
لم أتخيل يوماً أنني سأقف أمام صاحب متجر لأقنعه بقبول ورقة نقدية أحملها، فقط لأنّها قديمة أو ممزقة من أحد أطرافها، بهذه الكلمات يصف سعيد غبن، من سكان حي الشيخ رضوان في غزة، جانباً من تفاصيل الحياة اليومية التي فرضتها أزمة السيولة وتدهور حالة الأوراق النقدية المتداولة.
يقول غبن (43 عاماً): إنّ "النقود التي يحملها المواطن لم تعد تعني بالضرورة قدرته على شراء ما يحتاج إليه، فحالة الورقة نفسها قد تحدد ما إذا كان البائع سيقبلها أم سيعيدها إليه".
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإنّ 33 فرعاً مصرفياً دُمّرت بالكامل من أصل 56 فرعاً في قطاع غزة، وتعرّض 19 فرعاً لأضرار جزئية، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في تقريره لعام 2026.
وبحسب الجهاز، بلغت خسائر قطاع المالية في غزة نحو 325 مليون دولار وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مع توقع ارتفاع الخسائر في محفظة الائتمان إلى أكثر من 981 مليون دولار.
وفي حزيران/يونيو 2026 أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنّ نقص السيولة في غزة ما زال شديداً، وأنّ عمولة صرف المساعدات النقدية انخفضت إلى 11%، مقابل 23% بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
نقود تالفة ومعاناة يومية
يصف غبن معاناته قائلاً: "أخرج إلى السوق وفي جيبي عدة أوراق نقدية، لكنني قبل أن أشتري أيّ شيء أصبحت أتفحصها بنفسي، وإذا كانت الورقة ممزقة أو متسخة جداً أعرف أنّ احتمال رفضها كبير، وغالباً أضعها جانباً وأحاول أن أدفع بورقة أخرى، لأنني لا أريد أن أقف أمام البائع وأدخل في نقاش حول ما إذا كانت هذه الورقة صالحة أم لا".
ويضيف: "المشكلة أنني عندما أرفض الورقة أو يرفضها التاجر، لا أعرف دائماً أين أذهب بها، فنحن نتعامل بالنقد في معظم مشترياتنا، ولذلك فإنّ الورقة التالفة لا تبقى مجرد مشكلة صغيرة، وإذا كنت أريد شراء الخبز أو الطعام أو الدواء، فإنني بحاجة إلى أن تكون النقود التي معي مقبولة، وقد يحدث أن أمتلك المبلغ كاملاً، لكنني لا أستطيع إتمام عملية الشراء بسبب حالة إحدى الأوراق".
ويشرح: "في إحدى المرات كان معي مبلغ أحتاجه لشراء بعض الأغراض، لكنّ إحدى الأوراق كانت ممزقة، حاولت استخدامها، فنظر إليها البائع وقال لي إنّه لا يستطيع أخذها، ولم يكن أمامي سوى أن أبحث عن شخص آخر يقبلها أو أستبدلها بورقة أخرى، وفي تلك اللحظة تشعر أنّ قيمة الورقة أصبحت مرتبطة بشكلها، وليس فقط بالرقم المكتوب عليها".
ويقول: إنّ "الناس أصبحوا يعرفون الأوراق التي يمكن أن تسبب لهم مشكلة، وعندما تصلني ورقة جيدة أحاول الاحتفاظ بها، وعندما تكون مهترئة أحاول التخلص منها في أول فرصة، وهذا جعل عملية الدفع نفسها تحتاج إلى انتباه، فقبل الحرب لم نكن نعطي هذه التفاصيل كل هذا الاهتمام، أمّا الآن فقد أصبحنا نعرف الورقة ونفحصها ونفكر أين يمكن أن نقبلها".
ويتابع: "سمعت عن أشخاص يعملون على تنظيف الأوراق النقدية وإصلاحها، وبعض الناس يسمّونهم "أطباء المال"، فالفكرة غريبة بالنسبة إليّ، لكن عندما ترى ورقة ممزقة يحاول شخص تنظيفها وترميمها حتى تعود إلى التداول، تفهم كيف يمكن أن تظهر مهنة جديدة من قلب الأزمة".
ويبين غبن: "أحياناً تكون الورقة متسخة أو متضررة من كثرة الاستخدام، فيحاول أصحاب هذه المهنة التعامل معها بطريقة تجعل شكلها أفضل، وبالنسبة إلى المواطن الذي يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، كل مبلغ له قيمة، ولا يستطيع أن يتعامل مع ورقة نقدية كأنّها أصبحت بلا قيمة لمجرد أنّها تعرضت للتلف".
ويوضح غبن أنّ "الأمر لا يتعلق بالمواطن وحده، فالتاجر أيضاً يخاف من الورقة التي قد لا يستطيع استخدامها لاحقاً، وعندما يدفع لك شخص بورقة مهترئة، قد تقبلها مراعاة لظروفه، لكنك بعد ذلك قد تجد نفسك أمام صراف أو تاجر آخر يرفضها، وهكذا تنتقل المشكلة من شخص إلى آخر، وتظل الورقة تدور في السوق حتى تجد من يقبل بها أو من يدفع لإصلاحها".
ويؤكد: "أصبحنا نعيش تفاصيل لم نكن نتوقع أن نعيشها، فنحن نبحث عن الطعام والماء والدواء، وفي الوقت نفسه أصبح علينا أن نفكر في حالة النقود التي نحملها، وعندما تكون الورقة سليمة تشعر بالاطمئنان، وعندما تكون ممزقة تبدأ رحلة البحث عن شخص يقبلها، وهذه التفاصيل الصغيرة تكشف حجم الضغط الذي يعيشه الناس في غزة".
ويختم غبن حديثه قائلاً: "نحن لا نريد نقوداً جديدة من أجل شكلها، ولا نبحث عن شيء إضافي، ونريد فقط أن تكون النقود التي نملكها مقبولة عندما نذهب لشراء احتياجاتنا، فعندما يصل الأمر إلى ظهور أشخاص يعالجون الأوراق النقدية حتى تعود إلى السوق، فهذا يعني أنّ الأزمة وصلت إلى تفاصيل حياتنا اليومية بشكل لم يعد بالإمكان تجاهله".
مهنة من قلب الأزمة
ويقول توفيق النجار (32 عاماً)، الذي يعمل في إصلاح الأوراق النقدية في داخل سوق الشيخ رضوان الشعبي: إنّ "الفكرة بدأت لديه مع تزايد وصول أوراق ممزقة ومتسخة ومتضررة، بعدما أصبحت النقود تنتقل باستمرار بين أيدي المواطنين والتجار على الرغم من الاعتماد الواسع على الدفع الإلكتروني، إلا أنّ الدفع النقدي ما يزال حاضراً".
ويشرح النجار: "تصلني الأوراق بأشكال مختلفة، بعضها متسخ جداً، وبعضها ممزق أو فقد جزءاً من أطرافه، وهناك أوراق تعرضت للرطوبة وأصبحت في حالة سيئة، وأبدأ أوّلاً بفحص الورقة لمعرفة حجم الضرر، لأنّ التعامل معها يحتاج إلى دقة، وأيّ حركة خاطئة قد تجعلها أكثر تلفاً".
ويشير إلى أنّ "الهدف ليس تغيير شكل الورقة، وإنّما محاولة الحفاظ على أجزائها الموجودة وإعادتها إلى حالة يمكن معها التعامل معها في السوق".
ويتابع: "أتعامل مع كل ورقة كأنّها حالة مختلفة، والورقة التي تحتاج إلى تنظيف ليست مثل الورقة الممزقة، والورقة التي تعرضت للرطوبة تختلف عن الورقة التي فقدت جزءاً منها، لذلك لا توجد طريقة واحدة تصلح لجميع الأوراق، فالخبرة تأتي من كثرة العمل ومعرفة ما يمكن إصلاحه وما لا يمكن إنقاذه".
ويضيف: "أكثر ما يهمني ألّا أتسبب في إتلاف الورقة أثناء إصلاحها، فالناس يأتون إليّ لأنّهم لا يريدون خسارة قيمتها، وبعضهم يكون بحاجة إلى استخدامها في شراء احتياجات أساسية، لذلك أحاول أن أكون حذراً جداً، لأنّ الورقة بالنسبة إلى صاحبها ليست مجرد قطعة من الورق، وإنّما مبلغ قد يكون جزءاً من مصروف أسرته أو ثمن طعام أو دواء".
ويوضح النجار: "قبل أن تنتشر هذه المهنة، كان المواطن الذي يحصل على ورقة مهترئة يواجه مشكلة كبيرة في تمريرها، وأحياناً يرفضها التاجر، ثم يحاول صاحبها إعطاءها لشخص آخر، واليوم أصبح بعض الناس يبحثون مباشرة عن شخص يستطيع إصلاحها، وهذا يدل على أنّ المشكلة لم تعد حالات فردية، وإنّما أصبحت ظاهرة يلاحظها الناس في الأسواق".
وعن طبيعة عمله يقول: "المهنة تحتاج إلى صبر وتركيز أكثر ممّا تحتاج إلى القوة، وأتعامل مع أوراق قد تكون ممزقة إلى أجزاء صغيرة، وأحاول ترتيبها والمحافظة على تفاصيلها، وأحياناً تكون النتيجة جيدة، وأحياناً تكون حالة الورقة صعبة ولا يمكن فعل الكثير لها، لذلك أشرح للزبون مسبقاً أنّ الإصلاح له حدود، وأنني لا أستطيع تحويل كل ورقة تالفة إلى ورقة سليمة".
ويؤكد النجار أنّ "ظهور مهنة مثل هذه في غزة يعكس حجم التغبير الذي طرأ على أبسط تفاصيل حياتنا، واليوم أصبحنا نفكر في حالتها، ومن سيقبلها، وكيف يمكن إصلاحها إذا تلفت، وأنا أعمل على الأوراق النقدية، لكن ما أراه يومياً يخبرني أنّ هذه الأوراق تحمل في شكلها آثار الأزمة التي يعيشها الناس، وتتنقل معهم من يد إلى أخرى بحثاً عن مكان تقبل فيه من جديد".
أزمة السيولة تتسع
بدوره، يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي طارق حجاج أنّ "الظاهرة تعكس أزمة السيولة وتراجع تدفق النقد السليم إلى الأسواق، ممّا أطال عمر الأوراق المتداولة ودفع إلى إعادة استخدامها رغم تدهور حالتها، وظهور مهنة إصلاحها مؤشر على أنّ الأزمة وصلت إلى أبسط أدوات النشاط الاقتصادي".
ويضيف حجاج أنّ "رفض التعامل بالعملات المهترئة يعرقل حركة البيع والشراء، ويحمّل المواطن عبئاً إضافياً للبحث عن ورقة مقبولة أو دفع تكلفة إصلاحها، ومع اتساع الظاهرة، يمكن أن تتولد سوق غير رسمية للتعامل مع النقد التالف".
ويشير إلى أنّ "قابلية الورقة للقبول تصبح مرتبطة بحالتها، لا بقيمتها الاسمية فقط، وهذا يربك المعاملات ويزيد حالة عدم اليقين في سوق يعتمد بصورة كبيرة على النقد".
ويؤكد حجاج أنّ "الأمر يتطلب يتطلب معالجة أصل أزمة السيولة عبر إدخال نقد سليم واستبدال الأوراق التالفة، بالتوازي مع توسيع وسائل الدفع الإلكتروني، أمّا استمرار الاعتماد على أوراق متضررة، فإنّه يبقي المشكلة قائمة ويزيد كلفتها على المواطنين والتجار".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_2.jpg.webp?itok=9LsV5gTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=SEVOMNNY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_108.jpg.webp?itok=oB1PSe5D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_3.jpg.webp?itok=V4LC22Wj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_30.jpg.webp?itok=1lGymG6D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_1.jpg.webp?itok=JZvzSYC3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A_2.jpg.webp?itok=6-E_i5g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_12.jpg.webp?itok=OntnldNm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_2_1.jpg.webp?itok=E_TCthvE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=qPTFSKaQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
