ميتتان لرجل واحد... حينما يمنحك الرفاق ميتة تليق بك

ميتتان لرجل واحد... حينما يمنحك الرفاق ميتة تليق بك

ميتتان لرجل واحد... حينما يمنحك الرفاق ميتة تليق بك


15/10/2025

"ميتتان لرجل واحد" إحدى روائع الكاتب البرازيلي خورخي أمادو، حيث الأدب اللاتيني الرشيق، والواقعية السحرية التي تُميز أدب أمريكا الجنوبية. 

بطل هذه الرواية "كوينكاس" متوفى، وتدور أحداث الرواية القصيرة حول قصة حياة هذا الموظف من الطبقة المتوسطة، الذي ما إن يبلغ الخمسين من عمره حتى قرّر أن يقلب حياته رأسًا على عقب، فترك دور الزوج والأب المحترم، ليتصعلك ويتشرد في حواري مدينة "باهيا" البرازيلية، وهي المدينة نفسها التي نشأ فيها الكاتب واستمدّ منها تكوينه الثقافي والإنساني، وهي مدينة غنية بتراث أفريقي وبرتغالي وشعبي متنوع، وفيها تراث ديني وموسيقي كبير.

تماهى بطل الرواية مع حواريها وعايش مُهمّشيها، حتى تبرأت منه عائلته التي ألحق بها العار، بعد تحوله من موظف ذي وضع اجتماعي محترم، إلى رجل يقرؤون أخبار تشرده على صفحات الجرائد، ويذهب زوج ابنته لإخراجه من أقسام الشرطة.

هذا الوضع جعل الأسرة موضعًا للتنمّر والعار الاجتماعي. فماتت زوجته همًّا وكمدًا وهو على وضعه ذاك، ليقضي في حياة التشرد تلك عشرة أعوام، إلى أن تستيقظ المدينة على خبر وفاته في إحدى الغرف المستأجرة القذرة.

ومن خلال تنقل المشاهد الروائية بين ابنته وزوجها وأخيه وعمّته من جهة، ومجتمع الصعاليك وأصدقائه الأربعة من جهة أخرى، يستطيع القارئ أن يعرف من هو "كوينكاس"، ولماذا مات مرّتين؟ 

ملك المشردين

يضعنا مشهد موت البطل أمام قلب الرواية ومغزاها، وهو الصدق وحقيقة العواطف في البيئة الاجتماعية التي هرب منها الكاتب، والبيئة التي رمى نفسه فيها واحتضنته، فبينما أرادت له عائلته البرجوازية جنازة محترمة تليق برجل يريدون أن يعيدوا تنظيف اسمه وسيرته كما جسّده قبل دفنه، يريد أصدقاؤه الأربعة جنازة تليق بملك المتشردين، حيث يقف رفاقه على النقيض تمامًا من هذه العائلة. 

يتجلى ذلك في مشهد "فيدا" ابنته، وهي تستعيد ذكرياتها كطفلة أمام جثة أبيها المسجاة أمامها، تُغالبها بعض الدموع فتتمنى لو تواتيها هذه الدموع أمام الناس في الجنازة، لكي يقولوا عنها إنّها ابنة بارّة، وبينما حرصت على إحضار قميص وجاكت وحذاء أنيق لجثة والدها، مستبدلة بها ملابسه الرثة والمتسخة، تركته دون ملابس داخلية، التي لن يراها الناس، وهاتان إشارتان واضحتان لاهتمام هذه الطبقة بالمظاهر أكثر من المشاعر العميقة، ولا تختلف مشاعر باقي العائلة عن مشاعر الابنة من حيث ضعفها، ومن إبقاء البطل في دائرة الازدراء، في حين أنّ رفاقه الأربعة الذين شاركوه عالمه الذي اختاره، كانوا أشدّ حزنًا عليه من علاقات الدم، وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل علاقات الدم هي بالضرورة علاقات القلب؟ أم أنّ القلب له عائلة روحية ينتقيها من طُرق الحياة ومساربها التي تكون أوثق من تلك العلاقات التي فرضتها علينا الدماء الواحدة؟ 

قرابة القلب

يمثل المشهد الذي يقف فيه رفاق كوينكاس الأربعة أمام جسده المسجى في مقابل الأربعة الآخرين الذين يمثلون أهل بيته، ذروة الحدث الروائي، حيث تتهرب العائلة واحدًا بعد الآخر من حراسة جسده حتى الصباح قبيل ساعات من وضعه في باطن الأرض إلى الأبد، بينما يتمسك به رفاق قلبه وعائلته الروحية إلى الأبد، ويستنكرون هذه الجنازة التي لا تليق به، الخالية من الكراسي والورود والأطعمة، والأكثر لا يعجبهم موته، فيختارون له الطريقة التي أراد أن يموت بها، والتي تليق  برجل قرر أن يختار مصيره، فيبدّلون تلك الثياب الأنيقة بثيابه الرثة التي عرفوه بها، وبسحرية اعتدنا عليها من اللّاتينيين تُعاد له الحياة من جديد دون أن يكون في هذا الحدث خرقًا للواقع، وهذا الإحياء الرمزي في الرواية هو مخاطبة للحرّية حتى آخر رمق في الحياة وما بعد الحياة، تمشيًا مع الخط الذي اختاره البطل لنفسه، الذي يستيقظ من ميتته الأولى ويتجوّل مع رفاقه بين الحواري والشوارع والموانئ التي اختارها بيتًا، ويقابل عشيرته الحقيقية من مهمّشي الإنسانية والناس الذين لا يمتلكون أقنعة، وفتيات الليل اللائي صعقهن موته، ويركب مركبًا ويموت بعد أن يسقط في البحر، أو تحديدًا بعد أن أراد أن يموت مُسلًمًا روحه للبحر، الميتة التي تُشبهه تمامًا، كأنّ ميتته الأولى كانت ميتة اجتماعية كحياته الأولى، وميتته الثانية كانت ميتة وجودية كحياته الثانية.

إنَّ الحزنَ الحقيقي على البطل لم يكن في قلب ابنته أو أخيه أو أهله، وإنّما كان في قلب الإنسانية المهمَّشة التي لفظتها المدن فسكنت على أطراف الوجود، الحزن الحقيقي كان في قلب الرفاق وفي قلب من تعاملوا مع كوينكاس من بسطاء ومرتادي المقاهي وصعاليك ومتشردين وعاهرات، لقد كان في قلب ابنة الليل إحساس صادق أكثر من إحساس الابنة، وكان في إحساس المدهون والعريف ورشيق الحركة وطائر الليل، مشاعر أنبل من تلك التي كانت في قلب أخيه.

لقد كشف هؤلاء البسطاء عن جوانب إنسانية ومشاعر صادقة تقف على النقيض من تلك المشاعر المزيفة التي تدّعيها الطبقات المتحضرة، فطائر الليل كان شاعرًا رومنطيقيًا، والمدهون كان يجمع الحيوانات للأطباء والعلماء حتى يجروا عليها تجاربهم. كان كل منهم يحمل قصة كَشفُها يُفصح عن وجود حيّ وحياة حقيقية، لا يَنتقص منها الفقر أو التشرد، لقد كان في وجود كل منهم إنسانية كافية هي التي جعلت كوينكاس يختارهم ويلفظ الزوجة والابنة والوظيفة المحترمة والطبقة الاجتماعية النظيفة، ويندفع كهدير الماء نحو هؤلاء الناس.

لا يمكن أن نقرأ هذه الرواية دون أن يهيم بين وريقاتها شخصيات روائية من أعمال أخرى، وكأنَّ الأدب مهما تعدد فهو سردية لبشرية واحدة وجرح إنساني واحد، مع اختلاف الشخصيات والسياق، سترى في "كيتاريا" فتاة الليل التي أحبها كوينكاس، مارغريت أوتيه بطلة غادة الكاميليا التي طهّرها الحب، وترى فيها مدام هوراتنس في زوربا اليوناني، إنهنّ النسوة نفسهنّ اللاتي لفظتهنّ المجتمعات وحُكم عليهنّ بالعار، وهنّ النساء نفسهنّ اللاتي صنع أقدارهنّ المجتمع الذي حكم عليهن، وهنّ اللواتي انطوت قلوبهن على إنسانية بليغة وإحساس عميق بالآخرين، بالرغم من قسوة الحياة والبشر عليهنّ. وهذا هو المعنى البليغ للأدب، ردّ الإنسانية لمن جُرّدوا منها، وتلمُسها عند أولئك الذين حرمهم الواقع بقسوته من الحياة. وهذا نفسه ما جعل كوينكاس يبحث عن حياة أصيلة ونابضة بعيدًا عن النفاق الاجتماعي الذي يغزو طبقات المركز.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية