والجهات المختصة داخل وزارة الخارجية التي شاركت في اتخاذ قرارات التمويل، إلى جانب توضيح التوصيات والمعلومات التي قدمتها الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها هيئة حماية الدستور وجهاز الاستخبارات الخارجية، بشأن المنظمة قبل إقرار الدعم المالي.

تتزامن هذه التطورات مع استمرار هيئات حماية الدستور، وهي أجهزة الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، في تخصيص مساحات واسعة داخل تقاريرها السنوية لمتابعة نشاط الجماعات الإسلاموية وشبكات الإسلام السياسي، إذ تكشف تقارير صادرة عن هيئة حماية الدستور في هامبورغ، طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها جماعة الإخوان، مشيرة إلى أنّ التنظيم لا يعتمد، في المقام الأوّل، على العنف المباشر أو محاولات الاستيلاء على السلطة بالقوة، بل يسعى إلى ممارسة تأثير تراكمي ومتدرج داخل المجتمع ومؤسساته. وتقوم هذه المقاربة، وفقًا للرؤية الأمنية الألمانية، على بناء شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات والمراكز والمنظمات التي تعمل بصورة قانونية منفصلة، لكنّها قد تتقاطع من حيث الخلفية الفكرية أو شبكات العلاقات أو الأهداف بعيدة المدى.

من هنا باتت مواجهة هذا النوع من التنظيمات أكثر تعقيدًا من مواجهة الجماعات المسلحة، إذ إنّ وجود المؤسسة داخل الإطار القانوني لا يعني بالضرورة، من منظور الأجهزة الأمنية، انتفاء المخاوف المتعلقة بأهدافها أو تأثيرها السياسي والإيديولوجي. 

فالتمويل يمثل إحدى أهم حلقات النفوذ بالنسبة إلى الجماعات والتنظيمات الإسلاموية، إذ يسمح لها بالحفاظ على بنيتها المؤسسية، وتمويل الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والإعلامية، وتوسيع قدرتها على استقطاب الكوادر وبناء العلاقات داخل المجتمعات المحلية، وفق ما يشير الكاتب المختص في شؤون التطرف والإرهاب المقيم بباريس شيار خليل.

يقول خليل لـ "حفريات": "من هذا المنطلق، فإنّ التحول المحتمل في السياسة الألمانية لا يتعلق فقط بتشديد الرقابة على التبرعات أو التمويل الخارجي، وإنّما بإعادة النظر في منظومة كاملة تشمل مصادر الأموال، ومسارات انتقالها، والجهات التي تمنح التمويل العام، وطبيعة العلاقات بين المؤسسات المحلية والشبكات الدولية". إذ تكتسب هذه المسألة حساسية إضافية في ظل تزايد المخاوف الأوروبية من استخدام المنظمات غير الحكومية والجمعيات المدنية كأدوات للتأثير السياسي غير المباشر، ليس فقط من جانب تيارات الإسلام السياسي، وإنّما في إطار أوسع يتعلق بالنفوذ الأجنبي والشبكات العابرة للحدود.

استراتيجية أمنية جديدة

وبذلك، تتحول الرقابة المالية من مجرد "أداة محاسبية" إلى جزء من استراتيجية أمنية وسياسية تهدف إلى معرفة كيفية عمل هذه الشبكات، ومن أين تحصل على مواردها، وكيف تُنفق الأموال، وما إذا كانت المؤسسات المستفيدة من التمويل الحكومي أو التبرعات تعمل بصورة مستقلة بالفعل أم أنّها تمثل جزءًا من بنية أوسع، حسبما يوضح الكاتب المختص في شؤون التطرف والإرهاب.

ويقول: "التطورات الأخيرة في عدة عواصم أوروبية تشير إلى أنّ ألمانيا قد تكون مقبلة على تحول تدريجي في آليات التعامل مع شبكات الإسلام السياسي كما هو الحال في فرنسا التي سبقت بخطوة أو عدة خطوات دول القارة. فبدلًا من التركيز التقليدي على مراقبة المساجد أو الخطب الدينية وحدها، يتزايد الاهتمام بتتبع البنية المؤسسية والمالية المحيطة بهذه الشبكات. ويشمل ذلك كلّاً من التدقيق في التمويل الحكومي، ومصادر الأموال الخارجية، وعلاقات الجمعيات بالمنظمات الدولية، فضلاً عن مدى استخدام الأنشطة الخيرية والإغاثية والاجتماعية في بناء نفوذ سياسي وإيديولوجي طويل المدى".

إلا أنّ معضلة أساسية تبرز أمام السلطات الألمانية ومجمل السلطات في أوروبا، وفق المصدر ذاته، تتمثل في "الحفاظ على حرية العمل المدني والديني باعتباره أمراً يمثل أحد المبادئ الجوهرية للدولة الديمقراطية، لكنّ هذه الحريات نفسها يمكن أن تتحول، في نظر المؤسسات الأمنية، إلى مساحة تستفيد منها تنظيمات إيديولوجية تسعى إلى بناء نفوذها من داخل النظام الذي تعمل على تغيير قيمه أو التأثير في بنيته".

ولهذا، يرجح أن تتركز المرحلة المقبلة على سد الثغرات القانونية والإدارية التي تسمح بعمل الجمعيات تحت غطاء قانوني مع صعوبة الكشف عن امتداداتها وشبكات تمويلها، إلى جانب تشديد معايير منح الأموال الحكومية ورفع مستوى التنسيق بين الوزارات والجهات الرقابية والأجهزة الأمنية. 

وتكتسب هذه التحولات أهمية كبرى عند وضعها في سياقها الدولي، والحديث للمصدر ذاته، فقد جاءت حرب غزة لتعيد ملف الإسلاموية إلى قلب المجال السياسي الأوروبي، مع ما أفرزته من احتجاجات واستقطاب وحملات تعبئة أممية. ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وفق السياق الإقليمي الراهن والمأزوم، لتضيف طبقة جديدة من المخاوف الأمنية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي، وخطر الهجمات الانتقامية، واستهداف المصالح اليهودية والإسرائيلية، ونشاط الجماعات الجهادية، وإمكان انتقال الصراع من ساحات الشرق الأوسط إلى المدن الأوروبية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية