
نحن أمام رواية من روايات الديستوبيا، تلك الروايات التي تتناول الجوانب المظلمة في الروح الإنسانية، وتكشف، دون محاذير، أدق دوافع النفس البشرية، متناولة السلوك الإنساني في شكليه الفردي والجماعي.
رواية "جثة لذيذة" للكاتبة الأرجنتينية أوغستينا بازتيريكا حازت على جائزة "كلارين" للرواية عام 2017، وهو ما أسهم في اتساع انتشارها وارتفاع مبيعاتها. ورغم أنّ هناك من صنّفها ضمن أدب الرعب، فإنّها أقرب إلى أدب الديستوبيا، حيث لا يكون الرعب غاية في ذاته، بل أحد تجليات الوجود الإنساني حين يُدفع إلى أقصاه.
فيروس غامض
تبدأ الرواية بانتشار فيروس غامض يصيب الحيوانات والطيور، وينتقل منها إلى الإنسان، متسببًا في موته على الفور. أمام هذا الخطر تتخذ الحكومات حول العالم قرارًا جماعيًا بالقضاء على جميع الحيوانات، فتحدث مجزرة كونية لشركائنا على الأرض. غير أنّ هذه المجزرة لا تمثل نهاية الكارثة، بل بدايتها؛ إذ يكتشف الإنسان أنّ البروتينات اللازمة لحياة صحية لا يمكن تعويضها بالنبات وحده، وأنّ الجسد الإنساني نفسه سيصبح موضع أزمة غذائية.
في هذا الفراغ تبدأ حوادث خطف الفقراء والضعفاء، ويتشكل سوق خفي للاتجار باللحم البشري، قبل أن تتدخل السلطة لتشرعن الجريمة، وتمنحها اسمًا قانونيًا مخففًا: "اللحم المخصوص".
يتحوّل الفقراء والمرضى وأبناء الدول المهمشة إلى مادة خام، إلى أنوية لعمليات "تخصيب" ممنهجة للرؤوس البشرية، التي سيجري التعامل معها كما تُعامل رؤوس الماشية في الحظائر، بل على نحو أشد قسوة. تبدأ عملية حيونة الإنسان بقطع الحبال الصوتية، ثم وضعه في أقفاص، وحقنه بهرمونات التسمين، وتقديم العلف المناسب، قبل ذبحه وتسليمه إلى مجازر صغيرة منتشرة داخل المدن.
وهذا الوصف، على فظاعته، لا يرقى إلى التفاصيل الدقيقة التي تسردها الرواية ببرود صادم، حيث تتحول الجريمة إلى إجراء إداري، ويُفرغ العنف من أيّ شحنة أخلاقية.
مسلخ البشرية
بطل الرواية كان طالب طب بيطري، مختصًا سابقًا بدراسة الحيوانات، ليجد نفسه لاحقًا يعمل في مجال "الرؤوس البشرية"، بعد أن قامت الأجهزة الإعلامية بعملية غسيل وعي كاملة للمجتمع، أُعيد خلالها تعريف الإنسان بوصفه كائنًا استهلاكيًا. سمحت الدولة للمواطنين بتربية هذه "الرؤوس" داخل المنازل، شريطة الالتزام بقواعد صارمة في التعامل معها كحيوانات لا كبشر. أيّ خرق لهذه القواعد، سواء بمعاشرة إحدى الرؤوس أو إظهار تعاطف إنساني معها، يُعدّ جريمة تستوجب الإرسال الفوري إلى "مسلخ البشرية".
وبطبيعة الحال، لم تكتفِ السلطة بالقانون والإعلام، بل استعانت بخطاب ديني مُعاد تأويله، يبرر أكل الجسد الإنساني بوصفه ضرورة وجودية، ويُفرغ القيم الروحية من بعدها الأخلاقي، ليحوّلها إلى أداة طيّعة في خدمة البقاء بأيّ ثمن. هكذا تُستدعى النصوص لا بوصفها منظومة قيم، بل كغطاء رمزي لإضفاء الشرعية على ما كان يُعدّ في الوعي الإنساني أقصى درجات المحرّم."من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأنّ جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق."
إنجيل يوحنا 6: 53ـ 55
في هذا العالم لا تنهار الأخلاق دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا. لا يُفرض العنف بالقوة وحدها، بل عبر التكرار، والتطبيع، وإعادة التسمية، حتى يفقد الإنسان قدرته على الصدمة، ويصبح التوحش مجرد خيار عملي لا مسألة أخلاقية.
داخل هذا العالم يرزح بطل الرواية تحت ظروف نفسية قاسية، بفقده لابنه وأبيه، اللذين حرص على ترميد جثمانيهما حتى يتأكد أنّ الجائعين لن يعتدوا على قبريهما ولن ينتهكوهما. ويبدو طوال الرواية مستاءً من عمله، ومن عملية التدجين الكاملة التي دخلها العالم، مشككًا في رواية الفيروس، وفي عدم وجود علاج له حتى الآن.
