جولة في قيرغيزستان (٢): أوش… تنوّع مضرّجٌ بالدم وعنف مؤجل

جولة في قيرغيزستان (٢): أوش… تنوّع مضرّجٌ بالدم وعنف مؤجل

جولة في قيرغيزستان (٢): أوش… تنوّع مضرّجٌ بالدم وعنف مؤجل


13/08/2026

ملاذ الزعبي

تنخفض في مدينة “أوش” نسبة العمارات السكنية شيوعية الطراز، ففي هذه المدينة الممتدة أفقياً، وتحضر المباني القرغيزية القديمة والبيوت الخشبية، ما يمنح هذه الحاضرة طابعاً آسيوياً يحيلنا إلى موقعها على طريق الحرير التاريخي الذي ما زال يحمل شيئاً من إرثه الطويل.

بمجرد أن حطت رحالنا في أوش، ثاني أكبر مدينة في قيرغيزستان بعد بيشكيك، تبدت لنا ملامحها المختلفة عن العاصمة. هنا، حيث لا تبعد الحدود الأوزبكية سوى كيلومترات قليلة، أمكن ملاحظة فوارق تتعلق بروح المكان وأزياء قاطنيه والتراث والتركيبة العرقية والمطبخ وبعض تفاصيل العمران وأشياء أخرى.

لكن، وكما في بيشكيك، ثمة حضور سوفياتي ما زال طاغياً وسط المدينة، فحديقة توكتوغول تحتضن نُصباً تذكارياً يحتفي بقدامى محاربي الجيش الأحمر في أفغانستان خلال العقد الدموي الممتد بين 1979 إلى 1989، أما تمثال لينين في ساحة البلدية فهو أكبر تماثيل الزعيم البلشفي ليس في قيرغيزستان فحسب، بل على امتداد آسيا الوسطى، بارتفاع نحو ثلاثة وعشرين متراً، وإن كانت لافتة في طرف الساحة لمنظمة يو إس إيد الأميركية USAid حول مشروع تنموي برعايتها تذكّرنا، عبر مفارقة وجودها الصارخة قبالة لينين، أن السيطرة الشيوعية المديدة على البلاد كانت حقبة أفل زمانها وانقضى.

بيد أنه، وعلى الرغم من البقايا السوفياتية هذه، فإن لأوش طابعاً يختلف عن بيشكيك. إذ تنخفض نسبة العمارات السكنية الشيوعية الطراز في هذه المدينة الممتدة أفقياً، وتحضر المباني القرغيزية القديمة والبيوت الخشبية، ما يمنح هذه الحاضرة طابعاً آسيوياً يحيلنا إلى موقعها على طريق الحرير التاريخي الذي ما زال يحمل شيئاً من إرثه الطويل.

ثنائية مخضّبة بالدماء

وإن كانت العرقية القيرغيزية أكثرية لا تضاهى في بيشكيك مقابل أقلية سلافية، فإن أوش يتقاسمها القيرغيز والأوزبك مناصفة تقريباً، بينما تحول هذا التقاسم انقساماً عنيفاً في أكثر من مناسبة. 

يختلف الشعبان أساساً في نمط حياتهما التقليدي ولغتهما، فالأوزبك كانوا تاريخياً مزارعين وتجاراً مستقرين بتأثيرات فارسية، بينما القيرغيز رعاة من البدو الرحل بسمات شرق آسيوية أكثر وضوحاً. ثم لعب الاتحاد السوفياتي دوراً أساسياً في تشكيل الصراعات العرقية  في المنطقة، وذلك بشكل رئيسي عبر الهندسة الإدارية والإقليمية والاجتماعية لمنطقة وادي فرغانة خلال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين. وبينما حافظ الحكم الشيوعي الطويل على سلام نسبي، إلا أن سياساته تلك خلقت الظروف الهيكلية والديموغرافية والسياسية لصراعات عنيفة أعقبت انهياره.

لم ينتظر القيرغيز والأوزبك التفكك الكامل للاتحاد السوفياتي كي تندلع أولى موجات الصدام بالغة القسوة، إذ سقط مئات القتلى في نزاع على ملكية أراض في أوش، تحديداً صيف العام 1990، وهو ما استدعى إعلان حالة طوارئ وانتشاراً للقوات السوفياتية وإغلاقاً مؤقتاً للحدود الإدارية. وكما في نزاعات عرقية أخرى، تراكبت هنا أيضاً أسباب اقتصادية واجتماعية وفشل سياسي وسرديات مظلوميات أحادية تركت الأوضاع على حالها بانتظار الانفجار المقبل، فللأوزبك مطالب قومية وثقافية وشكاوى من التهميش تقابلها شكوك قيرغيزية في النوايا واتهامات بمساع لتقويض وحدة البلاد.

هذا عدا عن يد عليا للأوزبك اقتصادياً جنوباً في مقابل هيمنة سياسية قيرغيزية، فيما فشلت الحكومة المركزية في حل المشاكل الاجتماعية الناتجة من هجرة الشباب القيرغيزي من الريف وانتهائه في أحضان البطالة أو عضوية عصابات الجريمة المنظمة. وفوق هذا وذاك، زادت الحساسيات التاريخية والنزاع على الحدود بين قيرغيزستان وأوزبكستان طين العداء الكامن بلةً.

لكلِّ الأسباب غير المباشرة المذكورة أعلاه، تفجرت موجة عنف جديدة عام 2010، ومرة أخرى كانت أوش من أبرز مسارحها. أما الشرارة المباشرة فكانت ببساطة شجاراً بين شبان أوزبك وقيرغيز في كازينو بوسط أوش. وسرعان ما استحالت الشرارة هذه ناراً امتدت ألسنة لهبها إلى الأرياف المجاورة ومدينة جلال أباد ومناطق أخرى. هذه المرة كانت الصدامات أكثر وحشية، وتعرض بعض الضحايا للاغتصاب أو الحرق أحياءً، وهوجمت مراكز طبية كانت تعالج الجرحى وأُحرقت منازل ومحال تجارية، ونزح مئات الآلاف من ديارهم، واتهم الأوزبك الجيش والأمن بالتواطؤ حيناً وبالمشاركة الفعلية بالمقتلة حيناً آخر. وإن كانت أرقام لجنة وطنية أفادت بمقتل 426 شخصاً (نحو ثلثيهم أوزبكيون)، فإن الأرقام الحقيقية ما زالت غير مؤكدة حتى اليوم، فيما يقول ناشطون محليون إن القتلى بالآلاف.

وربما ما من سيرة تلخّص الأوضاع التمييزية بحق أوزبك البلاد أفضل من القصة الحزينة للصحافي عظيمجون أسكاروف. بدأ أسكاروف نشاطه الحقوقي منذ منتصف التسعينات، وأسّس منظمة لمراقبة أوضاع السجون. وبعيد أحداث العام 2010، اعتقلته السلطات بتهمة ضلوعه في مقتل شرطي، وعذّبته. وأثناء محاكمته، هاجمت حشود غاضبة محاميه والمتهمين الآخرين، وحُكم عليه بالسجن المؤبد على الرغم من حرمانه من محاكمة عادلة. كما رفضت المحكمة التحقيق بشكاوى تعرضه للتعذيب، ثم تدهورت صحته في السجن وصولاً الى وفاته فيه عام 2020 وهو على مشارف السبعين من العمر، وسط اتهامات حقوقية بالإهمال المتعمد.

وجوه المدينة وحدود الطمأنينة

لست متيقناً مما إذا كان الوجود الأوزبكي الكثيف في أوش هو ما أعطى للمدينة طابعاً محافظاً يميزها بعض الشيء عن بيشكيك. عموماً، رأيت من النساء المحجبات هنا نسبة أعلى بما لا يقاس، هذا عدا عن ملاحظة امرأة منقبة بين حين وآخر، وهو ما ينطبق إلى حد ما على الرجال الملتحين. كما بدت العلاقة مع حضور الكاميرا المتدلية على عنقي أكثر حساسية، وفي حالات عدة جوبهت بالرفض بعد الاستئذان لالتقاط الصور، بل إن يافعاً خاطبني بعدائية خلال تصويري نُصب قتلى الجيش الأحمر، معتقداً أنني كنت ألتقط صوراً له لا للنُصب.

المزاج المحافظ والوجود الأوزبكي تجليّا بوضوح أيضاً في بازار جايما، أصحاب المحال والزبائن من العرقيتين (ومن الطاجيك كذلك) حاضرون في سوق المدينة الرئيسي الضخم الممتد على كليومترات عدة على ضفة نهر آك-بورا. وكما في بازارات آسيا الوسطى الأخرى، ثمة بضائع من كل شكل ولون ونوع، مع حضور لافت لبضائع متعلقة بالخيول، بدءاً من السروج والأعنة وليس انتهاء بلحم الحصان الذي يؤكل هنا بكثرة (لاحظت في أوش أيضاً انتشار الكباب المصنوع من أسياخ اللحم المفروم والمشوي على الفحم، وهو ما يختلف عن بيشكيك حيث لا تقدم مطاعمها المحلية الكباب غالباً).

رافقنا أثناء صعودنا باتجاه جبل سليمان-تو المقدس، عجائز وأطفال وشبان وعائلات بكاملها، بعضهم أتى، مثلنا، بهدف الاستطلاع والاستكشاف، وآخرون، بحثاً في مواقعه المبجّلة عن علاجات لآلام الظهر والمفاصل والعقم وأمراض مزمنة أخرى، ومنهم من أتى للاستمتاع بإطلالته التي تكشف المدينة ومساحات ممتدة من ريف وادي فرغانة.

لأكثر من ألف وخمسمئة عام، كان الجبل بمثابة منارة للقوافل التي عبرت طريق الحرير وركناً مقدساً يضم أماكن للعبادة يرجع بعضها الى حقبة ما قبل انتشار الإسلام في المنطقة، عدا عن مسجدين يرجعان الى القرن السادس عشر، ومنطقة أثرية بكهوف ونقوش صخرية عن البشر والحيوانات.

حال سوء الحظ دون زيارة متحف الجبل المغلق نتيجة أعمال تنظيف وتعقيم شاملة، جلست على حافة أتأمل المدينة المنبسطة أمامي والسهوب الممتدة خلفها، فيما تشارَكَ أطفالٌ أوزبك وقيرغيز اللعب وقطف ثمار أشجار المشمش المنتشرة على السفح. لكن، لا مشهد اللعب المشترك هذا ولا التفاعل العابر للأعراق في بازار جايما يكفيان للقول إن كل شيء على ما يرام في أوش.

العام الماضي، كتبت سينات سلطان-علييفا، باحثة شؤون آسيا الوسطى في منظمة هيومان رايتس ووتش، مقالاً بعنوان “بعد مرور 15 عاماً، لا يزال الأوزبك يواجهون التمييز في قيرغيزستان”، شدّدت فيه على أن طريق التعافي يتطلب “الاعتراف بانتهاكات السلطات القيرغيزية، واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، بما في ذلك المساءلة عن الظلم، وبذل جهود حقيقية لمعالجة مخاوف الأقلية الأوزبكية وهمومها الحالية، والتمييز الذي لا تزال تواجهه حتى اليوم. 

وإلى أن تُعالج جراح عام 2010، ستظل الصدمة تلقي بظلالها على العلاقات العرقية في جنوب قيرغيزستان، ما يحول دون تحقيق المصالحة المستدامة التي تستحقها كلتا الجماعتين”.

درج




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية