زواج القاصرات بين الموروثات الدينية ووطأة الفقر

زواج القاصرات بين الموروثات الدينية ووطأة الفقر

مشاهدة

29/04/2018

جسد الأنثى يحتلّ حيزاً كبيراً من الثقافة المجتمعية، ولعلّ هذه الثقافة مستمدة من رؤية الأديان للجسد، وسنّ الزواج المناسب للممارسة الحسية (على اختلاف تلك الأديان سواء أكانت إبراهيمية أو خلاف ذلك)، وهو ما فتح أبواباً لدراسات تطرقت للزواج المبكر بشكل عام، وزواج الإناث القاصرات بشكل خاص، والذي كان منتشراً في حضارات مختلفة في أزمنة تاريخية متعاقبة، ولعلّ من أشهر تلك الدراسات كتاب "الجنس في أديان العالم" (sex in world’s Religions)، للكاتب الإنجليزي (Edward Geoffrey Parrinder).  

الزواج المبكّر كان من العادات المتعارف عليها تاريخياً؛ نظراً إلى انخفاض متوسط الأعمار، والرغبة في الإنجاب المبكّر تباعاً.

وهناك نوعان من تلك الزيجات عرفهما تاريخ البشرية: أحدهما بين فتاة قاصر ورجل راشد، والآخر بين طفلة وطفل من الـقُصّر.

وبعد ارتفاع متوسط عمر الإنسان على الأرض، نظراً إلى التقدم الطبي، بدأ الالتفات إلى قضية الزواج المبكر، فصدرت القوانين المنظمة والمحددة للحدّ الأدنى لسنّ الزواج، وبحلول العام 2010؛ كان هناك 158 دولة ارتفع بها سنّ الزواج إلى 18 عاماً.

الزواج المبكّر كان من العادات المتعارف عليها تاريخياً؛ نظراً إلى انخفاض متوسط الأعمار والرغبة في الإنجاب المبكّر

البلاد الفقيرة، عامّة، هي أكثر البلدان التي تكافح زواج القاصرات؛ حيث يعدّ زواج الفتاة مبكراً مصدر رزق للأسرة، أو وسيلة لتخفيف العبء على العائلة الفقيرة، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، وفق تقرير اليونسيف الصادر لعام 2010، إذن زواج القاصرات ليس متقصراً على البلاد الإسلامية، لكن تظلّ الظاهرة أكثر شيوعاً في بلاد ذات أغلبية مسلمة، فبحسب تقرير آخر من منظمة اليونسيف الدولية، الصادر العام 2012، فإنّ أكثر الدول التي يشيع فيها زواج القاصرات، هي: النيجر وتشاد ومالي وبنغلاديش وغينيا، وهي بلاد ذات أغلبية إسلامية. 

بالتأكيد، إنّ الفقر والأمية يلعبان دوراً محورياً في الزواج المبكّر في بلدان العالم أجمع، إلّا أنّ اتخاذ النصوص الدينية ذريعة للزواج المبكر، هو الأخطر على الإطلاق؛ لأنّه يضفي عليها قدسية، ليصبح النصّ الديني مبرراً تحتمي فيه تلك الأسرة الفقيرة، التي تحمل بناتها القاصرات على الزواج من رجال يكبرونهم بعدة عقود.

هنا تجلّت ظاهرتان في البلاد الإسلامية:

أولاً: ظاهرة التشريعات السلطوية التي اتخذت من التأويلات الدينية سنداً لها في مسألة زواج القاصرات، ولعلّ ما حدث في إيران بعد وصول الخميني لسدة الحكم العام 1979، خير برهان على قدرة الجمهورية الإسلامية في الانقلاب على المدنية؛ فبحسب المادة 1041 من القانون المدني الإيراني، فإنّ السنّ القانونية للزواج 13 عاماً للأنثى، بعد أن كانت 18 عاماً.

ثانياً: ظاهرة التأويلات والفتاوى الدينية التي تحدّت التشريعات السلطوية المناهضة لزواج القاصرات، ولعلّ دفاع الأصوات السلفية عن هذا الزواج في مصر يدخل في هذا الإطار، فطالب الشيخ محمد سعد الأزهري، العضو السلفي باللجنة التأسيسية للدستور، العام 2012، خفض سنّ الزواج في مصر لتسعة أعوام.

أنْ يتم اتخاذ النصوص الدينية كذريعة للزواج المبكر هو الأكثر خطراً على الإطلاق لأنّه يضفي عليها قدسية

الأصوليون عادة يلوحون في وجوهنا بالآيات القرآنية التي تثبت مشروعية زواج الفتيات الصغيرات، اللاتي لم يبلغن بعد، من وجهة نظر تأويلاتهم، وهنا يُشيرون دوماً إلى الآية رقم (4) من سورة الطلاق، ونصّها:

{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}.

بحسب تفسير الإمام الطبري؛ فإنّ (اللائي لم يحضن) هنّ الأبكار، اللائي لم يبلغن المحيض، وقد مُسِسْن؛ أي تمّ الدخول بهنّ، وجاء في تفسير ابن كثير: أنّ الصغار اللائي لم يبلغن سنّ الحيض، فإنّ عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ لهذا قال الله تعالى: {واللائي لم يحضن}، والآيسة هي المرأة التي لم تحض في حياتها، بحسب معجم المعاني، وجاء في تفسير الإمام القرطبي: أنّ المقصود هنّ اللاتي لم يحضن بعد لصغرهن، وعدم بلوغهن سنّ المحيض، وهؤلاء عدتهن أيضاً ثلاثة أشهر، وفي العصر الحديث؛ فسّر الإمام محمد متولي الشعراوي الآية بالمعنى نفسه، وبحسب التفسيرات أعلاه؛ فإنّ الزواج بمن لم تحض يُعدّ "جائزاً"، وسنّ الحيض قد يختلف من بيئة لأخرى، إلا أنّ المتوسط هو (12 - 15 عاماً) للفتيات، بحسب بعض الدوريات الطبية.

الأصوليون عادة يلوحون في وجوهنا بالآيات القرآنية التي تثبت مشروعية زواج الفتيات الصغيرات من وجهة نظر تأويلاتهم

وفي خضم هذه الفتاوى؛ يبحث الإعلام دائماً عن رأي الأزهر، على اعتبار أنّه يمثل السماحة الدينية، بحسب المنظور الشعبي، وسيهدف هذا المقال البحثي إلى عرض رؤية عن اللقاء التلفزيوني مع شيخ الأزهر، د. أحمد الطيب، الذي أُذيع في حزيران (يونيو) 2016، على قناة (CBC) المصرية الفضائية، (الحلقة 23 من برنامج الإمام الطيب)، تقديم: محمد سعيد محفوظ، وقال شيخ الأزهر، ردّاً على سؤال المذيع بشأن زواج الصغيرات الآتي "نصّاً":

"لا يوجد نصّ صريح قاطع، لا في القرآن، ولا في السنّة، يبيح هذا الموضوع"، ثم توقف لحظة، وقال: "أو يمنع هذا الموضوع"، أي إنّ الإمام الطيب أمسك العصا من المنتصف، وأقرَّ أنّه لا يوجد ما يبيح، أو يمنع، زواج القاصرات، ثم عاد ليقول:

"لكن عولج هذا الموضوع في إطار التشريع العام، وهو الترغيب في الزواج؛ لأنّ الإسلام يُقرّ بأنّ الزنا حرام، لذا لا مفرّ من تيسير الزواج، والدعوة إليه قدر الإمكان، وتبسيطه وتيسيره، وهي قضية محلّ خلاف، لكن -للأمانة العلمية- إنّ غالبية الفقهاء يجيزون هذا الزواج، وبعضهم منع زواج القاصرات، وجعل فيه العقد باطلاً، ومقاصد الشريعة تقف إلى جوار هؤلاء المانعين، وبعض الفقهاء أجازوه؛ لأنّ هذا الزواج كان موجوداً، أو شبه موجود، وأنا أفرّق بين القاصرات بمعنيين؛ قاصرات دون البلوغ، وقاصرات بعد البلوغ، فهناك زواج بمعنى إبرام عقد فقط حتى سنّ البلوغ".

وأضاف الإمام الطيب: إنّه "في مذكرات السيدة هدى الشعراوي، وهي من أنصار حقوق المرأة (1879- 1947م)، ما يفيد بأنّها تزوجت في سنّ 13 عاماً"، واستند الشيخ إلى هذه القصة في محاولة إثبات نظريته، بأنّ زواج القاصرات كان موجوداً في المجتمع ولا علاقة له بالإسلام.

وفيما يخصّ سنّ زواج السيدة عائشة، ثالث زوجات الرسول، في سنّ السادسة، ودخول الرسول بها في سنّ التاسعة، قال الإمام الطيب: "هناك جدل، ولا أريد الدخول في هذا الجدل، لكنّني سأتبرع بما عندي، قولوا ما تشاؤون، لكنّ هناك ترصّد للنبي، وأنّ هذا الزواج كان على عادة العرب والمجتمع العربي في ذلك الوقت، وهو أنّه مرَّ دون أيّ تعقيب من اليهود والوثنيين".

شيخ الأزهر: لا يوجد ما يبيح أو يمنع زواج الصغيرات؛ أي إنّه وضع الإباحة والمنع على قدم المساواة

للأمانة الأدبية، علينا أن نسرد ما جاء تفصيلاً في حديث الإمام الطيب؛ لأنّه يُعدّ الأكثر تقدمية، مقارنة بكثير من السلفيين، لكنّه ليس تقدمياً بشكل مطلق، وهنا نتوقف عند ثلاث رؤى:

أولاً: قال شيخ الأزهر إنّه لا يوجد ما يبيح أو يمنع زواج الصغيرات؛ أي إنّه وضع الإباحة والمنع على قدم المساواة، وأضاف إنّ بعض الفقهاء منعوا زواج القاصرات وبعضهم أجازه، ومن الواضح في رأي الإمام الطيب؛ أنّه يميل إلى منعه، لكنّه لا يميل إلى منعه بشكل قطعي، فعاد ليفرق بين القاصر دون البلوغ، والقاصر بعد البلوغ، وبدا أنّه لم يعترض على زواج القاصر بعد البلوغ، وهنا يكمن الشيطان في التفاصيل، فهل معنى ذلك أنّ الفتاة إن بلغت الثانية عشرة من عمرها، أو حتى في الرابعة عشر: هل يتم تزويجها؟ للأسف لم يتقصَّ مذيع البرنامج عن هذه النقطة وتركها تمرّ، وأنا هنا أتحدث أيضاً، من باب المهنية الإعلامية، التي كانت تستلزم أن يسأل المذيع هذا السؤال.

ثانياً: حاول الشيخ الطيب الاستشهاد بأنّ رائدات الحركة النسوية، من أمثال هدى شعراوي، تعرضن للزواج المبكّر؛ إذاً هو ليس من الإسلام في شيء (بحسب قول الإمام)، وبالفعل تزوّجت هدى شعراوي في سنّ الـ 13 من عمرها، لكنّ ما قدمه لنا شيخ الأزهر معلومة منقوصة؛ لأنّ هدى شعراوي كتبت في مذكراتها أنّها بكت بمرارة حين اتخذ أهلها قرار زواجها، وقال لها قريبها إن رفضتِ الزواج ستغضبين روح والدكِ المتوفَّى، وتقتلين والدتك المريضة، وأنّها (هدى شعراوي) خرجت تجري من الغرفة وهي تبكي وتقول: "افعلوا ما تشاؤون"، فاصطدم رأسها وهي تهرول بمسمار في الباب، وسالت دماؤها، وظلت تبكي، وحقيقة الأمر أنّ السيدة هدى شعراوي طالبت برفع سنّ الزواج إلى 16 عاماً، بسبب محنتها في الزواج المبكر، كما أنّ هدى شعراوي من أسرة مسلمة ونشأت في صعيد مصر.

تفادى الطيب الردّ على مسألة زواج السيدة عائشة واتّهم المتسائلين عن سنّها حين تزوجت الرسول بالتصيّد للسيرة النبوية

ثالثًا: تفادى الإمام الطيب الردّ على مسألة زواج السيدة عائشة، واتّهم المتسائلين عن سنّ السيدة عائشة حين تزوجت الرسول بالتصيّد للسيرة النبوية، وبكل تأكيد غالباً أنّ هذا الموضوع يُعدّ شائكاً، وقال الإمام الطيب إنّ زواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالسيدة عائشة -رضي الله عنها- لم يكن غريباً على المجتمع حينها، وإنّ الوثنيين كانوا يفعلون ذلك أيضاً، وبالفعل فإنّ زواج الفتيات الصغيرات لم يكن غريباً على شبه الجزيرة العربية، لهذا لم يأت الرسول بفعل غريب عن هذا الزمان، لكن زواج الفتيات الصغيرات أصبح غريباً الآن، وتُسنّ القوانين لمواجهته وتجريمه، خاصة بعد زيادة الوعي من مخاطر الصحة الإنجابية، أو حتى الجنسية، لممارسة الصغيرات للجنس، وفي حقيقة الأمر؛ فإنّ زواج السيدة عائشة في سنّ التاسعة ورد في الصحيحين (بخاري ومسلم)، وهما أصحّ الكتب، بعد القرآن الكريم، عند أهل السنّة والجماعة.

وقد حاول بعض المجدّدين إعادة تفسير الآية، ومنهم الباحث المصري إسلام البحيري، الذي خرج من السجن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016؛ بعد أن قضى 11 شهراً، إثر اتهامه في قضية "ازدراء أديان"، ويقول البحيري: "إنّ زواج القاصرات محرّم شرعاً"، وهنا تطفو على السطح مرة أخرى إشكالية السيرة النبوية، ولهذا حاول بعض المجددين الخروج من هذا المأزق، بمحاولة إثبات أنّ الرسول تزوج السيدة عائشة في سنّ الـ 18 عاماً، وهو ما حاول الباحث إسلام البحيري إثباته، لكنّ محاولته تتعرض لهجوم لاذع من علماء الدين، الذين أصرّوا على أنّ النبي تزوج السيدة عائشة في التاسعة.

لا يمكننا مناقشة هذا الجدل الديني والفقهي بعيداً عن البيئة الحاضنة لزواج القاصرات، لنفهم ما يغذيه ويستدعيه

إذن أين المشكلة؟ ربما تكون المشكلة، من وجهة نظر عالم أو فقيه ديني، هي الإفتاء بأنّ ما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوماً ما ليس مناسباً بالضرورة لهذا الزمان، وهنا يخشى رجال الدين الدخول في جدل عمّا كان يصحّ في زمن سابق وما يصحّ الآن، وقد يجدون أنفسهم في مأزق إن أقرّوا عدم الاقتداء بفعل من أفعال الرسول؛ بل ومنعه بحسب القانون الدولي أو التشريع الحكومي، وهو الجدل الذي يحاولون تفاديه حتى لا يفتح عليهم باب المناقشات في أمور مماثلة، فينجرّ طرف الخيط لما هو أكبر، ويدخل علماء الدين في معضلة؛ أنّه ليس كلّ ما فعله الرسول يصلح لهذا الزمان، وقد يتنافى هذا الجدل مع ما يقوله رجال الدين، حين يذكّروننا بالآيات الكريمة من القرآن الكريم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (سورة الأحزاب آية رقم 21)، وفي الحقيقة هناك إشكالية كبرى في الاقتداء بزواج الصغيرات، بحسب المصادر السنّية.

لا يمكننا أن نناقش كلّ هذا الجدل الديني والفقهي بعيداً عن البيئة الحاضنة لزواج القاصرات، لنفهم ما يغذي هذا الجدل وما يستدعيه، وهي بيئة اعتمدت على تزويج الفتيات كمصدر لدخل الأسرة الفقيرة، في مناطق قبلية أو ريفية أو عشوائية، فأصبحت جزءاً مما يُعرف باسم "اقتصاديات التدين"، أو على الأقل اقتصاديات لا تخالف الشرع من وجهة نظر من يحرض عليها، أو يساعد في إتمام هذه الزيجات، فتظلّ القضية حبيسة بين الموروثات الدينية ووطأة الفقر، وكذلك دون أن نتجاهل ضرورة التشريعات المجرِّمة لهذه الممارسات وإشكاليات إنفاذ القانون.

 

الصفحة الرئيسية