حتى يفاجأ في إحدى الأمسيات بأنّ أحد رجال أعمال "اللحم المخصوص" يهديه رأسًا حيّة، إن شاء أن يربيها ويستفيد من نسلها، أو أن يذبحها. ومع هذا الحدث يبدأ صراع أخلاقي جديد داخل الرواية، يُمتحن فيه البطل بعيدًا عن أعين العالم: هل سينجو أخلاقيًا أم لا؟
في عالم الرواية يُتعامل مع الإنسان وفق وزنه وأحشائه، ويُشتهى كطعام. تُقام نوادٍ للصيد ـ نعم، صيد الرؤوس ـ التي بلا صوت ولا معرفة، لإرضاء هوايات بشر يفضلون أكل طرائدهم. وهناك طرق ووصفات يُؤخذ فيها من جسد الفريسة حسب الطلب، مع إبقائها حيّة. وهناك من يفضل الأطفال، ومن يطلب مواصفات خاصة للرأس المُشتهى، وطرقًا معينة للذبح تحافظ على جودته كلحم يرضي أذواق أثرياء ذائقتهم "عالية".
إعادة قراءة الحاضر
أدب الديستوبيا لا يستقرئ المستقبل بقدر ما يستبطن الحاضر ويعيد قراءته. هذه الأحوال الإنسانية التي تُعذّب النفس بقراءتها على الورق موجودة في واقع اليوم. فأزمة غزة، مثلًا، جرى التعامل معها عالميًا ببرودة، وتُرك الجزار يقطع في الجسد الإنساني. رأينا في غزة سيقانًا وأذرعًا ورؤوسًا بلا أجساد، وأحشاءً تمزقها القطط والكلاب. رأينا الحياة في واقع ديستوبي لا معقول، حتى لم تعد أفعال الإنسان اليوم مثار دهشة.
لقد رأينا اللحم البشري للعرض والبيع، وللقتل والاغتصاب. وفتحت منصات مثل "تيك توك" عوالم سفلية بشعة، يُتاجر فيها بجسد المرأة، وبهيبة الرجل ووقاره. بيعت الإنسانية جسدًا وروحًا مرات عديدة، وكانت في واقعها أكثر بشاعة ممّا كتبه أورويل أو تخيّلته أوغستينا بازتيريكا.
إن كان لهذا العصر سمة أو وصف، فهو عصر "تسليع الإنسان"، حيث ينظر إليه إعلاميًا واقتصاديًا أو على منصات التواصل بوصفه سلعة، فما تفعله الحروب في الأجساد تفعله منصات التواصل في الأرواح، يُشاركها الإعلام المشوه والاقتصاد الذي يتكئ على الأرواح. لا اعتقد أنّ المخرج لهذا المأزق العالمي في صحوة جماعية أو حراك كبير يدعو إلى التحرر من عبودية جديدة، وإنّما اليقظة ستكون فردية، بوعي أُحادي يستيقظ فيه إنسان اليوم بقرار ألّا يكون سلعة أو منتجًا، لا يجعل الهاتف إلهه، ولا يربط نفسه بتفاعل وعدد إعجابات، ولا يتبع خطوط الموضة ومواصفات الجمال الموحدة، يتوقف عن ربط قيمته بمقدار ما امتلك وما أنجز، ولا يربط سعادته بالمطاعم التي دخلها والبلاد التي زارها. وإنّما يربط نفسه بقيمة ومعنى روحي وإنساني كبير، يكون المقصد فيه دواخل راضية وعقلًا مرتاحًا وجسدًا صحيحًا وضميرًا قادرًا على الحكم في عالم أصبحت قيمه نسبية.
الجهاد اليوم هو في استعادة الإنسان لبوصلته التي تجننت إبرتها وهي تشير إلى عشرات الرغبات في وقت واحد، في حين أنّ الإنسان الواعي ليس من ضمن أهدافه على الأرض أن يكون تائهًا أو غارقًا أو مسلوبًا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_0.jpg.webp?itok=aNYPMIOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_0.jpg.webp?itok=WYTaC8Sk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_1.jpg.webp?itok=aTCaigQF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_4.jpg.webp?itok=MzntINad)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_2.jpg.webp?itok=N6xMIywk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_0.jpeg.webp?itok=5qeLZFsM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_0.jpg.webp?itok=p75friqA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_1_0_2_0.jpg.webp?itok=MDx45CBJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_1.jpg.webp?itok=WKn20MSM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gTGVJYA8Soq88WhZ87SZT86l-NhktgxZXrXBWLD5U4-gW74rQPSDc5KkiAElerlGJDpkVinqV_IVub3fiLsTcaIFgS4YFRi540cvVyjFl6q6YwV5GPba4BZAwc66ROVfLjG_fhvGomuAwALIwgPZrpkkNDn3WZZb6Eq0wPFCKW1xDN7N9GpASNMGhz3hniMt%20%281%29.jpg.webp?itok=8wWXHyWI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HSaTjAtPISGoYoJMGPujwOC4TOU0xJpCxDmpRSIBvc94v0l_De8T-XgPsVK83y89ScYt6-eZNtkkH79PtvjpCPcPTj7rf-KLgRq0T-XLWZmYpv2ZBFKC7VkZUaOqa-DgPz2JB57ZYQ8qfZZWf2ouSpGZooyHwCrLOuSfjGM47wAu0fXuAiBcRoKuGuk__yv3%20%281%29.jpg.webp?itok=GGyp2cTN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
