بعد تجدد التوتر بين السودان وإثيوبيا.. ما السيناريوهات المحتملة للأزمة؟

بعد تجدد التوتر بين السودان وإثيوبيا.. ما السيناريوهات المحتملة للأزمة؟


04/07/2022

شهد الأسبوع الماضي تصعيداً حاداً بين السودان وإثيوبيا في منطقة الفشقة الحدودية بين الدولتين، وسط تحذيرات دولية مكثفة من احتمال اندلاع الحرب بينهما، إذا فشلت جهود التهدئة من جانب الاتحاد الأفريقي والقوى الدولية التي تسعى في الوقت الراهن لإحلال هُدنة في أقرب وقت، وتجنب احتمالات التصعيد.

الصراع الذي تعود جذوره إلى ما قبل عقدين؛ بسبب الخلاف حول ترسيم الحدود بين الجارتين الأفريقيتين، عاد إلى الاشتعال مجدداً خلال الأسبوع الماضي، إثر إعلان أديس أبابا إعدام مدني و(7) جنود سودانيين والتمثيل بجثثهم أمام العامة، الأمر الذي جعل الجيش السوداني يتوعد بالرد عليه بـ"شكل قاسٍ".

وفي بيان له عشية عملية الإعدام، وصف الجيش السوداني ما أقدمت عليه إثيوبيا بأنّه "عمل يخالف كافة القوانين والأعراف الخاصة بالحرب، وكذلك القانون الإنساني الدولي"، متهماً الجيش الإثيوبي بـ "عرض جثث من أعدموا أمام الجمهور"، وتعهّد بـ "الرد بأسلوب مناسب على هذا العمل الجبان، فالدم السوداني غالٍ"، بحسب البيان.

ومن جهته، قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان: إنّ "الرد على مقتل الجنود في منطقة الفشقة سيكون واقعاً ملموساً على الأرض".

وأكد البرهان، بحسب تصريحات نقلتها مواقع سودانية لدى زيارته لمنطقة الفشقة، أنّ "دماء الشهداء لن تضيع سدى، والرد سيكون واقعاً ملموساً على الأرض، وأنّ ما جرى من أحداث خلال الأيام الماضية بمنطقة الأسرة لن يتكرر مرة أخرى"، موجهاً بـ"عدم السماح بأي تحركات أو تعديات جديدة على الأراضي السودانية والمواطنين حتى خط الحدود الدولية".

الفريق عبد الفتاح البرهان: الرد على مقتل الجنود في منطقة الفشقة سيكون واقعاً ملموساً على الأرض

وفي المقابل، قالت الخارجية الإثيوبية: إنّ "الحادثة وقعت داخل أراضيها بعد توغل وحدة من الجيش النظامي السوداني تدعمها عناصر إرهابية من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، مشيرة إلى أنّ "الخسائر في الأرواح نتجت عن المناوشات بين الجيش السوداني وميليشيا محلية سيُجرى التحقيق بشأنها قريباً"، وفق موقع "بي بي سي عربي".

وبحسب أديس أبابا، فإنّ الحادث "تم اختلاقه عمداً لتقويض العلاقات العميقة الجذور بين الشعبيين الإثيوبي والسوداني، علاوة على ذلك، إنّ الهدف من الحادثة هو عرقلة إثيوبيا من طريقها نحو السلام والتنمية".

 

منى عبد الفتاح: دخول إثيوبيا في حرب مع السودان سيكون أكثر تكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بالنظر إلى حربها الدائرة مع جبهة تحرير تيجراي

 

ومن جانبه، دعا الاتحاد الأفريقي كلاً من السودان وإثيوبيا إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس والدخول في "حوار".

وأعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد عن "القلق البالغ من زيادة التوتر بين الجانبين، وقال في بيان: إنّه "يشعر بالأسف الشديد للخسائر في الأرواح على حدودهما المشتركة".

هل الحرب خيار متاح أمام الدولتين؟

بالرغم من المناوشات الجارية بين الجيشين السوداني والإثيوبي، وتصاعد لهجة العداء والتلويح المستمر باحتمال وقوع صراع عسكري قريب، إلا أنّ الآراء التحليلية متفاوتة حول هذا الخيار.

ويرى الخبراء أنّ هذا السيناريو يرتبط باحتمالات التصعيد المتبادل بين الدولتين في الملفات الخلافية، وأهمها القرار الإثيوبي بالملء الثالث لسد النهضة، والذي ترفضه السودان بشكل قاطع، فضلاً عن الأزمات السياسية والاقتصادية المتفاقمة داخلياً والتي تمثل، وفق الخبراء، دوافع متنامية لخوض الحرب. 

ورأى المحلل في مؤسسة "فيريسك مابلكروفت" بن هانتر، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، أنّ البلدين يواجهان مشكلات داخلية كبيرة، و"الاشتباكات المتفرقة مثل هذه تسمح للنظامين بتعبئة المشاعر الوطنية"، بحسب "إندبندنت عربية".

أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد عن القلق البالغ من زيادة التوتر بين الجانبين

وأكد بن هانتر أنّ "حرب الحدود لا تخدم المصلحة الإستراتيجية للخرطوم أو أديس أبابا"، لكنّه يرى أنّ الصراع قد يحتدم بين الدولتين إذا ما أقدمت إثيوبيا على الملء الثالث لسد النهضة في آب (أغسطس) المقبل، وهو الأمر الذي ترفضه الخرطوم بشكل قاطع، وسوف يتسبب في أزمات داخلية لا حصر لها.

(4) محددات لفهم مآلات الصراع الراهن

الكاتبة الصحفية والباحثة في العلوم السياسية بجامعة الخرطوم منى عبد الفتاح تحدثت عن عدد من المحددات التي تؤثر بشكل كبير على حدود الصراع بين الدولتين، وركزت في تحليل كتبته لموقع "إندبندنت عربية"، حول دلالات التصعيد على الحدود السودانية الإثيوبية في الوقت الراهن، على الضغوط الداخلية والصراع القبلي في الدولتين باعتباره أحد أهم عوامل تغذية الصراع.

وبحسب عبد الفتاح: "تعهد رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان بأنّ بلاده ليست لديها نية لخوض حرب مع إثيوبيا، ثم تعهد خلال زيارة إلى الفشقة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 بأنّ بلاده لن تتنازل عن "شبر واحد" من أراضيها، وفي المقابل استبعد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في وقت سابق دخول بلاده في حرب شاملة مع السودان".

 

منى عبد الفتاح: هناك احتمال استجابة السودان لضغوط بعض الأصوات الداخلية بتقنين الوجود الإثيوبي الكثيف في مدن السودان، إضافة إلى إيقاف تدفق اللاجئين من حرب تيجراي

 

وبالتالي، فإنّ هناك عوامل أخرى غير هذه التطمينات التي قد تتغير بتغير الظروف، يجب الانتباه إليها لتحديد مآلات الصراع، أوّلها بحسب الكاتبة السودانية هو "أنّ دخول إثيوبيا في حرب مع السودان سيكون أكثر تكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بالنظر إلى حربها الدائرة مع جبهة تحرير تيجراي".

وثانياً: "إنّ خصومة إثيوبيا مع السودان في هذا الوقت ستدفع بالخرطوم إلى إيواء ودعم زعماء "جبهة تحرير تيجراي".

وثالثاً: ترى عبد الفتاح أنّ "هناك احتمالاً لاستجابة السودان لضغوط بعض الأصوات الداخلية بتقنين الوجود الإثيوبي الكثيف في مدن السودان، ومنها القضارف وبورتسودان وكسلا والدمازين ومدني والخرطوم، إضافة إلى إيقاف تدفق اللاجئين من حرب التيجراي، ومنهم حتى الآن نحو (90) ألف لاجئ إثيوبي في مراكز اللاجئين بمعسكرات حمداييت في شرق السودان".

استبعد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في وقت سابق دخول بلاده في حرب شاملة مع السودان

وترى الكاتبة السودانية أنّ "الوضع السياسي والاقتصادي المتردي في السودان يحول دون صرف الانتباه عنه نحو الدخول في حرب مع إثيوبيا، وربما تكتفي قيادة الجيش السوداني بالدعم والتضامن الذي وجدته من المواطنين والأحزاب السياسية منذ إعلان مقتل الجنود، ممّا أجهض تصور الحكومة الإثيوبية بوجود انقسام حول الجيش ودوره في الحكومة الانتقالية في السودان، ولن تغامر القيادة بإهداره بقفزة في الظلام".

هل يمكن أن تفضي الأزمة إلى تفاهمات؟

لا يتوقع المراقبون أن تفضي الأزمة الراهنة بين السودان وإثيوبيا إلى تفاهمات أو انفراجة قريبة، بالرغم من المحاولات الدولية والإقليمية لتحقيق ذلك، وترجح غالبية الآراء استمرار الوضع القائم وحالة التجاذب، القابلة للانفجار بأي لحظة دون حل نهائي، خاصة أنّ الملفات الخلافية بين البلدين، وأبرزها النزاع الحدودي وسد النهضة، ما تزال قائمة وقابلة للاشتعال في حال حدوث خطوة تصعيدية من جانب أي طرف.

مواضيع ذات صلة:

مباحثات غير رسمية بين العسكريين والمدنيين: هل تُخرج السودان من أزمته؟

الصراع يتجدد في جنوب السودان... ما أبرز السيناريوهات المتوقعة؟

تحذيرات من عودة الإخوان للسلطة في السودان.. ما آخر تحركاتهم؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية