وجدان عبد الرحمن لـ"حفريات": واشنطن غادرت التفاوض إلى منطق الردع... والنظام الإيراني يمضي نحو المجهول

وجدان عبد الرحمن لـ"حفريات": واشنطن غادرت التفاوض إلى منطق الردع... والنظام الإيراني يمضي نحو المجهول

وجدان عبد الرحمن لـ"حفريات": واشنطن غادرت التفاوض إلى منطق الردع... والنظام الإيراني يمضي نحو المجهول


23/07/2026

حوار/ رامي شفيق

مع التصعيد الأخير الذي تنفذه الولايات المتحدة ضد إيران، تبرز مجموعة من الأسئلة والنقاط الجديرة بالتأمل، يتعلق معظمها بمستقبل النظام الإيراني، وطبيعة علاقاته مع دول الجوار، ومدى قدرته على الاستمرار في دعم وكلائه الإقليميين، فضلًا عن خصوصية علاقته التاريخية بحركات الإسلام السياسي السنّي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.

وفي هذا السياق، تحاور "حفريات" الكاتب والباحث المتخصص في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن، في محاولة لفهم واقع النظام الإيراني ومستقبله، واستكشاف مدى واقعية الحديث عن انشقاقات داخل بنية السلطة، وحدود النفوذ الذي يتمتع به الحرس الثوري مقارنةً بمراكز القوة الأخرى، فضلًا عن دلالات الغموض الذي يحيط بظهور المرشد الأعلى، وما إذا كانت الشائعات المتداولة حول وضعه الصحي أو غيابه تحمل أيّ مؤشرات سياسية يمكن البناء عليها.

نص الحوار:

هل يمكن فهم منطلقات الهجمات الأمريكية، التي تصاعدت من جديد خلال شهر تموز/ يوليو، باعتبارها عتبة لعمليات حاسمة تستهدف النظام الإيراني؟

ـ نعم، يمكنني التأكيد على اختلاف نوعية هذه الضربات. إذ يبدو أنّ واشنطن قد يئست من مسار التفاوض، وأنّ الرئيس ترامب يريد هذه المرة أن يفرض معادلة جديدة تستند إلى منطق القوة والردع.

لكنني، في الوقت نفسه، لا أرى أنّ جميع العناصر اللازمة للحكم بأنّها عمليات حاسمة قد اكتملت بعد. فهي، حتى هذه اللحظة، تظل عمليات ردعية جاءت ردًا على التصعيد الإيراني المتعلق بتهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

غير أنّ المشكلة، في تقديري، تكمن في أنّ الجانب الإيراني لم يُظهر حتى الآن أنّه يتجاوب مع هذه الرسائل الأمريكية بالطريقة التي أرادتها واشنطن. فالولايات المتحدة، في نهاية كل جولة من الضربات، تعلن انتهاء الحملة، لكنّ الجانب الإيراني يبادر بالرد، وهو ما يستدعي ردًا أمريكيًا جديدًا، لتستمر دائرة التصعيد دون أفق معلوم.

إلى أيّ مدى يمكن اعتبار تصنيف بريطانيا للحرس الثوري منظمة إرهابية بدايةً لموقف غربي أكثر صرامة وواقعية في التعامل مع إيران؟

ـ سأكون واقعيًا في الإجابة عن هذا السؤال. فما الذي يمكن أن نتوقعه بعد إدراج الحرس الثوري الإيراني، وما تزامن معه اليوم من تنفيذ الإجراءات واعتقال أحد الأشخاص الداعمين للحرس الثوري في مدينة برمنغهام، ثاني أكبر المدن البريطانية؟ في رأيي، ذلك يؤكد أنّ بريطانيا تتعامل مع هذا الملف بقدر كبير من الحزم.

ولا شك أنّ قرار بريطانيا، والأهم من ذلك البدء في تنفيذه، يمثل خطوة مهمة ومفصلية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية حتى اليوم، لم تُقدم بريطانيا على خطوة بهذا المستوى، بل إنّها عدلت بعض القوانين من أجل تطبيق هذا التوجه.

وبالطبع ستكون لهذا القرار انعكاساته، ففي تقديري أنّ النظام الإيراني سيتجه إلى التصعيد تجاه بريطانيا، لا سيّما أنّه يمتلك شبكات وخلايا يمكن أن تمثل تحديًا أمنيًا، وهو ما قد يفرض على بريطانيا أعباءً أمنية إضافية.

لكن يبدو أنّ بريطانيا حسمت قرارها، كما أنّ دولًا أوروبية أخرى اتخذت مواقف مشابهة، وهذا يعكس وجود توافق بين بريطانيا والدول الأوروبية بشأن مواجهة التهديدات التي يرون أنّها صادرة عن الحرس الثوري الإيراني، مع استعدادهم لتحمل تبعات هذا القرار.

وفي النهاية، لا ننسى أنّ هذه الخطوة كانت مطلبًا متكررًا داخل البرلمان البريطاني، وقد حظيت بتأييد من قطاعات في الرأي العام، إلى أن تم إقرارها اليوم.

إلى أيّ حد يمكن استشراف حدوث انشقاقات داخل بنية السلطة الإيرانية؟ وما أبرز المؤشرات التي تدعم هذا الاحتمال أو تنفيه؟

ـ فيما يتعلق بهذا السؤال، أعتقد أنّ ما يجري داخل إيران لا يمكن وصفه، حتى الآن، بأنّه انشقاق داخل النظام، وإنّما يمكن وصفه بأنّه اختلاف في التقديرات بين الدبلوماسية والميدان.

ولا ننسى أنّ محمد باقر قاليباف يُعدّ جزءًا من تيار الميدان، لكنّه عندما انخرط في ملف المفاوضات مع الجانب الأمريكي، تغيرت مقاربته، وكذلك نظرته إلى العلاقات الدولية والمصالح المشتركة بين الجانبين الإيراني والأمريكي.

في المقابل، فإنّ التيار الأكثر تشددًا ونفوذًا داخل إيران بات يهيمن على عملية صنع القرار، في حين انتقلت مسؤوليات واسعة إلى الحرس الثوري الإيراني، بمؤسساته العسكرية والأمنية، وحتى الاقتصادية.

وهذه المؤسسة، أو ما يمكن تسميته بالمجلس الأعلى للحرس الثوري، لم تنخرط في العمل الدبلوماسي، ولذلك فإنّ فهمها للمفاوضات، وكذلك قراءتها للمطالب المطروحة، يختلف عن فهم المؤسسة الدبلوماسية.

ولهذا يعتقد البعض أنّ هناك انشقاقات أو خلافات داخل مؤسسات النظام، لكنني أرى أنّ هذا الوصف ليس دقيقًا. فما يوجد هو اختلاف في التقديرات وآليات إدارة الملفات، وليس انشقاقًا داخل بنية النظام.

هل بات مستقبل النظام الإيراني مفتوحًا على المجهول، أم أنّه ما يزال يمتلك من أدوات التماسك ما يؤهله لتجاوز هذه المرحلة؟

ـ لا  يمكنه الصمود كثيرًا في معادلة الصبر وإدارة الوقت ؛ ولهذا  أزعم أنّ النظام الإيراني يمضي نحو المجهول، خاصة في ظل ما نشهده من تزايد وتطور في المناوشات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وما يصاحب ذلك من تصاعد في وتيرة الأحداث والهجمات، وهو ما يجعل المشهد أكثر خطورة.

في السابق كانت هذه المناوشات، إلى حد كبير، تقتصر على استهداف القدرات العسكرية، لكننا اليوم بدأنا نتجاوز هذه المرحلة، وأصبحنا أمام استهداف للبنية التحتية، وهو تطور بالغ الخطورة.

كما أنّ التهديدات الإيرانية، وما يصاحبها من تصعيد في الخطاب والمواقف تجاه بعض دول المنطقة، تعكس انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع دائرة التصعيد.

لذلك أرى أنّ مستقبل النظام الإيراني بات يكتنفه قدر كبير من الغموض، وأننا، حتى هذه اللحظة، ما زلنا نشهد مزيدًا من التصعيد، وليس مؤشرات واضحة على التهدئة.

يبدو أنّ مضيق هرمز والأذرع العقائدية لإيران يمثلان أبرز الملفات التي يصعب تجاوزها قبل تصور نهاية أيّ مواجهة عسكرية. هل ترى أنّ السياق الراهن يتجه بالفعل إلى عزل حزب الله في لبنان عن الحرس الثوري الإيراني؟

ـ الاتجاه العام لدى الولايات المتحدة والدول الغربية لا يقتصر، في تقديري، على عزل حزب الله في لبنان عن إيران، وإنّما يتجه إلى إضعاف جميع أذرع إيران في المنطقة، أو على الأقلّ فصلها عنها وتقليص قدرتها على الحركة والتأثير.

وآخر ما نشهده هو ما يجري في اليمن، حيث توجد تحركات لإضعاف جماعة الحوثي، وكذلك ما يجري في العراق من ضغوط تستهدف الجماعات الموالية لإيران. كما أنّ إيران فقدت النظام السوري، الذي كان يمثل القاعدة الأساسية لارتكاز هذه الأذرع في المنطقة.

لذلك، فما نشهده اليوم لا يتعلق بعزل حزب الله وحده، وإنّما بخطة أوسع تستهدف مختلف أذرع إيران الإقليمية، ويبدو أنّ هذا الملف يحظى بتركيز كبير لدى الولايات المتحدة والدول الغربية.

ثمّة خصوصية تاريخية في العلاقة بين إيران وحركات الإسلام السياسي السنّي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. فهل تستطيع طهران، رغم الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها، الحفاظ على قنوات الدعم والتأثير داخل هذه الحركات في مناطق التوتر؟

ـ في تقديري، إيران لا تقتصر في علاقاتها على جماعة الإخوان المسلمين، بل تمتد، بحسب رؤيتي، إلى جماعات وتنظيمات أخرى. وأرى أنّ طهران احتفظت، في مراحل مختلفة، بقنوات تواصل مع بعض قيادات هذه التنظيمات، وهو ما يجعل من الصعب الحديث عن انفصال كامل معها.

وحتى إذا أرادت إيران تقليص هذه العلاقة أو إعادة صياغتها، فإنّ الأمر لن يكون بهذه السهولة، لأنّ هناك مصالح وتشابكات تراكمت على مدى سنوات.

ونلاحظ أنّ بعض القوى والتيارات ذات التوجهات الإسلامية، في عدد من الدول العربية، ما تزال تتبنّى مواقف مؤيدة للنظام الإيراني، وهو ما ينعكس أيضًا في الخطاب الذي تقدمه بعض المنصات والقنوات المحسوبة على هذه التيارات، حيث تبدو في كثير من الأحيان مدافعة عن إيران.

لذلك أعتقد أنّ هناك ترابطًا يقوم على تقاطع المصالح والرؤى في بعض الملفات، وفي مقدمتها الموقف من إسرائيل والسياسات الأمريكية في المنطقة، وهو ما يجعل هذه العلاقة قابلة للاستمرار، رغم كل الضغوط التي تواجهها إيران.

كيف يمكن النظر بواقعية إلى مستقبل النظام السياسي في إيران، وطبيعة علاقاته الإقليمية والدولية في ضوء التحولات الجارية؟

ـ لا شك أنّ مستقبل النظام الإيراني بات يكتنفه قدر كبير من الغموض. وفي تقديري، فإنّ النظام نفسه لا يعرف على وجه الدقة ما الذي يريده، ولا كيف سيكون مستقبله.

وتشير إلى ذلك تصريحات عدد من المسؤولين الإيرانيين، ومنهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي ناشد الشعب في أكثر من مناسبة، فضلًا عن الحديث المتزايد عن سيناريو تفكيك إيران بدلًا من إسقاط النظام. كل هذه المؤشرات توحي بأنّ مستقبل النظام أصبح مجهولًا إلى حد كبير.

أمّا فيما يتعلق بعلاقاته الإقليمية، فلا شك أنّ ما ألحقه النظام الإيراني من أضرار بالمنطقة، وخاصة بدول الخليج، سيترك أثرًا على طبيعة هذه العلاقات. وحتى إذا بقي النظام، فإنّ العلاقات لن تعود، في ظني، إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

ولا يقتصر الأمر على دول الخليج، فهناك دول أخرى، سواء كانت حليفة لإيران أو كانت تتبنّى موقفًا محايدًا، تضررت أيضًا من السياسات الإيرانية. كما أنّ المجتمع الدولي، بدرجات متفاوتة، تأثر بما ترتب على هذه السياسات؛ إذ تضررت دول فقيرة، كما تضررت دول غنية.

لذلك أرى أنّ علاقة إيران بهذه الدول، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، لن تكون كما كانت قبل الحرب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية