ماذا تعرف عن صناعة الفخار في الخليل؟ وما مصير هذه المهنة؟

فلسطين

ماذا تعرف عن صناعة الفخار في الخليل؟ وما مصير هذه المهنة؟

مشاهدة

19/12/2018

على مقربة من الحرم الإبراهيمي بالخليل، وبداخل معمله المتواضع، يجلس الحرفي أحمد الفاخوري (34 عاماً)، على كرسيه الخشبي؛ الذي تلطخت جوانبه وحوافه بالصلصال، مطوّعاً بيديه عجينة الطين، بعد أن يقوم بتليينها بقطرات من الماء، ليصنع منها قطعاً، وأواني فخارية تناضل مع هذه المهنة التقليدية للبقاء في زحمة غزو نظيراتها المستوردة.

بداية عمله

الفاخوري، الذي مضى عليه في صناعة الفخار 15 عاماً، تحدّث لـ"حفريات" عن بداية عمله بهذه الحرفة: "ورثت هذه المهنة عن آبائي وأجدادي، وارتبطت بها، وهي من أكثر الأعمال المفضلة عندي؛ كونها مهنة تراثية قديمة وعريقة، ومصدر رزقي الوحيد الذي أعيش منه أنا وأسرتي، وهي مهنة تحتاج إلى مهارة عالية وصبر كبير للعمل فيها".

اقرأ أيضاً: الخليل في مواجهة التهويد.. هل تقاوم وتحتفظ بذاكرتها وهويتها؟

وعن مراحل صناعة الأواني الفخارية يبين: "القطع الفخارية تتمّ صناعتها بواسطة الطين الأحمر، وهي الأساس في صناعة عجينة الفخار، التي يتم استخراجها من جبال الخليل، التي تتميز بوفرتها بهذه التربة، وبعد الحصول عليها، يتم وضعها في حوض كبير مغمور بالمياه، وتحرَّك جيداً حتى تذوب كاملة، لتتمّ تنقيتها من الحجارة والشوائب، وتترك تحت أشعة الشمس لعدة أسابيع، حتى تجفّ، لتصبح الطينة جاهزة لعملية تحويلها وتشكيلها لأواني فخارية".

يمر الطين الأحمر بعدة مراحل ليصبح جاهزاً لتشكيل الأواني الفخارية

ويضيف "بعد أن تجفّ الطينة، يتم وضع كميات قليلة من المياه عليها، كي يسهل تطويعها، ومن ثم يجري تقطيعها إلى قطع متساوية الحجم، وتوضع على منصة متحركة، تعمل بواسطة دولاب يقوم بالدوران باستخدام الأرجل، ويعمد الحرفي إلى مداعبة كتلة الطين بيديه، كي يشكّلها لصناعة الشكل الذي يريده، ومن ثم يتم وضع الأواني والأباريق التي تمّت صناعتها تحت أشعة الشمس، حتى تجفّ وتصبح صلبة، لتوضع بعد ذلك داخل فرن بدائي، تبلغ درجة حرارته أكثر من 800 درجة مئوية، لمدة تدوم 8 ساعات متواصلة، لزيادة تماسكها، فتصبح جاهزة للاستخدام من قبل الزبائن".

تعدد الألوان والأشكال

لا تقتصر صناعة الفخاريات على تركها للونها الطبيعي؛ يقول الفاخوري: "الأواني الفخارية تتعدد ألوانها؛ فمنها الأحمر المائل إلى الوردي، وهو اللون الأصلي للتربة المصنوعة منه، وهناك الفخار الأبيض، ويتم خلط عجينة الطين المستخدمة بصناعته بالملح ليحصل على هذا اللون، وهناك الفخاريات ذات اللون الأسود، التي يتم تلوينها باستخدام الرماد المتبقي من عملية شواء الأواني الفخارية، وفي أحيان قليلة يتم استخدام بعض الأصباغ الصحية لتلوينها".

الفاخوري: الفخار مايزال يحتفظ بمكانته التاريخية عند بعض المواطنين رغم انخفاض الطلب على اقتناء أوانيه

ويشرح "هناك أشكال عدة يتم صناعتها بواسطة الصلصال، وتعدّ "القدرة" التي يتم استخدامها في عمليات طبخ الأرز واللحوم هي العمود الفقري في صناعة هذه الأواني؛ وذلك نظراً للإقبال الكبير من قبل المواطنين في الخليل على تناول هذه الوجبة، التي تضفي عليها "الفاخورة" المصنوعة من الطين طعماً مميزاً، كما يكون الإقبال في المرحلة الثانية على شراء القوارير التي يتم استخدامها في زراعة الورود وبعض الأشجار، وبعض القطع الفخارية تُخصّص لحفظ بعد المقتنيات الثمينة لدى العائلات في مدينة الخليل والمناطق المجاورة، وكحصالة لحفظ النقود لدى الأطفال".

اقرأ أيضاً: أقدم ناسخ مصري يحتفظ بحرفة قاربت الاندثار

ويوضح الفاخوري "هناك بعض الأواني الفخارية التي تتمّ صناعتها بناء على طلب بعض الزبائن، الذين يحتاجون إلى أن تتوفر في القطعة بعض اللمسات الفنية، التي غالباً ما تتعلق بديكور منازلهم؛ كالفازات والمزهريات، التي يتم وضع الورود الطبيعية والصناعية بداخلها؛ فالزبون له تصوّره الخاص في القطعة التي يريد اقتناءها".

الفخاريات مقاومة للعوامل الطبيعية مقارنة بالأواني المعدنية

انخفاض المبيعات

ويبين "الفخار ما يزال يحتفظ بمكانته التاريخية من قبل بعض المواطنين في الخليل والضفة الغربية، رغم انخفاض الطلب على اقتناء أوانيه، التي لا نقوم بصناعتها إلا بناء على طلب بعض الزبائن كـ "القُلة"؛ التي توضع فيها مياه الشرب، "والخابية" وهي خزانة صغيرة تستخدم لحفظ الأطعمة والمواد الغذائية".

اقرأ أيضاً: صناعة النبيذ حرفة تقليدية تتوارثها أجيال قرية عابود برام الله

يتابع الفاخوري "قبل عدة أعوام؛ كنت أبيع أكثر من 7 آلاف قطعة فخارية سنوياً، داخل الضفة الغربية، بسعر يتراوح ما بين 7 إلى 10  دولارات للقطع الصغيرة ومتوسطة الحجم، أما القطع الكبيرة؛ فقد يصل ثمنها إلى 30 دولاراً، إضافة إلى تصدير ما يقارب من 4 آلاف قطعة فخارية متنوعة إلى بعض الدول العربية المجاورة؛ كالأردن، وسوريا سابقاً، أما الآن، ومع التضييقات الإسرائيلية على هذه الصناعة؛ فلا يتم تصدير أيّة أواني فخارية للخارج، ونكتفي بالمبيعات المحلية، التي انخفضت لمستويات كبيرة؛ بسبب سوء الأحوال الاقتصادية التي يمر بها المواطنون".

الفاخوري: هناك أشكال وألوان عدة يتم صناعتها بواسطة الصلصال

غزو الصناعات الأجنبية

ويشير إلى أنّ "أرباح هذه الصناعة محدودة جداً، ولا تكاد تفي بتوفير بعض من متطلباتنا اليومية؛ لقلة مبيعاتها وانحسار تصديرها بفعل غزو الصناعات البلاستيكية والزجاجية والمعدنية للأواني الفخارية؛ التي يتم استيرادها من الصين وبعض الدول الأجنبية، وتتميز بانخفاض أسعارها مقارنة بالقطع الفخارية، رغم رداءة الخامات المصنوعة منها، إلا أنّ هناك إقبالاً كثيفاً على شرائها".

تعدّ "القدرة" التي يتم استخدامها في عمليات طبخ الأرز واللحوم العمود الفقري في صناعة هذه الأواني

يردف الفاخوري: "الفخاريات مقاومة للعوامل الطبيعية مقارنة بالأواني المعدنية، التي تتعرض للصدأ حال تعرضها للرطوبة والهواء، كما أنّ هناك عائلات فلسطينية بالخليل ما تزال تستخدم "القلة" لشرب المياه، لقدرتها على تبريد المياه طبيعياً، دون حاجة إلى وضعها داخل الثلاجات، ومنهم من يلجأ إليها في طهو الطعام؛ حيث تبقى هذه الأواني محتفظة بدرجة حرارة الطعام لفترات طويلة، ودون أن يفسد".

اندثار الحرفة

مدير دائرة الصناعات الحرفية بوزارة الثقافة، أسعد أبو سنينة، يقول: "صناعة الفخار من أهم وأقدم الحرف التي عرفتها فلسطين، وتعود إلى 4 آلاف عام قبل الميلاد، وتتزايد قيمة هذه الحرفة على مرّ العصور؛ لارتباط حرفييها بها، وتحتل مدينة الخليل المرتبة الثانية في صناعة الأواني الفخارية بعد قطاع غزة، ويعدّ سوق السهلة من أهم المناطق التراثية في الخليل؛ الذي يتم فيه بيع الأدوات التراثية والفخاريات المصنعة بالطرق البدائية، لكنّها ذات جودة عالية".

صناعة "القدرة الخليلية" باستخدام أواني الفخار

ويضيف في حديثه لـ"حفريات": "صناعة الفخار مهددة بالاندثار، وأصبحت هذه الحرفة تتلاشى شيئاً فشيئاً؛ وذلك لقلة مبيعاتها، وعدم قدرتها على منافسة المنتجات المستوردة، والصعوبات الكبيرة التي يفرضها الاحتلال على تصديرها للخارج، إضافة إلى عدم وجود اهتمام حكومي بتنشيط هذه الصناعة، والحدّ من دخول السلع المنافسة لها من الخارج، ومساعدة أصحاب الفواخير في فتح أسواق خارجية لتصريف منتجاتهم إلى العالم، للنهوض بهذه الحرفة التي شهدت ازدهاراً كبيراً قبل عدّة أعوام".

ارتفاع تكلفة الإنتاج

وحول مهددات هذه الصناعة يقول أبو سنينة "الأراضي الفلسطينية كان يتواجد فيها أكثر من ثلاثين مصنعاً لصناعة الأواني الفخارية، أما الآن؛ فقد تناقصت أعدادها، ووصلت إلى أقلّ من ثمانية مصانع فقط؛ في ظلّ انخفاض معدلات السياحة الوافدة إلى فلسطين، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى العام 2000، واستمرار إسرائيل في إغلاق الأسواق، خاصة في مدينة الخليل، التي تشهد هجمة إسرائيلية شرسة على سكانها وأحيائها المختلفة".

الفاخوري: تحتاج صناعة الصلصال لمهارة عالية وصبر كبير للعمل فيها

ويشرح "صناعة الأواني الفخارية تشهد حالياً ارتفاع تكلفة إنتاجها؛ نتيجة اعتمادها على الطرق التقليدية في صناعتها، وهو ما أدّى إلى ضعف الإنتاج والأرباح لأصحاب هذه المصانع، وعزوف عدد كبير منهم عنها نحو أعمال أخرى أقل تكلفة، وأكثر إنتاجية، وتحقّق أرباحاً مالية جيدة، وللازدهار بهذه الحرفة؛ فهي في حاجة إلى تطويرها؛ من خلال استخدام الآلات الحديثة في إنتاج الفخاريات المختلفة، التي تضفي نوعاً من اللمسات الفنية والجمالية على منتجاتها المتعددة".

اقرأ أيضاً: أيوب الزعتري يحلم بإعادة مجد الطبول في الخليل

ويأمل أبو سنينة أن تعود هذه الحرفة للانتشار مجدداً في فلسطين، باعتبارها من أقدم الصناعات التي ارتبطت بوجود الإنسان، وتعبر عن عراقة وتاريخ الشعب الفلسطيني، رغم ما تعانيه من إهمال وممارسات، أدّت إلى ركود هذه الصناعة، وعرقلة مسيرة تقدمها وتطورها.

الصفحة الرئيسية