غزة في مهب الانتخابية الإسرائيلية: نتنياهو بين التصعيد والحسابات السياسية

غزة في مهب الانتخابية الإسرائيلية: نتنياهو بين التصعيد والحسابات السياسية

غزة في مهب الانتخابية الإسرائيلية: نتنياهو بين التصعيد والحسابات السياسية


كاتب ومترجم فلسطيني‎
24/09/2026

مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، تبقى غزة عالقة بين هدنة هشة وحرب لم تنتهِ فعلياً، ومع استمرار العمليات الإسرائيلية وتصريحات نتنياهو الرافضة للانسحاب قبل تحقيق شروطه، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحسابات الانتخابية إلى إطالة أمد الأزمة، بدلاً من الدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار.

يقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وتتصاعد المخاوف من أن تتحول الحرب في قطاع غزة إلى ورقة انتخابية في يد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. 

وتأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى نتنياهو، الذي يخوض معركة سياسية جديدة للحفاظ على موقعه، وسط منافسة متزايدة داخل معسكر اليمين نفسه، وتشير تقارير حديثة إلى أنّ نتنياهو يواجه تحدياً يتمثل في تفتت أصوات اليمين، وتنافس أحزاب وشخصيات يمينية متشددة على القاعدة الانتخابية ذاتها، وهو ما يدفعه إلى محاولة توحيد هذا المعسكر ومنع ضياع الأصوات، وتظهر التحليلات أنّ الانتخابات المقبلة تُعدّ اختباراً حاسماً لمستقبله السياسي، بعد سنوات طويلة في السلطة وحرب ممتدة على أكثر من جبهة.

وتعززت المخاوف بشأن مستقبل الهدنة بعد تصريحات نتنياهو التي أكد فيها أنّ إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في قطاع غزة قبل تحقيق شروط إسرائيلية، أبرزها نزع سلاح حماس. وفي آب/أغسطس الماضي رفض نتنياهو خطة أمريكية جديدة للمرحلة التالية من اتفاق غزة، مؤكداً أنّ إسرائيل لن توافق على الانسحاب قبل تحقيق ما تعتبره نزعاً حقيقياً لسلاح حماس، وجاء ذلك وسط ضغوط سياسية متزايدة من أحزاب اليمين المتطرف، التي تعارض أيّ تنازل أو انسحاب إسرائيلي من القطاع.

ويرى مختصون في الشأن الإسرائيلي أنّ اقتراب الانتخابات يزيد من صعوبة اتخاذ نتنياهو قرارات قد تفسر داخل معسكر اليمين على أنّها تنازل، خصوصاً أنّ أحزاب اليمين المتطرف تمارس ضغطاً متواصلاً عليه لرفض الانسحاب من غزة، وعدم تقديم تنازلات في ملف نزع سلاح حماس، ولذلك يتجه إلى التصعيد على جبهات عدة، وخاصة جبهة غزة التي تُعدّ الأضعف.

في تعقيب على ذلك، يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور: "التصعيد الإسرائيلي على غزة لن يهدأ، وسيستمر بشكل متصاعد حتى موعد الانتخابات، لأنّ نتنياهو الذي يصمم على عدم الانسحاب يريد توظيف كل هذه الإنجازات كدعاية انتخابية، لإرضاء اليمين ورفع رصيده خلال الانتخابات، خاصة في ظل تقارب المنافسة بينه وبين منافسه آيزنكوت".   

وأوضح في حديثه لـ "حفريات" أنّ "كل تصريح أو أيّ زيارة من قبل نتنياهو لأيّ   جبهة من الجبهات هي دعاية انتخابية، ويسعى حالياً إلى رفع مستوى جدول الأعمال الأمني من أجل توظيف ذلك في حملته الانتخابية، إلى جانب وضع خطط لتنفيذ عمليات جريئة داخل عمق غزة".  

ولفت إلى أنّ "نتنياهو يوحي لليمين وللناخب الإسرائيلي أنّه رجل الأمن الوحيد القادر على حماية دولة إسرائيل، وذلك بعد تصريحاته الأخيرة التي قال فيها، إنّ فوز منافسه آيزنكوت يعني بداية نهاية إسرائيل، لذلك يحاول تأجيج الصراع والاستمرار في القصف والقتل، من أجل إيصال رسائل إلى الجمهور أنّه قادر على الاستمرار في المواجهة حتى النصر".   

وبيّن أنّ "غزة تبقى حاضرة بقوة في المعركة الانتخابية، ليس فقط باعتبارها ملفاً أمنياً، وإنّما باعتبارها اختباراً لهوية الحكومة المقبلة واتجاهاتها، في حين أنّ هناك سيناريوهات مفتوحة مع اقتراب الانتخابات؛ ومنها استمرار الوضع الحالي، أي وقف إطلاق نار هش يتخلله قصف وعمليات إسرائيلية محدودة، مع استمرار المفاوضات دون انتقال فعلي إلى المرحلة الثانية، وتجدد التصعيد على نطاق واسع، سواء نتيجة انهيار المفاوضات أو وقوع حادث أمني كبير، وهو السيناريو الأكثر خطورة على سكان القطاع وعلى مستقبل أيّ اتفاق سياسي".

وكان نتنياهو قد أعلن في وقت سابق أنّ الجيش الإسرائيلي سيزيد نطاق سيطرته على القطاع إلى نحو 70%، في خطوة أثارت مخاوف من تقويض اتفاق وقف إطلاق النار وتفاقم الوضع الإنساني، وفي أحدث تصريحاته خلال زيارته إلى المنطقة العازلة داخل غزة، قال نتنياهو إنّ إسرائيل تسيطر على نحو 60% من مساحة غزة، مؤكداً رفضه التراجع عمّا يُسمّى الخط الأصفر، في إشارة إلى خطوط الانتشار العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.

من جهته يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي شريف السيد: على "الأرض تبدو الهدنة هشة للغاية، فقد شهدت الأيام والأسابيع الأخيرة غارات إسرائيلية متفرقة أوقعت قتلى وجرحى، وتقول إسرائيل إنّ عملياتها تستهدف عناصر من حماس، وتأتي لمنع تنفيذ هجمات ضد قواتها أو مواطنيها".

ويوضح في حديثه لـ "حفريات" أنّه "في مثل هذه البيئة السياسية يصبح ملف غزة أكثر من مجرد قضية أمنية أو عسكرية، فهو أيضاً عنصر رئيسي في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي، خصوصاً مع اعتماد اليمين على خطاب يركز على الأمن، ومنع عودة حماس إلى السلطة، ورفض أيّ انسحاب إسرائيلي ينظر إليه على أنّه تنازل".

ويشير إلى أنّ "اتفاق وقف إطلاق النار ما زال قائماً من الناحية السياسية، لكنّ العمليات العسكرية لم تتوقف بصورة نهائية، الأمر الذي يجعل أيّ تصعيد محدود قابلاً للتحول إلى أزمة كبرى".

ويضيف: "إنّ نتنياهو بات عالقاً بين مسارين متعارضين: ضغوط أمريكية ودولية للدفع نحو المرحلة التالية من اتفاق غزة، وضغوط داخلية من شركائه في اليمين، الذين يرفضون الانسحاب ويطالبون بمواصلة الضغط العسكري، ومن هنا تنشأ المخاوف من أن تصبح الحرب أو التهديد باستئنافها جزءاً من الحسابات الانتخابية، سواء من خلال التشدد في المفاوضات، أو الإبقاء على الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع".

ويؤكد أنّ "سكان غزة يدفعون ثمن استمرار عدم الاستقرار، فالعمليات العسكرية المتقطعة لا تعني فقط سقوط ضحايا جدد، بل تعني أيضاً استمرار حالة النزوح والخوف وتعقيد عمليات إعادة الإعمار، وتقييد قدرة السكان على العودة إلى مناطقهم ، كما أنّ بقاء القوات الإسرائيلية في مساحات واسعة من القطاع، بالتزامن مع الحديث عن عدم الانسحاب قبل نزع سلاح حماس، يجعل المرحلة المقبلة شديدة الغموض، خصوصاً أنّ أيّ خلاف بشأن تنفيذ الاتفاق قد يتحول إلى جولة جديدة من التصعيد".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية