الشيشة أو الأرجيلة: أول من اخترعها كان طبيباً!

645
عدد القراءات

2018-07-08

لا يمكن لجلسات المقاهي والسهرات أن تكتمل، لدى البعض، دون صوت القرقعة المُمَيز الصادر عن النراجيل (الشيشة)، والتي يزداد انتشارها اليوم حول العالم، وإن بقيت أكثر ارتباطاً بمناطق الشرق الأوسط والهند، والتي كانت مَهد نشأتها وتطورها إلى الشكل الذي هي عليه اليوم.
الجَبَق.. وسيلة التدخين الأولى
يُعتبر التبغ من أكثر المواد إدماناً حول العالم، ولا يقتصر تدخينه على طريقة واحدة بعينها؛ فهناك من يدخّنه في لفائف السجائر، أو السيجار، أو بواسطة الغليون، أو بواسطة "الأرجيلة"، وإذا كان السُّكان الأصليون في القارّة الأمريكية هم أول من دخّن التبغ، فإنّ مناطق الشرق الأوسط والهند يعود لها الفضل الأكبر في تطوير أساليب تدخينه، وإليها بالتحديد يعود تطوير الشيشة.

اقرأ أيضاً: المقاهي الثقافية في العالم: فضاءات موازية خارج التقليد
في البداية اقتصر اكتشاف التبغ وتدخينه على السُّكان الأصليين في الأمريكتين؛ حيث كانوا يقومون بذلك من خلال تدخينه بواسطة أنبوب طويل، في مناسبات دينية واحتفالات خاصّة، وبعد أن اكتشفه الأوروبيون، مع اكتشاف كولومبوس لأمريكا، وعودة البحارة به إلى أوروبا بحدود العام 1500، بدأ بعد ذلك بالانتشار تدريجياً في أرجاء القارّة، وبحلول العام  1600 كان التدخين عادة منتشرة في أغلب أنحاء القارّة وبلدانها، وكان الاعتقاد السائد آنذاك بأنه "ذو فوائد" عديدة للصحّة.

الأنابيب التي كان يستعملها الأمريكيون الأصليون في التدخين خلال المناسبات والاحتفالات

أقدم رسم لأوروبي يدخّن بواسطة الأنبوب.. يعود إلى العام 1595

رسم يصوّر جلسة خاصة لمدخنين أوروبيين في العام 1859

لم يُحدث الأوروبيون في شكل وسيلة تدخين التبغ تطويرات جوهرية، حيث بقوا معتمدين على الأنبوب الطويل، والذي أخذوا يجرون تعديلات وتطويرات شكليّة عليه، ليستقر لاحقاً على شكل الغليون، كما هو معروف اليوم، في حين تأخر ظهور لفائف التبغ (السجائر)، والسيجار، حتى القرن التاسع عشر. وقد وصل التبغ لاحقاً إلى ولايات الدولة العثمانية، منذ مطلع القرن السابع عشر، وكان يُدخّن أيضاً بواسطة الأنبوب الطويل، والذي عُرف فيها بالاسم التركي "الجَبَق"، والذي اشتهر بأنبوبه بالغ الطول، وأحياناً كان يتم تناوله مَضغاً، وقد أثار منذ دخوله بلاد المسلمين جدلاً بين الفقهاء؛ ما بين محرّم ومحلّ له، ويذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في حوادث العام 1743 أنّ "الوالي العثماني أمر بمنع التدخين وعاقب المدخنين"!

مدخنو الجبق في أحد مقاهي اسطنبول في رسم يعود للعام 1838

امرأة بدوية من شرقي الأردن تدخن الجبق (أواخر القرن التاسع عشر)

الهوكا.. الدخان يمرّ عبر الماء!
وصل التبغ إلى الهند مع الرهبان اليسوعيين بحدود العام 1600، وسرعان ما أخذ ينتشر بين أفراد الطبقات العليا والحُكّام، وتزامن ذلك مع آخر سنوات السلطان المغولي "أكبر" الذي حكم الهند خمسين عاماً (1556 - 1605)، وكان في بلاطه الطبيب والحكيم الشهير "عبد الفتح الجيلاني" والذي خَشِيَ على صحته من التدخين، فأراد أن يخفف مضارّه من خلال ابتكار فكرة تمرير الدخان في الماء؛ ظناً منه أنّ الماء سيعمل على تنقية الدخان من المواد المضرّة، ليكون بذلك أول مخترع للأرجيلة، أو "الهوكا" كما أسماها الهنود منذ ذلك الحين، وهو الاسم الذي اعتمده الغربيون لتسميتها في لغاتهم، ولا يزال كذلك حتى يومنا هذا.

السُّكان الأصليون في القارّة الأمريكية هم أول من دخّن التبغ وسكان  الشرق الأوسط والهند تطوروا أساليب تدخينه

انتشرت الهوكا بين الطبقات النبيلة والعُليا في الهند، وكانت تتكون من حبة جوز هند مُفرَغة مملوءة بالماء، يتم ثقبها ثقبين: واحد يخصص للأنبوب الذي يتم سحب الدخان بواسطته، والآخر للأنبوب الذي يوضع فيه التبغ والفحم. وانتقلت الهوكا من شمال الهند إلى بلاد فارس، وهناك عرفت باسم "النارجيلة" وهي الكلمة الفارسية التي تطلق على حبة جوز الهند، ومنها انتقلت إلى ولايات الدولة العثمانية والتي انتشرت عبرها إلى مختلف أنحاء العالم لاحقاً. ومن الاسم "نارجيلة" اشتق الاسم "نرجيلة"، وهو الاسم الذي اعتمد لها في اللغة العربية، كما في المعجم الوسيط. وقد عُرفت النارجيلة في مصر بـ "الجوزة" في ترجمة حرفية لها للعربية، ولا يزال يطلق هذا الاسم إلى اليوم في مصر على الأرجيلة الشعبية، غير المصنوعة من الزجاج.

الهوكا (الجوزة) التي كان يستخدمها السُلطان "جهانكير" خليفة السلطان "أكبر" وحاكم الهند في الفترة 1605 - 1627

الشيشة.. فقاعات الماء مرئية ومسموعة
قام الفُرس بإحداث تطويرات مهمة على النارجيلة؛ حيث عَمَدوا إلى استبدال حبة جوزة الهند بالزجاج؛ حتى يتسنّى لهم رؤية فقاعات الماء وعدم الاكتفاء فقط بسماع صوتها، ومنذ ذلك الحين بدأ يُطلق عليها اسم الـ "شيشة"، وهي كلمة فارسية تعني: الزجاج، وهو الاسم الدارج اليوم في مصر للأرجيلة، ومنها اشتق الفعل "يشيّش"، كما قام الفرس باستبدال الأنبوب الثابت (القصبة) بأنبوب مرن ملتوي اسمه "ناربيش" بالفارسية، وهي كلمة تعني "الحيّة المُفرَغَة"، والتي أصبحت بالعربية "بربيش" (الخرطوم)، واشتهرت مدينة شيراز خصوصاً بصناعة النرجيلات الزجاجية الأنيقة.

صورة للشاه الفارسي "كريم خان" وهو يدخن الشيشة في البلاط الملكي بشيراز - عام 1755

من الصناعة إلى الفن
أتاح استخدام الزجاج للحرفيين إمكانية التفنن في صناعة النارجيلة، فبدأوا باستخدام الفضة والنحاس والزخارف، وقد اشتهرت أسواق خاصّة بصناعة وزخرفة الأرجيلة، كحارة اليمني في جدّة، وسوق الحميدية في دمشق، وخان الخليلي في القاهرة. ويشير الشاعر بطرس كرامة، في نصّ له يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى أنّ الأستانة (اسطنبول) اشتهرت بصناعة النرجيلة من النحاس، وأحياناً النحاس المخلوط بالفضة، أما الدمشقيون فقد استخدموا خشب المشمش المرصّع باللولو والأسلاك المعدنية.

اقرأ أيضاً: كان حراماً.. القهوة "معصية" أعانت على قيام الليل وأيقظت النعاس!
وقد ترافق ذلك مع انتشار الشيشة في مدن الشرق خلال القرن التاسع عشر، حيث تكاثرت أعداد المقاهي المخصصة لها، ويذكر الرحالة المصري عبد الرحمن سامي في رحلة له إلى دمشق في العام 1890 أنه شاهد في دمشق "أكثر من 120 مقهى، يكثّر فيها عشاق الأركيلة"، لتصبح بذلك رمزاً شرقياً، وهو ما عبر عنه الفنانون المستشرقون، حيث تظهر بكثرة في لوحاتهم.

تدخين الشيشة في أحد مقاهي اسطنبول عام 1905

لوحة من العام 1871 للفنان كارل فيرنر يصوّر فيها أحد المقاهي في القاهرة المخصصة لتدخين الشيشة

أنواع خاصة من التبغ
ولم تتوقف تطويرات الأرجيلة عند الزجاج والبربيش والزخرفة، وإنما ظهرت أنواع تبغ خاصّة بها، كالتنباك وهو التبغ الفارسي، وفيه خليط من البذور والأعشاب منها التبغ، والمعسّل، وهو التبغ ذو النكهة، والذي تعود قصة اختراعه إلى مصادفة طريفة وقعت لأحد التجار، وذلك حين حاول إنقاذ شحنة التبغ بعد وقوعها على ظهر سفينة أثناء شحنها وامتزاجها بعسل منسكب؛ حيث حاول تجفيفها، ولكنه لم ينجح بإشعالها، فقرر وضعها واستخدامها في الأرجيلة، لتبدأ منذ تلك التجرية فكرة التبغ بالنكهات أو ما عُرف لاحقاً بالمعسّل.
الأرجيلة في الثقافة الشعبية
ورغم كل ما يؤكده الأطباء والأبحاث العلمية من ثبوت المضار الناجمة عن تدخين الأرجيلة، تنتشر الأرجيلة بشكل متسارع خلال العقود الأخيرة في الدول العربية؛ حيث يشيع بين المدخنين اعتقاد أنّها تمنح المدخّن التركيز، وفي ذلك يقول فيها الأديب جمال الغيطاني: "صديق يساعد على التركيز واقتناص شوارد الفكر من هنا وهناك…"، كما يسود الاعتقاد بقدرتها على تفريغ الهموم والتنفيس عن المدخّن، حيث يشعر بخروج الهموم مع كل نفس، وتعبر عن ذلك المقولة المنتشرة: "دخّن عليها تنجلي".

تنتشر الأرجيلة اليوم بين الشباب العربي بشكل واسع

واليوم أضحت الأرجيلة، رغم مضارها الصحية، رفيق كثيرين في السهرات والجلسات المسائية، سيما مع انتشار المقاهي المتخصصة فيها، وصار لها ألوان وأشكال ونكهات لا حصر لها، وكانت "الأرجيلة الإلكترونية" أحدث أنواعها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: