
يعود مصطلح الدعاة الجدد في الأعم إلى الكاتب والباحث المصري وائل لطفي في دراسته التحليلية البارزة "ظاهرة الدعاة الجدد". فصعود الدعاة الجدد مثل تحولاً بنيوياً عميقاً في خارطة الخطاب الديني المعاصر. هذا الصعود لم يعد مجرد تغيير شكلي في المظهر والخطاب، بل تجاوز ذلك إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدين والجمهور وفق قواعد السوق والاتصال الجماهيري. وفي هذا السياق، لم يعد الخطاب الديني حكراً على المؤسسات الأكاديمية التقليدية أو العلماء المعتمدين، بل انفتح على فضاءات سيبرانية وإعلامية واسعة، أفرزت أنماطاً مستجدة من التدين تتناغم مع إيقاع العصر الرقمي وسرعته الاستهلاكية.
وفي الغالب لا ينتمي "الداعية الجديد" إلى المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر الشريف أو جامع الزيتونة أو جامعة القرويين؛ فهو ليس عالماً فقيهاً بالمعنى التراثي الصارم، ولا هو بالداعية السلفي التقليدي الملتزم بخطاب الزجر والتخويف في مساجد الأحياء المهمشة. يطلّ الداعية الجديد بوصفه فاعلاً حداثياً يدّعي تجاوز التحديث الشكلي؛ ويمثل في كنهه حراكاً يستند إلى أبعاد وظيفية وتنظيمية، معلنة أو غير معلنة، تسعى لاستثمار جاذبية الصورة واللغة المرنة لتشكيل حاضنة جماهيرية جديدة، وإعادة توجيه التدين بما يخدم أجندات واستراتيجيات محددة. ويتميز هذا النموذج بمهنيته العالية واندماجه في الفضاء المدني المستقل، متخذاً من الهندام العصري والأناقة مظهراً لتماهيه مع الشارع والنخبة.
الداعية الجديد نجح في استقطاب فئات واسعة من الشباب والنساء المنتمين إلى مختلف الشرائح الاجتماعية، الذين يجدون في نمط طرحه استجابةً ملحة لحاجتهم الروحية إلى "تدين عصري" وخفيف الأعباء، يلبي الوازع الإيماني الفردي. وعلى الرغم من هذا الانتشار الجماهيري الواسع، يفتقر خطاب الدعاة الجدد إلى أيّ تأصيل فكري أو فلسفي عميق لموضوع الدين والتدين في العصر الحديث. إذ تظل "العلمانية" –في نظر هذا الخطاب وأتباعه– مفهوماً مجرداً ومقزماً يترادف تلقائياً مع النقيض المطلق للدين، وذلك بمعزل عن أيّ اجتراح لمفاهيم جديدة أو تقديم قراءات رصينة لإشكالية العلمانية وعلاقتها بالدين في المجتمعات المعاصرة. وبناءً على ذلك، تبقى المسألة برمتها حبيسة دائرة الاستقطاب الجماهيري السطحي، بعيداً عن أفق التفكير الإبستمولوجي الباني للوعي النقدي والمستنير.
وتكمن المفارقة الكبرى هنا في أنّ حالة "الدعاة الجدد" وخطابهم الديني تبدو، في ظاهرها، استجابةً متطورة لمتطلبات العصر ومستجدات الحداثة؛ غير أنّها في جوهرها تمثل حالة استعادة حرفية وتكراراً غير نقدي للتراث، متخفيةً خلف قشور التحديث الشكلي. فعبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات البث الرقمي، يُعاد تغليف المدونات التراثية الكلاسيكية وكتب الفقه الموروث بلغة مبسطة وعرض بصري جذاب، لكن دون أدنى إعمال للمنهج النقدي أو المساءلة التاريخية. وبذلك، تختزل العبادة والصلاة في قوالب جاهزة ومستهلكة تفتقر إلى العمق المقاصدي والروحي، محولة التجربة التعبدية من تزكية داخلية واعية إلى شعائر ميكانيكية سريعة ترتهن لمنطق "التأثير الرقمي" ونسب المشاهدة في ظل اقتصاد الانتباه.
وفي مواجهة هذه السيولة الاستهلاكية والتسطيح المعرفي، تبرز الحاجة الملحة إلى استثمار مختلف المعارف التقليدية التي يقول بها أهل الأزهر، والزيتونة، والقرويين. فهذه الحواضر العلمية التاريخية قدّمت عبر تاريخها مناعة معرفية ومؤسسية تقوم على "فقه المقاصد" و"فقه الوجدان والسلوك"، وهي أدوات كفيلة بإنقاذ التدين من فخاخ الاختزال التقني واقتصاد الانتباه، وإعادة الاعتبار للعمق الروحي والنقدي للعبادة والصلاة في مواجهة صخب الشاشات والخوارزميات.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=SEVOMNNY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_2.jpg.webp?itok=9LsV5gTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_30.jpg.webp?itok=1lGymG6D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_2_1.jpg.webp?itok=E_TCthvE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_1.jpg.webp?itok=JZvzSYC3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A_2.jpg.webp?itok=6-E_i5g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_3.jpg.webp?itok=V4LC22Wj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_12.jpg.webp?itok=OntnldNm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_108.jpg.webp?itok=oB1PSe5D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1MmLJRJW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
