داعش بعد سقوط قياداته: التحولات الداخلية في التنظيم

داعش بعد سقوط قياداته: التحولات الداخلية في التنظيم

داعش بعد سقوط قياداته: التحولات الداخلية في التنظيم


30/09/2025

شهد تنظيم داعش منذ تأسيسه سلسلة من التحولات البنيوية التي ارتبطت مباشرة بمصير قياداته، ومع سقوط كل زعيم أو قيادي بارز، يجد التنظيم نفسه أمام تحديات معقدة تتعلق بالشرعية الداخلية، والقدرة على إعادة الهيكلة، والحفاظ على التماسك بين فروعه الموزعة عبر مناطق الصراع.

ومع دخول سوريا مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول / ديسمبر 2024، بدا أن التنظيم يواجه اختباراً صعباً يتعلق بمستقبله داخل بيئة أمنية وسياسية متغيرة. تقارير أممية حديثة، صدرت في منتصف 2025، أكدت أن التنظيم لم يعد قادراً على السيطرة الجغرافية، لكنه يركز على الخلايا المتناثرة وحرب الاستنزاف.

هذه التطورات تجعل من دراسة التحولات الداخلية بعد سقوط القيادات الأخيرة أمراً أساسياً لفهم طبيعة الخطر الذي ما زال التنظيم يشكله، ليس فقط في سوريا والعراق، بل أيضاً في مناطق أخرى مثل الساحل الأفريقي وأفغانستان، حيث يحاول التمدد والتأقلم مع الضغوط المتزايدة.

فراغ القيادة وتحديات الشرعية

أدت الضربات الأخيرة التي نفذتها قوات التحالف الدولي والقوات العراقية والسورية إلى مقتل عدد من أبرز قادة الصف الأول في التنظيم، مثل عمر عبد القادر بسام الملقب بـ«عبد الرحمن الحلبي»، وضياء مصلح الحرداني. هذه الاستهدافات تركت فراغاً تنظيمياً ملحوظاً داخل البنية القيادية، ودفعت عناصره إلى اعتماد آلية «المجالس المؤقتة» لإدارة شؤون الولايات.

يحذر خبراء من أن قدرة التنظيم على التكيف مالياً تتيح له إعادة تدوير موارده حتى بعد خسارته للقيادات والحواضن الجغرافية

لكن هذا النموذج لا يخلو من تحديات، إذ رصد تقرير صادر عن مركز "جسور للدراسات" أن آلية القيادة الجماعية تزيد من احتمالية الخلافات بين الأجنحة المحلية، خصوصاً بين القيادات العراقية والسورية. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا الصراع الصامت يُضعف قدرة التنظيم على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة، ويُربك شبكة القيادة الميدانية.

إلى جانب ذلك، فإن غياب شخصية كاريزمية مثل البغدادي أو القرشي جعل التنظيم يفقد إحدى أدوات التجنيد الفعّالة، إذ لم يعد قادراً على تسويق مشروعه العقائدي بالزخم السابق. وبحسب تقرير مجلس الأمن الصادر في آب / أغسطس 2025، فإن التنظيم يعاني من أزمة شرعية داخلية مع تزايد الانشقاقات لصالح جماعات محلية أكثر تشدداً.

ومع ذلك، يحاول داعش تجاوز هذه الأزمة عبر إعادة إحياء رمزية «الخلافة» في أدبياته الدعائية، وهو ما ظهر في صحيفة «النبأ» التي وصفت حكومة أحمد الشرع في دمشق بأنها «عدو الإسلام»، في محاولة لإعادة تجييش المقاتلين حول خطاب المواجهة الكونية.

استراتيجيات البقاء والانتشار

ورغم الخسائر القيادية، أثبت التنظيم قدرته على التكيف، إذ تحول من السيطرة المكانية إلى استراتيجية الخلايا الصغيرة والعمليات النوعية. وقد أشارت تقارير استخباراتية أوروبية، نشرت مطلع أيلول / سبتمبر 2025، إلى أن داعش أعاد ترتيب صفوفه في ريف دمشق والبادية السورية، ونجح في التغلغل داخل بعض المدن مستخدماً التمويه والاندماج في شبكات التهريب المحلية.

هذا التحول ليس جديداً على التنظيم، ففي أعقاب سقوط الموصل عام 2017، اتجه إلى أسلوب «الذئاب المنفردة» والخلايا اللامركزية، وهو ما سمح له بالبقاء رغم الضربات المتتالية. اليوم، يعيد داعش استخدام ذات الأسلوب مع إضافة أدوات جديدة كاستخدام العملات المشفرة في تمويل بعض عملياته، وفق دراسة صادرة في تموز / يوليو 2025.

ما زال داعش يعتمد على شبكة مالية عابرة للحدود تمتد إلى أفريقيا وآسيا الوسطى

ومن أبرز المؤشرات على استمرار هذه الاستراتيجية، تنفيذ هجمات مباغتة في البادية السورية خلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت مواقع للجيش السوري وأخرى لقوات محلية مدعومة من التحالف. هذه الهجمات، رغم محدوديتها، تعكس قدرة التنظيم على ضرب أهداف متعددة بشكل يربك خصومه ويمنعهم من إعلان النصر الكامل عليه.

كما يسعى داعش إلى الاستفادة من التوترات الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ما زالت بعض المناطق تشكل بيئة خصبة لإعادة التموضع. ويؤكد خبراء أن استمرار هشاشة الوضع الأمني في العراق وسوريا يمثل نقطة قوة للتنظيم، تسمح له بممارسة تكتيكات الكر والفر على المدى الطويل.

التمويل والشبكات الاقتصادية

لا يمكن فهم دينامية داعش الحالية دون التطرق إلى ملف التمويل، ورغم تضييق الخناق على مصادره التقليدية مثل النفط والضرائب، فإن التنظيم طوّر أساليب جديدة تضمن له البقاء، حيث كشفت دراسة للأمم المتحدة في حزيران / يونيو 2025 عن استمرار اعتماده على التهريب عبر الحدود السورية – العراقية، خاصة تجارة المخدرات والآثار.

إضافة إلى ذلك، يواصل التنظيم استغلال عمليات الفدية مقابل إطلاق سراح المختطفين. وفي تقرير حديث لمنظمة «غلوبال ريسك إنسايتس»، وُثّقت عدة حالات دفعت فيها شبكات محلية مبالغ ضخمة مقابل الإفراج عن مدنيين وعمال إغاثة في شمال سوريا. هذا المورد، رغم خطورته، يضمن للتنظيم تدفقاً مالياً ثابتاً.

رغم الخسائر القيادية أثبت التنظيم قدرته على التكيف إذ تحول من السيطرة المكانية إلى استراتيجية الخلايا الصغيرة والعمليات النوعية

من جهة أخرى، ما زال داعش يعتمد على شبكة مالية عابرة للحدود، تمتد إلى أفريقيا وآسيا الوسطى، إذ أشارت مصادر أمنية فرنسية إلى أن خلاياه في الساحل الأفريقي تساهم في تحويل جزء من عائدات تجارة الذهب غير المشروعة إلى المركز في سوريا والعراق. هذه الشبكات تجعل من الصعب القضاء على موارده المالية بشكل كامل.

ويحذر خبراء من أن قدرة التنظيم على التكيف مالياً تتيح له إعادة تدوير موارده حتى بعد خسارته للقيادات والحواضن الجغرافية. وهو ما يجعله أكثر خطورة كتنظيم لا يحتاج إلى السيطرة على أرض ليمارس الإرهاب العابر للحدود.

مستقبل التهديد والتعاون الدولي

ورغم الضربات الأمنية المكثفة، لا يزال مستقبل داعش يمثل تحدياً معقداً للمجتمع الدولي، فالتنظيم، بحسب تقييمات وزارة الدفاع الأميركية في أيلول / سبتمبر 2025، لم يعد يشكل تهديداً وجودياً لحكومات المنطقة، لكنه يحتفظ بقدرة على شن هجمات استنزافية تهدد الاستقرار على المدى الطويل.

التعاون الأمني الأخير بين دمشق والتحالف الدولي يُعد نقطة تحول لافتة، فبعد سنوات من القطيعة، جاء الإعلان عن عمليات مشتركة لاستهداف قادة داعش بمثابة اعتراف متبادل بضرورة التنسيق، خصوصاً في ظل الحديث عن تقليص الوجود العسكري الأميركي في سوريا خلال العام المقبل.

لكن هذا التعاون، كما يرى الباحث رائد الحامد، يظل قاصراً ما لم يتوسع ليشمل معالجة الجذور السياسية والاجتماعية التي يستغلها التنظيم. فغياب الاستقرار، وضعف التنمية، واستمرار الانقسامات المجتمعية، كلها عوامل تمنح داعش فرصة دائمة للتجدد والظهور من جديد.

وبالتالي، فإن الحرب ضد داعش لا يمكن حسمها عسكرياً فقط، بل تتطلب استراتيجية شاملة تقوم على تجفيف المنابع الاقتصادية والفكرية، وتعزيز الحكم الرشيد، وبناء شراكات أمنية إقليمية قادرة على التعامل مع تهديد عابر للحدود لا يعرف الاستقرار.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية