هل يصلح الإخوان لحكم الدول؟

لماذا لا يصلح الإسلام السياسي للحكم في الشرق الأوسط؟

هل يصلح الإخوان لحكم الدول؟


01/07/2026

 

رغم ما يحمله الإسلام من قيم روحية وأخلاقية سامية، من العدالة والرحمة والتكافل، إلا أنّ تحويله إلى مشروع سياسي لحكم الدول أثبت، مرارًا وتكرارًا، أنّه وصفة للفشل والانقسام والصراع. وقد فشل الإسلام السياسي لأنّه ببساطة عند تسييس الدين يفقد جوهره الروحي، ويصبح أداة بيد جماعات تستعمله للوصول إلى السلطة، لا لتحقيق مقاصده العليا.

ويمكن القول إنّ الشرق الأوسط ليس مجتمعًا متجانسًا دينيًا أو مذهبيًا أو ثقافيًا، إنّه فسيفساء معقدة من الطوائف والمذاهب: "سنّة، وشيعة، ودروز، وإسماعيليون، وعلويون، وصوفيون، وأرمن، ومسيحيون، ويزيديون، وأقليات دينية وعرقية متعددة". في مثل هذا التنوع فإنّ محاولة فرض رؤية دينية واحدة على الجميع هي مشروع انتحاري يؤدي حتماً إلى الإقصاء والاضطهاد والاحتراب الأهلي.

والحكم الديني بطبيعته لا يتسامح مع التعدد، لأنّ الحاكم يعتبر نفسه ظل الله في الأرض، ويمارس السلطة باسم الحق الإلهي. وهذا النوع من الحكم لا يعترف بالمعارضة السياسية، بل يصنفها على الفور بأنّها معارضة لله، وهو ما يجعل كل اختلاف في الرأي جريمة دينية لا خلافًا سياسيًا، وهكذا تُقمع الحريات، وتُلغى التعددية، وتبدأ دورة الاستبداد باسم السماء.

 

أيّ إسلام سنطبّق؟

السؤال الجوهري الذي يُفجّر تناقضات الإسلام السياسي هو: أيّ إسلام سنطبّق؟ هل هو الإسلام السنّي أم الشيعي؟ وإذا كان سنيًّا، فهل هو السلفي الوهابي؟ أم الإخواني؟ أم الصوفي الروحاني؟ أم الأشعري؟ أم الماتردي؟ أم الإباضي؟ وإذا قلنا إننا سنحتكم إلى الشريعة، فهل ستكون وفق المذهب الحنفي أم المالكي أم الشافعي أم الحنبلي؟ أم أننا سنبتكر شريعة هجينة جديدة من اجتهادات المعاصرين؟

المسلمون أنفسهم لا يتفقون على تفسير موحد للإسلام، بل إنّ التاريخ الإسلامي مليء بالخلافات الفقهية والعقائدية بين المدارس المختلفة التي أدت أحيانًا إلى حروب ومذابح. فكيف يمكن إقامة دولة مستقرة على أساس ديني في بيئة لا يوجد فيها اتفاق حتى على المبادئ الدينية الأساسية؟

الإسلام السياسي يفترض ضمنيًا أنّ هناك نسخة نقية من الإسلام يمكن تطبيقها، لكنّ هذه النسخة غير موجودة في الواقع، بل هي نتاج اجتهاد بشري، تحكمه السياقات الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، فهو ليس حكم الله كما يدّعي أصحابه، بل هو "حكم بشر يدّعون أنّهم ينفذون حكم الله.

فكثيرًا ما نسمع عبارات مثل: قال الإمام الشوكاني، وفسّر ابن تيمية، وتوصّل الحافظ ابن حجر العسقلاني، ويرى ابن ماجة، ويختلف البيهقي، ويميل ابن القيم الجوزية... وغيرهم كثير. هذه الأسماء تُذكر باستمرار لتأكيد أنّ ما يُقال هو من الدين، لكنّ الحقيقة أنّ ما يُطبّق في الغالب ليس كلام الله الخالص، بل اجتهادات بشرية لعلماء عاشوا في أزمنة وظروف مختلفة، اجتهدوا وفكروا حسب معطيات عصرهم.

ما حدث أنّ هذه التفسيرات البشرية تمّ إلباسها لباس القداسة، والتعامل معها كما لو كانت نصًا إلهيًا لا يُمسّ، مع أنّها في جوهرها آراء بشر قد تُصيب وقد تُخطئ.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان أولئك العلماء قد اجتهدوا وفسّروا ما يناسب زمانهم، فلماذا لا يُمنح أهل هذا الزمان الحق نفسه؟ لماذا يُمنع المسلم المعاصر من الاجتهاد، بينما يُفرض عليه اجتهاد بشر من قرون مضت، وكأنّ باب الفهم والتفكير قد أُغلق إلى الأبد؟

هذه هي المفارقة الكبرى في فكر الإسلام السياسي: يُروّج أنّه يطبّق كلام الله، بينما يفرض تفسيرات بشرية معيّنة، ويمنع أيّ محاولة لفهم الدين بروح العصر.

وهذا يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم، فقد دعا الله تعالى الناس إلى استخدام العقل والتدبر، كما تكرر في العديد من الآيات مثل: "أفلا تعقلون"، و"أفلا تتفكرون". ومع ذلك، فإنّ بعض من يُطلق عليهم رموز الدين في عصرنا احتكروا تفسير النصوص وأغلقوا باب الاجتهاد، مخالفين بذلك توجيهات القرآن في الحث على التفكر والتدبر. والأسوأ من ذلك أنّهم يدّعون أنّه لا يوجد كهنوت في الإسلام، بينما ممارساتهم تعكس نوعًا من الكهنوت في صورته المعاصرة، وهذا تناقض يصعب تجاهله.

هشاشة المشروع وارتباطه بالأفراد لا بالمؤسسات

حتى إذا افترضنا ـ جدلًا ـ ظهور قائد كاريزمي إسلامي يتمتع بقبول واسع، فإنّه لن يكون أكثر من حالة استثنائية. فنجاحه سيكون مرتبطًا بشخصه، لا بمؤسسات قوية ومستقلة. وعند موته أو سقوطه، تنهار التجربة بالكامل، وأوضح مثال على ذلك هو عمر بن عبد العزيز، أحد أكثر الخلفاء عدلًا وزهدًا في التاريخ الإسلامي. خلال فترة حكمه القصيرة أصلح المظالم، وقلّص الإنفاق، ونشر العدالة. لكن بعد وفاته مباشرة تراجعت الدولة الأموية سريعًا إلى الاستبداد والفساد، لأنّ إصلاحاته كانت مرهونة بشخصه لا بنظام مستدام.

وهكذا، فإنّ أيّ مشروع سياسي قائم على التدين الفردي أو الكاريزما الشخصية، دون مؤسسات قوية وقوانين عادلة، يظل هشًا وقابلًا للانهيار بعد غياب صاحبه.

الأنظمة الناجحة تحتاج إلى مؤسسات دائمة، مستقلة، قائمة على الكفاءة والشفافية والمساءلة. أمّا الإسلام السياسي، فيُقيم دولة يديرها رجال الدين أو المتحدثون باسم الدين، ويستبدل المؤسسات الحديثة بـ "مجالس شورى" تقرّها جماعة بعينها، ويتحوّل النقد إلى فتنة، والمعارضة إلى نفاق، والاجتهاد إلى زندقة. فهل هذه دولة حديثة قابلة للحياة في القرن الحادي والعشرين؟

 

الكهنة في مصر القديمة، والكنيسة في أوروبا

في أواخر عهد الدولة الحديثة في مصر القديمة، شهدت البلاد تحوّلًا ملحوظًا في موازين القوى، حيث تصاعد نفوذ الكهنة، خصوصًا كهنة آمون في طيبة، إلى حدّ مكّنهم من السيطرة على مفاصل الاقتصاد، والتأثير في السياسة، والمشاركة الفعلية في تعيين الملوك وكبار المسؤولين. هذه الظاهرة أدت إلى نشوء ثنائية في الحكم، أضعفت السلطة المركزية، وأدّت في نهاية المطاف إلى تفكك الدولة وسقوطها أمام الغزاة. ومن خلال هذا المثال يتضح كيف أنّ تداخل الدين مع السياسة قد أسهم في إضعاف الدولة وانهيار واحدة من أطول الحضارات استمرارية في التاريخ.

تجربة مماثلة شهدتها أوروبا في العصور الوسطى، حين فرضت الكنيسة هيمنتها على المجتمعات، وهو ما أدى إلى تقييد الفكر، وقمع الحريات، واندلاع صراعات طائفية طويلة الأمد بين الكاثوليك والبروتستانت. ومارست الكنيسة سلطتها عبر محاكم التفتيش، وملاحقة العلماء والمفكرين، وهو ما أدى إلى جمود حضاري استمر قرونًا. لم تبدأ أوروبا في الخروج من هذا الجمود إلا حين أُعيد النظر في العلاقة بين الدين والدولة، وتمّ فصل السلطة الدينية عن السياسية، وهو ما شكّل انطلاقة لعصر النهضة، وأسهم في تأسيس أنظمة قائمة على العقل والعلم والعدالة.

بناءً على هاتين التجربتين التاريخيتين، يمكن القول إنّ التداخل بين السلطة الدينية والسياسية كثيرًا ما أدى إلى نتائج سلبية على مستوى تطور الدول واستقرارها. وهذا يدفع إلى التساؤل حول جدوى إعادة إنتاج نماذج الحكم الديني في العصر الحديث، في ضوء ما أظهره التاريخ من إخفاقات متكررة عند غياب الفصل بين الدين والدولة.

 

الإسلام السياسي اليوم: من طهران إلى الخرطوم... هل نجح كما يدّعون؟

إيران بعد ثورة 1979 تحولت إلى جمهورية دينية تحكمها سلطة الفقيه، قُمعت فيها الحريات، وتم تسييس كل مناحي الحياة. أصبح الدين أداة للرقابة والعقاب، لا للسلام والروحانية. والنتيجة، الملايين من الشباب الإيرانيين اليوم يخرجون من الدين. الإحصاءات تشير إلى أنّ ما يقارب 90% من شباب إيران يعتبرون أنفسهم لا دينيين أو ملحدين. الدين هناك لم يُحترم، بل استُهلك سياسيًا حتى كُره.

السودان: في عهد البشير طُبّق مشروع التمكين الإسلامي، وأدى إلى عقود من الحروب الأهلية، وتدهور الاقتصاد، وانفصال الجنوب، وسقوط الدولة في النهاية. مرة أخرى تم خلط الدين بالسلطة، وكانت النتيجة الفوضى.

الجزائر عاشت عشرية سوداء في التسعينيات عندما تصارع الإسلاميون مع الجيش على الحكم، سقط خلالها أكثر من (200) ألف قتيل، في حرب أهلية مزقت البلاد.

سوريا والعراق وليبيا: الحركات الجهادية مثل (داعش وجبهة النصرة وغيرها) رفعت شعارات الإسلام السياسي، ولكنّها مارست أقسى أنواع الإرهاب، وقتلت الناس باسم الشريعة، ودمّرت المجتمعات التي دخلتها، وأصبحت هذه الدول في حالة من الفوضى والانهيار والصراعات الأهلية.

 

طالبان: أسوأ نماذج للحكم الثيوقراطي

بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في 2021 عادت طالبان إلى السلطة، وأعادت البلاد إلى حكم ديني متشدد لا يعترف بالحريات أو حقوق الإنسان. فُرضت قيود صارمة: منع تعليم الفتيات، وإقصاء النساء من العمل والتعليم، وقمع الإعلام، وتطبيق عقوبات بدائية باسم الشريعة.

والنتيجة عزلة دولية وتجميد الأموال. كارثة إنسانية مع فقر يطال أكثر من 90% من السكان، وهجرة واسعة للعقول والكوادر، وجيل من النساء فقد مستقبله وعادت البلاد إلى القرون الوسطى شكلاً ومضمونًا.

تجربة أفغانستان تقول بوضوح: إنّ الحكم باسم الدين لا يعني عدلًا أو صلاحًا، بل قد يتحول إلى قمع مطلق إذا تم احتكار تفسير الدين. طالبان لم تحلّ مشكلات البلاد، بل أعادت إنتاج الاستبداد باسم الله.

وهذا يقودنا إلى أنّ الدولة الحديثة تحتاج إلى كفاءة، وقوانين مدنية، وتعليم، لا إلى فتاوى وشرطة دينية. وأفغانستان تذكير حيّ بأنّ تسييس الدين يقود إلى الانهيار لا إلى النهضة.

 

وهم الدولة الإسلامية وحلم الخلافة

يقوم المشروع السياسي الإسلامي على فكرة الدولة الإسلامية، وعلى استحضار نموذج الخلافة كـ "يوتوبيا سياسية مثالية". لكنّ النظرة الموضوعية إلى التاريخ تُظهر أنّ هذه الفكرة غير موجودة بشكل واضح أو نقي كما يُروّج. فالخلافة، منذ بداياتها، لم تكن حكمًا دينيًا خالصًا، بل كانت نظامًا سياسيًا يستخدم الدين كغطاء للشرعية، وكان مليئًا بالصراعات على السلطة، والانقلابات، والاغتيالات.

في الواقع، الخلفاء الراشدون الأربعة أنفسهم لم يسلموا من هذا الصراع: عمر بن الخطاب اغتيل طعنًا في المسجد، وعثمان بن عفان قُتل داخل بيته على يد ثائرين مسلمين، بعد فتنة طويلة وانقسام في الأمصار، وعلي بن أبي طالب قُتل وهو في طريقه إلى الصلاة، بعد سنوات من الفتنة الكبرى، وحروب طاحنة مع خصومه السياسيين من الصحابة أنفسهم، مثل معاوية بن أبي سفيان في موقعة صفين، وعائشة وطلحة والزبير في موقعة الجمل.

ثم جاء الصراع الأعنف: يزيد بن معاوية الذي استولى على الحكم بالوراثة، وقُتل في عهده الحسين بن علي، حفيد النبي، في كربلاء بطريقة مأساوية هزّت الضمير الإنساني.

كلّ هذه الأحداث الدامية والمأساوية وقعت وقت ما يُسمّى العصر الذهبي، الذي يصوّره أنصار الإسلام السياسي كفترة مثالية يُفترض أن تُحتذى! لكنّ الواقع التاريخي يُظهر أنّها كانت مرحلة قلاقل ودماء وصراع على الحكم، لا تختلف كثيرًا عمّا شهدته دول أخرى عبر التاريخ من صراع دنيوي على السلطة، مغلف بالشعارات والمبررات الدينية.

 

العلمانية لا تعني محاربة الدين

الحل لا يكمن في محاربة الدين أو نزع الإيمان من الناس، بل في احترام الدين كقيمة شخصية وروحية، تُمارس بحرية تامة، دون أن تتحول إلى وسيلة للهيمنة السياسية.

العلمانية لا تعني الإلحاد، ولا فصل الدين عن المجتمع كما يروّج أنصار الإسلام السياسي، بل تعني ببساطة فصل سلطة رجال الدين عن المجتمع. فالدين، بطبيعته، حاضر في حياة الناس وفي قوانين الأحوال الشخصية مثل الميراث والزواج، ولا أحد ينكر ذلك. لكن ما ترفضه العلمانية هو أن يتحوّل رجال الدين إلى سلطة سياسية تُصدر الأوامر، وتفرض الفتاوى كقوانين ملزمة.

رجال الدين يخشون العلمانية لأنّهم يخشون فقدان سلطانهم على الناس. ولهذا يروّجون كذبًا أنّها حرب على الدين، بينما الحقيقة أنّ العلمانية هي حماية للدين من التسييس، وللدولة من التفتت.

ولو كانت العلمانية ضد الدين، لكانت المسيحية قد اختفت من أوروبا بعد فصل الكنيسة عن الدولة منذ أكثر من (400) سنة، لكنّ العكس هو ما حدث: بقي الدين كقيمة روحية شخصية، وتطورت الدولة كمؤسسة مدنية عادلة.

إذن، لا خطر على الدين كما يدّعون، بل الخطر الحقيقي على مصالحهم. فماذا سيفعلون إن توقف الناس عن سؤالهم في كل كبيرة وصغيرة؟ حينها ستُسنّ القوانين لمصلحة الشعب، لا بناءً على فتاوى متغيرة. العلمانية ليست خصمًا للإيمان، بل هي درع يحمي الدين من الاستغلال، ويحمي الدولة من الانهيار.

وعليه، فإنّ الإسلام السياسي مشروع فشل في الماضي، ويفشل اليوم، وسيفشل في المستقبل، لأنّه ببساطة لا يصلح لإدارة دول متعددة الأطياف، ولا يسمح بقيام مؤسسات قوية، ومستقلة، وعادلة. وهو لا يقدّم نموذجًا سياسيًا متماسكًا، بل مجرد شعارات عاطفية تنتهي دومًا إلى الاستبداد أو الفوضى.

آن الأوان لأن نتعلم من دروس التاريخ، وأن نُعيد الاعتبار للعقل، والمؤسسات، والقانون، والعدالة. آن الأوان لبناء دول علمانية عقلانية تحفظ الدين كإيمان، وتحفظ الدولة ككيان جامع لكل مواطنيها، دون تمييز.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية