
إنّ تقييم تهديد تنظيم "داعش" في النصف الأول من 2026 يجب أن يأخذ في الاعتبار خمسة مؤشرات على الأقل، كما يوضح "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في دراسة له.
أوّلًا: القدرة على البقاء؛ فنجاح التنظيم في الحفاظ على خلايا فاعلة رغم سنوات من الضربات يدلّ على أنّ بنيته لم تُفكك بالكامل، ثانيًا: الانتشار الجغرافي، حيث تعدد الفروع في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط يقلل من قدرة الضربات ضد فرع واحد على القضاء على التهديد العالمي، ثالثًا: استغلال الفراغات الأمنية، كما هو الحال في سوريا التي تُقدّم مثالًا واضحًا على قدرة التنظيم على إعادة تنشيط نفسه عندما تتغير بنية الدولة، رابعًا: اللّامركزية، فكلما أصبح التنظيم أقلّ اعتمادًا على قيادة مركزية، أصبح من الصعب استهدافه بضربة واحدة، خامسًا: التكيف التكنولوجي، فاستخدام الطائرات المُسيّرة والمنصات الرقمية والأصول الافتراضية والذكاء الاصطناعي يوسع الأدوات المتاحة للتنظيمات الإرهابية.
احتمالات عودة تنظيم "داعش"
وبالسؤال عن احتمالات عودة "داعش"، فالإجابة الأقرب إلى الدقة هي، بحسب ما يخلص إليه تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنّه لا توجد مؤشرات على عودة "داعش" إلى نموذج عامي 2014 و2017، لكن توجد مؤشرات قوية على تطور نموذج أكثر مرونة واستدامة. فالعودة إلى السيطرة على مدن كالموصل والرقة تتطلب قدرة عسكرية وجغرافية وسياسية لا يبدو أنّ التنظيم يمتلكها حاليًا. لكنّ التنظيم لا يحتاج إلى استعادة "الخلافة" كي يصبح تهديدًا خطيرًا، بل إنّ النموذج الجديد يقوم على الحفاظ على وجود منخفض الكلفة، واستغلال المناطق التي تعاني من ضعف الدولة، وتنفيذ عمليات انتقائية، وتحريض أفراد منفردين، وبناء شبكات محلية، مع الاعتماد على فروع متعددة، وهذا ما يجعل الخطر أكثر تعقيدًا من السابق.
ففي مرحلة "الخلافة"، كان بالإمكان تحديد مركز جغرافي واضح للتنظيم واستهدافه عسكريًا. أمّا الآن، فقد أصبح مركز الثقل موزعًا بين عدة مسارح، ممّا يجعل المعركة ضده أقرب إلى مكافحة شبكة عالمية متعددة الرؤوس. وكما سبقت الإشارة، تبدو أفريقيا العامل الأكثر أهمية في تحديد مسار "داعش" خلال السنوات المقبلة، بالإضافة إلى بعض المناطق في آسيا، وسوريا بفعل الدولة الرخوة والهشة أمنيًا وفي مرحلتها الانتقالية وإخفاقاتها في تحقيق عدالة سياسية. كما أنّ الظروف التي تساعد التنظيم على النمو موجودة بدرجات متفاوتة في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، نتيجة حكومات ضعيفة، وحدود واسعة، وصراعات محلية، وفقر ونزوح، وتراجع الخدمات العامة.
تمدد التنظيمات الإرهابية
ويُحذّر تقرير "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" من أنّ العديد من الجماعات الإرهابية الرسمية، خصوصًا في أفريقيا، تزداد قوة، في وقت تتراجع فيه أولوية مكافحة الإرهاب ضمن حسابات الأمن القومي الأمريكي مقارنة بملفات أخرى. حيث إنّه حتى لو لم يكن "داعش" قادرًا على تهديد الولايات المتحدة مباشرة على المدى القصير، فإنّ نمو فروعه في أفريقيا يمكن أن يؤدي إلى بناء قدرات أكبر بمرور الوقت، وربما إلى ظهور تهديدات عابرة للحدود. وهنا تظهر العمليات الأمريكية في سوريا ونيجيريا خلال النصف الأول من 2026 أنّ واشنطن لم تتخلَّ عن مكافحة "داعش"، لكنّها تتعامل معه بصورة مختلفة عن مرحلة الحرب على "الخلافة". في سوريا نفذت القوات الأمريكية ضربات ضد أكثر من 30 هدفًا للتنظيم الإرهابي خلال عشرة أيام في شباط/فبراير، وفق القيادة المركزية الأمريكية. وفي نيجيريا تعاونت واشنطن مع الحكومة المحلية في عمليات جوية وبرية استهدفت قيادات بارزة في التنظيم. لكنّ هذه العمليات لا تعالج وحدها الأسباب التي تسمح للتنظيم بالبقاء. فالضربات تستطيع قتل القيادات وتدمير البنية اللوجستية، لكنّها لا تستطيع بمفردها معالجة ضعف الدولة أو الفقر أو النزاعات المحلية أو الفراغات الأمنية.
ولهذا يؤكد تقرير الأمم المتحدة أنّ مواجهة التهديد تتطلب مقاربة شاملة تشمل الحكومات والمجتمع، وتستند إلى سيادة القانون وحقوق الإنسان، وليس إلى الإجراءات العسكرية وحدها.
وفي حين تكشف معطيات النصف الأول من 2026 أنّ تنظيم "داعش" لم يعد التنظيم الذي كان عليه قبل عقد، لكنّ ذلك لا يعني أنّ خطره تراجع بالضرورة بالقدر نفسه. لقد خسر التنظيم مشروعه الإقليمي، لكنّه حافظ على قدرته على إعادة إنتاج نفسه. وفي العراق تراجعت عملياته إلى مستويات منخفضة، لكنّه ظل قادرًا على البقاء. وفي سوريا بدأ يستغل هشاشة المرحلة الانتقالية لإعادة تنشيط الخلايا واستهداف السلطة الجديدة. أمّا في أفريقيا، فتبدو فروعه أكثر قدرة على التوسع والاستفادة من هشاشة الدول والنزاعات المحلية. وفي باكستان وأفغانستان يواصل "داعش خراسان" الاحتفاظ بالقدرة على تنفيذ هجمات عالية التأثير.
لذلك، لا تشير معطيات النصف الأوّل من عام 2026 لعودة "داعش" إلى النموذج الذي مثّلته "الخلافة" المزعومة في ذروة تمددها، بقدر ما تكشف عن تحول أعمق في طبيعة التنظيم ووظائفه وأدوات بقائه. فقد أدى فقدانه السيطرة الإقليمية إلى إعادة تشكيل بنيته على نحو جعله أقلّ اعتمادًا على المركز، وأكثر ارتكازًا إلى الفروع والخلايا المحلية والشبكات العابرة للحدود. ومن ثمّ، لم يعد معيار قوة التنظيم هو مساحة الأرض التي يسيطر عليها، وإنّما قدرته على الاحتفاظ بموطئ قدم داخل بيئات مضطربة، وإعادة إنتاج موارده البشرية والتنظيمية، واستثمار الفراغات الأمنية كلما سنحت الظروف.
وتبدو أفريقيا، في هذا السياق، الساحة الأكثر أهمية في اختبار قدرة "داعش" على النمو خارج بيئته التقليدية، وتظلّ سوريا والعراق مجالًا حاسمًا لمنع إعادة بناء نواته الأصلية، ويواصل "داعش خراسان" إظهار القدرة على استغلال التعقيدات الأمنية في جنوب ووسط آسيا. ويعني ذلك أنّ التهديد لم يعد متمركزًا في بؤرة واحدة يمكن استهدافها وإنهاؤها، وإنّما يتوزّع بين ساحات متعددة تختلف في طبيعتها وقدرات فروع التنظيم فيها. وعليه، فإنّ التحدي الذي يفرضه "داعش" في مرحلته الراهنة لا يكمن في احتمال استعادة "الخلافة" بصورتها السابقة، وهو احتمال لا تبدو مؤشرات قوية على تحققه في المدى المنظور، وإنّما في قدرة التنظيم على الاستمرار دونها. فكلما نجح في تحويل خسارته الإقليمية إلى بنية أكثر لا مركزية وأقلّ قابلية للاختراق، أصبح احتواء تهديده مرتبطًا ليس فقط بالعمليات العسكرية والأمنية، وإنّما بقدرة الدول على معالجة البيئات السياسية والاجتماعية والأمنية التي تتيح له إعادة إنتاج نفسه.
ومن هذه الزاوية تبدو هزيمة تنظيم "داعش" في السنوات المقبلة أقلّ ارتباطًا بإسقاط معقل أو تصفية قيادة، وأكثر ارتباطًا بمنع الفروع من التحول إلى مراكز قوة مستقلة، وتجفيف شبكات التجنيد والتمويل، والحدّ من قدرته على استثمار التكنولوجيا والفضاء الرقمي، ومعالجة الفراغات التي تسمح له بالتمدد. فالتنظيم الذي فقد مشروع الدولة لم يفقد بالضرورة القدرة على البقاء؛ وما لم تتغير البيئات التي يستند إليها، فإنّ سقوط "الخلافة" قد يظل نهاية لنموذج من "داعش"، لا نهاية للتهديد الذي يمثله.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XMsJz2mlV2MDbTTHM-39C6F3OV5Xionb6T4ZiiSqQXOkzXXicSM-k6qXiTi2tksDGRgl1W2PjuBaOYtyZttipkPCoCylc2lXAyTvS3dN1BQGcu5bNj8D16aJ1KhnQ7VPXo4Gdzc9uBozhFFaye9TiNygPvpaF3-9OwOD1H_rn4YMdPbuaEZux6kcf4NsimTJ_0.jpg.webp?itok=h1lHdffV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%AF%2022_1_0.jpeg.webp?itok=vKSlcpGF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5yU73-8ndXvkixaA3c0ONZeCbnxvmHeu7SphNKVHarvQkdEytdegUPDV9Je2USEGtGAR59JOT2JMxLV69dJ19nai0rtIFqUVQlari8I-M2baG-mLDrHhEtrk93ianT5bxQA2nGCpYJpPtYQ5WOtj066UX6lV74wZYrUUC8hUZmXzhZFdTbLqAkjKWIBrD729.jpg.webp?itok=6S0OKVWK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gVzdl2uVJ-yYJ5YhptNRIP9h19mku-ry0iY9zBsS61mTENsoUJCUDZ7IelA_6jeeklJjdOffwluzL0o8awDujBzr4F4_JnqoFpLQu3rD94ikkjpYTPkMeX9cjYPpq24eEJFhW9cs0mW3J6531Vmjozt5hX-icMJChobgb7E35I_HAien9iDZH8_WgG_vJsLn.jpg.webp?itok=11mi8v6r)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_6_0_0.jpg.webp?itok=5xBHwzOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_2_2_0.jpg.webp?itok=qqnlsSE8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Anasaltikriti.jpg.webp?itok=IQeqbbI2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_132_0_0.jpg.webp?itok=5ZsfnmFb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%83%D9%88_5_0.jpg.webp?itok=VTX-xcZG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_0.jpg.webp?itok=jEJJb5LN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_3_0_0_0.jpg.webp?itok=hf_LUJ34)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=qCize2ZA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_117_1.jpg.webp?itok=jVAkyp0D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2_0.jpg.webp?itok=AdELn6Tb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=wWhYK1E0)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5_0.jpg.webp?itok=0dj98rvZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=GlM2AIN3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

