لماذا يُتهم فيلم "الآباء والأبناء" بالانحياز إلى النظام السوري؟

لماذا يُتهم فيلم "الآباء والأبناء" بالانحياز إلى النظام السوري؟

مشاهدة

26/03/2019

يروي الفيلم الوثائقي "الآباء والأبناء"، للمخرج السوري طلال ديركي، قصة عائلة أبي أسامة (حسين حبّوش)، والذي ينتمي لتنظيم جبهة النصرة في شمال سوريا، في إحدى المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم بمحافظة إدلب، يظهر أبو أسامة في الفيلم، كقنّاص تارة، وكمفكك للألغام تارة أخرى، هو أب لعائلة تتكون من ثمانية أطفال، أكبرهم أسامة.

اقرأ أيضاً: فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة
يبدأ الفيلم بلقطة من بعيد، لأولاد يلعبون كرة القدم في ساحة ترابية، تحت شمس تتهيأ للسقوط خلف تلة بعيدة، مشهد تتحرك الكاميرا فيه ببطء "slow motion"، وبينما يتأمل المشاهد ذلك المشهد، لن يدرك للوهلة الأولى أنّ هذا المشهد الوحيد الذي سيشعره في الدفء طوال الفيلم، أما بقية المشاهد في الفيلم، فلا تكشف سوى عن واقع كابوسي، شديد القتامة.

المخرج السوري طلال ديركي
يرافقنا صوت المخرج أثناء ذلك المشهد، سيكون الموجّه والمحدد لمسار الفيلم، ووجهة نظر صاحبه السياسية في الفيلم؛ إذا يقول في الافتتاحية: " في صغري، علمني أبي أن أكتب كوابيسي، كي لا تعود مجدداً، هربت كغيري من الظلم والموت، إلى شمال الأرض، وفيما بدأنا ببناء وطن جديد في المنفى، كانت السلفية الجهادية، تعيش عصرها الذهبي خلفنا، الحرب زرعت بذور الكراهية، بين الجار وجاره، والأخِ وأخيه، والسلفية حصدت خلف الجميع"، ويضيف: "ودّعت زوجتي وابني، وأخفيت عنهما خوفي الشديد، ومضيت إلى أرض الرجال التواقين للحرب، شمال سوريا، مقاطعة إدلب، المنطقة الخاضعة لسلطة القاعدة؛ تنظيم جبهة النصرة".
لماذا كذب ديركي؟
يقول ديركي إنّه قدّم نفسه بصفته مصوراً حربياً، وادّعى حبّه للجهاد والجهاديين، حتى لا يكون عرضة للخطف والتصفية.

تزامن وصول فيلم "الآباء والأبناء" للقائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار والجدل الذي أثاره مع اقتراب الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية

لا ينشغل الفيلم بتوثيق معارك جبهة النصرة بشكل كلّي، إلا في المشاهد الموظفة في سياق الفكرة العامة للفيلم؛ إذ يركز الفيلم على ثلاث شخصيات؛ أبي أسامة وابنيه (أسامة وأيمن)، والتركيز على علاقة الأب بأبنائه، ما بين حبّه وعاطفته تجاههم من جهة، وسلطة الأفكار، والثقافة، والعادات والتقاليد، التي يتم تعليمها، وزرعها بوعيهم، منذ الصغر، فهو هذا النموذج من الرجال المتشددين دينياً، المؤمنين إيماناً مطلقاً، بالجهاد، وبقتل أي آخر مختلف عنه دينياً وأيديولوجياً، شديد الإعجاب بشخصيات مثل أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، ولذلك سمّى أولاده بأسمائهما، يفرض الحجاب على بناته، وهنَّ بعمر الثلاثة أعوام، أو أقل، في حال تم الضغط عليه من الأقرباء ورفاق السلاح، يحرّض أطفاله الذكور على ممارسة الوصايا على أخواتهن البنات، وعلى الإناث عامة؛ ففي مشهد في باحة لمدرسة في المنطقة، نرى الأولاد الذكور كيف يجمعون الحجارة، ويقذفونها باتجاه تجمع للفتيات أمام باب المدرسة، في محاولة لمنعهن من الخروج واللعب في الباحة.
تلاحق كاميرا ديركي حالة الاضطراب التي يمرّ بها الأولاد

كاميرا تلاحق الاضطراب
تلاحق كاميرا ديركي حالة الاضطراب التي يمرّ بها الأولاد، وعيهم بالحياة يتأرجح ما بين براءة الطفولة، ورغبتهم باللعب، واكتسابهم للعنف، من خلال ممارسته عليهم من الكبار، كإدخال أفعال العنف أثناء لعبهم مع بعضهم البعض، تناقضات مشاعرهم نحو آبائهم، والتي تعكس تناقضات الكبار أنفسهم، ما بين العاطفة الجياشة، والقسوة في التربية.

اقرأ أيضاً: فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون
وفي مرحلة ما، سيرسل أبو أسامة ابنيه، أسامة وأيمن، إلى معسكر تدريبي، لاختبار إلى أيّ مدى هم مستعدون، جسمانياً وذهنياً، ليكونوا مهيئين لحمل السلاح وخوض المعارك، سينجح أسامة في الاختبار، أما أيمن فسيتم استبعاده، بسبب كثرة شروده، وعدم لياقته الجسمانية الكافية، مع أنّنا طوال الفيلم كنا نرى أنّ أسامة هو من لديه بذور التمرد على السلطة الأبوية والدينية، فقد كانت لديه الجرأة على سبّ الدين عند الغضب أكثر من مرة، غير عابئ بأن يحكي عنه أخوته لأبيه، فيقوم بمعاقبته، في حين أنّ أيمن هو من كان يمثل نموذج الابن المطيع.

اقرأ أيضاً: فيلم "كتاب أخضر": صورتنا في مرآة العنصرية
وصل فيلم" الآباء والأبناء" إلى القائمة النهائية لترشيحات الأوسكار، لينافس على جائزة أفضل فيلم وثائقي لهذا العام، وكان قد حصل في العام الماضي على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان "الصاندانس" السينمائي، والذي يقام في ولاية أوتاه في الولايات المتحدة الأمريكية، وجائزتين في مهرجان الجونة السينمائي في مصر؛ جائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي عربي، وجائزة نجمة الجونة الفضية لأفضل فيلم وثائقي طويل.
لا ينشغل الفيلم بتوثيق معارك جبهة النصرة بشكل كلّي

جدل
أثار الفيلم جدلاً سياسياً واسعاً، بعد ترشيحه لجائزة الأوسكار، وتحديداً ضمن الأوساط السورية والعربية؛ فالبعض انتقد خطاب الفيلم الذي يتماهى مع خطاب النظام السوري، في تكريس صورة الصراع في سوريا على أنه حرب بين جماعات متطرفة، والنظام السوري، من غير توضيح الأسباب الرئيسية التي أوصلت الصراع لما هو عليه، ومن غير الإشارة لجرائم النظام السوري، المدعوم بدوره من مليشيات متطرفة؛ كمليشيات حزب الله، وإيران في باقي المناطق، من قصف وتدمير، وارتكاب للمجازر.

اقرأ أيضاً: فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء
كما حمّل البعض المخرج مسؤولية المتاجرة بالأطفال الذين ظهروا بالفيلم؛ إذ من الممكن أن تتعرض حياتهم للخطر؛ ومن الممكن في حال حصل تغيير في سوريا، أن يكون لهؤلاء الأطفال مستقبل مختلف عن مستقبل أبيهم (أبو أسامة)، الذي ينتمي لتنظيم جبهة النصرة، إضافة إلى أنّ المخرج كذب على العائلة، وادّعى حبّه للجهاد والجهاديين، كما أشرنا أعلاه.

اقرأ أيضاً: الفيلم الإيراني "اختفاء": الأجيال الجديدة في مواجهة الحرس القديم
لكن ألا تبدو فكرة عمل فيلم عن تنظيم جبهة النصرة، أو تنظيم داعش، أو حتى النظام السوري، مستحيلة دون الاستعانة بحيلة ما، أو الكذب عليهم، وادعاء حبهم وموالاتهم؟ من غير المنطقي أن تسمح هذه التنظيمات لأيّ شخص مختلف عنها فكرياً وأيديولوجياً بعمل فيلم، من الممكن أن يشكّل فيما بعد إدانة لجرائمها، بغضّ النظر عن الموقف الأخلاقي من الفيلم؟
القائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار
تزامن وصول فيلم "الآباء والأبناء" للقائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار، والجدل الذي أثاره، مع اقتراب الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية التي اندلعت في 15 آذار (مارس) 2011؛ إذ يتذكر السوريون أنّه في ظلّ الاعتقالات التي كانت تمارس بحقّ متظاهرين وناشطين سوريين سلميين، وعمليات التعذيب التي كانت تمارس بحقهم أيضاً، أصدر بشار الأسد، بتاريخ 31 أيار (مايو) 2011، أوّل مراسيم العفو الرئاسية، ومن ضمن من شملهم العفو وأطلق سراحهم؛ مجموعة من الإسلاميين، أبرزهم: زهران علوش (قائد جيش الإسلام)، وحسّان عبود (قائد حركة أحرار الشام)،  وعيسى الشيخ (قائد لواء صقور الإسلام)، تزامنت هذه التشكيلات الثلاثة مع تشكيل جبهة النصرة، بقيادة أميرها أسامة العبسي الواحدي، الملقب بـ "أبي محمد الفاتح الجولاني"، والذي كان مقاتلاً في تنظيم القاعدة في العراق، تحت قيادة أبي مصعب الزرقاوي، بعد الغزو الأمريكي للعراق (2003).

الصفحة الرئيسية