كيف أساء الإخوان للإسلام؟

كيف أساء الإخوان للإسلام؟

كيف أساء الإخوان للإسلام؟


13/12/2025

ثروت الخرباوي

في ضمير الشعب المصري، لم يكن الدين يوماً خصماً للوطن، ولا كان الوطن عند المصريين باباً يزاحم الإيمان. فقد عاش الاثنان -الدين والوطن- في قلب واحد، يتنفسان من رئة واحدة، ويتحركان في الوجدان كحقيقتين متصلتين لا تناقض بينهما، ونحن -إذا أردنا تعريفاً دقيقاً- شعبٌ مؤمن بطبيعته، ولكن إيمانه لا ينفى انتماءه، ووطنه لا يلغى عقيدته، هذه ليست معادلة صعبة، وليست شعاراً سياسياً؛ إنها مزاج مصر منذ آلاف السنين.

كان المصرى يدخل مسجده أو كنيسته بقلب خاشع، ثم يخرج منه ليحمل طوبة فى بناء الوطن بذات الخشوع. كان يرى فى الدين ضوءاً للروح، وفى الوطن أرضاً للخطوات. لم يكن هناك صراع، ولم يعرف التاريخ عندنا تلك الثنائية الحادة التى مزقت شعوباً أخرى بين ما هو مقدّس وما هو مدنى. فى مصر، كان المقدّس يحرس المدنى، والمدنى يحمل المقدّس على كتفيه.

ولهذا، فإن أى محاولة لزرع خصومة بين الدين والوطن تبدو -فى حقيقتها- غريبة عن طبيعة هذا الشعب، وخارجة من رحم تنظيمات أرادت أن تحتكر الدين لنفسها وأن تنتزع الوطن من أهله. وهنا يبدأ الخطر؛ لأن مصر لم تعرف فى وجدانها ذلك الانقسام المصطنع، ولم تكن فى يوم من الأيام ساحة لتجارب تُقاس فيها الوطنية بمسطرة الولاء لجماعة، أو يُقاس فيها الإيمان بمدى الاقتراب من فكر سياسى متخفٍ فى عباءة الدعوة.

إن شعباً عاش فيه الدين والوطن جنباً إلى جنب، لا يمكن أن يسمح لمن يضيّقون الدين ليخدم مشروعاً، أو يوسّعون المشروع ليبتلع الدين. وهنا، بالتحديد، تظهر حقيقة الصراع الراهن: صراع ليس بين الإسلام ومَن يعادونه، بل بين الإسلام ومَن ادّعوا احتكاره. ليس بين الدولة والدين، بل بين الدولة شعباً وأرضاً ونظاماً وبين من يقوم بتفسير خاطئ للدين من أجل أن يصل للسلطة.

من هنا تنطلق الحكاية.. ومن هذا الجذر العميق تبدأ المراجعة، فمنذ أن خرجت جماعة الإخوان إلى السطح فى عشرينات القرن الماضى، مروراً بكل محطاتها، من مفهوم «الجماعة» المغلقة، إلى «التنظيم الخاص» السرى، إلى خطاب الدعوة، ثم خطاب السياسة، ثم خطاب الثورة، ثم خطاب المظلومية، وأمام كل تلك التحولات، كان هناك سؤال جوهرى واحد: هل كان الهدف إصلاحاً دينياً أم سلطة سياسية؟

والإجابة -حين نستبعد الضجيج وننظر إلى الوقائع- تبدو واضحة فى كل صفحة من صفحات تاريخ الجماعة: فالهدف كان سلطة، والوسيلة كانت الدين.

لقد حمل الإخوان، عبر عقود طويلة، خطاباً يصطدم بطبيعة المجتمع المصرى نفسه؛ ذلك المجتمع الذى عرف الدين على أنه علاقة بين الإنسان وربه، لا علاقة بين التنظيم والحكم.

ولعل أخطر ما فى مشروع الجماعة أنه لم يكن مشروعاً إصلاحياً ينفتح على المجتمع، بل مشروع تنظيمى يبحث عن التمكين.

ولن يكون من الإنصاف أن نتجاهل أن الجماعة -فى مراحل مختلفة- خلقت حالة من التوتر داخل المجتمع، لا بسبب الأفكار وحدها، بل بسبب الإصرار على فرض مشروعها على الجميع، وفى لحظة حكمها القصيرة، ظهرت بوضوح الفجوة بين خطابها الدعوى وخطابها فى السلطة، بين الشعارات التى رفعتها، وبين الممارسات التى كشفتها وهى فى الضوء، وحين انكشف الغطاء، أدرك الناس -وربما لأول مرة- أن المشروع لم يكن مشروع دولة، بل مشروع جماعة. وأن الدين لم يكن أداة إصلاح، بل أداة تبرير.

ومن هنا، يصبح من الطبيعى أن نقول: الخطر ليس على الدولة وحدها، بل على صورة الإسلام ذاته.

فالإسلام الذى عُرف بالتسامح، قُدّم عبر خطاب الجماعة باعتباره مشروعاً للصدام. والإسلام الذى عُرف بالحكمة، قُدّم باعتباره مشروعاً للمواجهة. والإسلام الذى احتفى بالإنسان، قُدّم باعتباره مشروعاً للنقاء العنصرى، والإسلام الذى أضاء العالم علماً، قُدّم باعتباره مشروعاً للخروج من العصر.

ولعلّ السؤال الذى يطرح نفسه اليوم -بعد كل هذه التجارب- هو: ما الذى بقى من مشروع الجماعة؟

الإجابة: بقى خطاب، لكنه لم يعد مقنعاً. بقى تنظيم مهلهل وهش، ولكنه فاقد القدرة على التأثير. بقيت مظلومية وهمية، لكنها لم تعد تُقنع الأجيال الجديدة. وبقيت -أخطر من كل ذلك- صورة مرتبكة للإسلام، تحتاج إلى إعادة بناء، لا بمجرد نقد الجماعة، بل باستعادة الدين إلى مكانه الصحيح: فوق السياسة، لا تحتها. فوق التنظيم، لا داخله. فوق اللحظة، لا رهينة لها.

إن الخطر الأكبر على الإسلام اليوم لا يأتى من الخارج، بل يأتى من داخله: من أولئك الذين يتحدثون باسمه دون أن يدركوا مسئوليته، أو يدركوا أنه دين جاء ليجمع، لا ليُقسّم. ومن هنا، تصبح مهمة المجتمع -والدولة- أن تفصل بين الدين ومَن أرادوا احتكاره، وأن تحمى صورة الإسلام من أولئك الذين أرادوا توظيفه.

وليس هناك ما هو أخطر على الدين من أن يتحول إلى بطاقة هوية سياسية. فالسياسة -بطبيعتها- متغيرة، أما الدين فثابت. والسياسة -بطبيعتها- فيها الخصوم والأصدقاء، أما الدين ففوق الخصومة. والسياسة -بطبيعتها- تقوم على المصالح، أما الدين فمقامه فوق المصلحة. وحين تختلط الثوابت بالمتغيرات، فإن المتغير يأكل الثابت، وليس العكس.

وفى النهاية، فإن الصورة الكاملة -كما أراها- تقول إن الجماعة كانت خصماً أكبر لصورة الإسلام، لأنها قدمت ديناً غير الدين، وخلقت حول الإسلام أسواراً لم تكن موجودة، وحول المجتمع حساسيات لم تكن ضرورية.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية