
لم يعد تنظيم "داعش" يعتمد، في أعقاب خسارته معظم معاقله الجغرافية، على نمط الحرب المفتوحة أو السعي إلى الاحتفاظ بأراضٍ واسعة لفترات طويلة. وبدلًا من ذلك، أعاد خلال النصف الأول من عام 2026 تكييف أدواته القتالية مع بيئات أمنية هشة ومفتوحة، تقوم على استنزاف الخصوم وإرباكهم بأقلّ قدر ممكن من الموارد. وقد برزت حرب العصابات والهجمات المباغتة والعمليات محدودة النطاق كأدوات أكثر ملاءمة لطبيعة المرحلة، إلى جانب التفجيرات والاغتيالات والهجمات التي تستهدف تجمعات مدنية. ويعكس هذا التحول انتقالًا من استراتيجية تقوم على السيطرة المكانية إلى أخرى تركز على إبقاء الخصم في حالة استنزاف دائم، وإثبات قدرة التنظيم على الوصول إلى أهدافه رغم الضغوط الأمنية والعسكرية. فالهجوم لا يُقاس، وفق هذا النمط، بقدرته على الاحتفاظ بالأرض، وإنّما بما يسببه من خسائر واضطراب، وبقدرته على فرض كلفة أمنية وسياسية متواصلة على الحكومات والقوات التي يواجهها.
الطائرات المُسيّرة والاغتيالات... أدوات المرحلة الجديدة
يأتي استخدام الطائرات المُسيّرة في مقدمة الأدوات التي طورها التنظيم خلال الفترة الأخيرة. فقد توسع الاعتماد عليها في استهداف المواقع العسكرية والأمنية، فضلًا عن استخدامها في مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، بما يمنح الخلايا المسلحة قدرة أكبر على مراقبة أهدافها وتحسين فرص تنفيذ الهجمات. وتبرز في هذا السياق العملية التي وقعت في النيجر في كانون الثاني/يناير 2026، واستهدفت قاعدة جوية تابعة للجيش قرب مطار نيامي، والتي قدمها التنظيم في دعايته تحت اسم "غزوة مطار نيامي". وتؤشر العملية الإرهابية إلى توجه نحو تنفيذ هجمات أكثر اتساعًا ضد منشآت ذات أهمية عسكرية وأمنية، مع الاستفادة من أدوات تسمح بإلحاق أضرار من دون الدخول في مواجهة مباشرة وطويلة مع القوات الحكومية.
إلى جانب الهجمات التفجيرية، حافظ "داعش" على نمط آخر يقوم على استهداف الأفراد، ولا سيّما عناصر الأمن والجيش والمسؤولين المحليين. ويهدف هذا الأسلوب إلى إضعاف الأجهزة الأمنية وخلق شعور دائم بعدم الأمان، فضلًا عن اختبار قدرة السلطات على حماية عناصرها ومؤسساتها. ففي سوريا أعلنت وزارة الداخلية في كانون الثاني/يناير 2026 توقيف خلية مرتبطة بالتنظيم اتُهمت بتنفيذ هجمات وعمليات اغتيال. وتبنّى التنظيم هجمات استهدفت عناصر من القوات السورية في الميادين بمحافظة دير الزور والرقة مستخدمًا أسلحة فردية، في ما قدمه باعتباره جزءًا من مرحلة جديدة من نشاطه ضد السلطات السورية.
هذا المسار له أهمية خاصة وقصوى في ظل البيئة الأمنية الانتقالية التي تعيشها سوريا، إذ يوفر ضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق ومساحات الفراغ المؤسسي فرصًا أمام الخلايا المسلحة لإعادة بناء شبكاتها والتحرك بصورة أكثر مرونة. وتزامن ذلك مع تصعيد واضح في خطاب التنظيم تجاه القيادة السورية الجديدة. فقد لجأ "داعش" إلى أدواته الدعائية لاتهام السلطات الجديدة بالارتباط بقوى خارجية، والدعوة إلى تكثيف الهجمات ضدها، ونشطت حسابات وقنوات مؤيدة له على تطبيقات ومنصات التواصل في الترويج لعمليات تستند إلى أدوات بسيطة، مثل الأسلحة الفردية والدراجات النارية.
ولا تبدو هذه العمليات منفصلة عن استراتيجية التنظيم الأوسع؛ إذ إنّ استهداف العناصر الأمنية والمسؤولين لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر بشرية، وإنّما إلى اختبار تماسك المؤسسات الجديدة وإبقاء البيئة السياسية والأمنية في حالة ضغط مستمر. ويضاف إلى ذلك استمرار الهجمات التي تطال المدنيين والمنشآت الاقتصادية، خصوصًا في المناطق التي يتمتع فيها التنظيم أو فروعه بقدرة أكبر على الحركة.
الاقتصاد والمدنيون... توسع في قائمة الأهداف
وبالعودة إلى الدراسة المنشورة في مركز "تريندز"، فقد ألمحت الباحثة إلى هجوم نفذه فرع "داعش" في وسط أفريقيا ضد موقع تعدين تديره شركة صينية في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال آذار/مارس 2026، بالتزامن مع استهداف سكان محليين. وتبنّى التنظيم العملية في بيانات دعائية، ونشر لاحقًا مواد مصورة للهجوم، في محاولة لإبراز قدرته على ضرب مواقع اقتصادية وأمنية والاستيلاء على معدات وأسلحة. وتكشف هذه العمليات عن توسع مفهوم الهدف بالنسبة إلى التنظيم، بحيث لا يقتصر على المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يشمل المنشآت الاقتصادية والمشروعات الاستثمارية والسكان المدنيين. استهداف هذه المواقع يمنح التنظيم قدرة على إحداث تأثير يتجاوز الخسائر المباشرة، من خلال تهديد النشاط الاقتصادي ورفع المخاطر أمام الشركات العاملة في مناطق النزاع.
وعلى خلاف المرحلة التي سعى خلالها "داعش" إلى إقامة سلطة إقليمية مستقرة، تبدو سيطرته الحالية على بعض المناطق تكتيكية ومؤقتة أكثر منها مشروعًا للسيطرة الدائمة. فقد بات التنظيم يميل إلى اقتحام مناطق محددة، وفرض وجوده لفترة قصيرة، وتنفيذ عمليات أو إظهار قدرته على إدارة بعض جوانب الحياة المحلية، قبل الانسحاب لتجنب الدخول في مواجهة طويلة مع القوات الحكومية. ويمنح هذا الأسلوب التنظيم قدرًا أكبر من المرونة؛ فيستطيع التحرك بين مناطق متعددة بدلًا من استنزاف موارده في الدفاع عن مواقع ثابتة. ويسمح له باستغلال المساحات التي تضعف فيها سلطة الدولة، خصوصًا في مناطق الساحل ووسط أفريقيا، حيث تتداخل الحدود الواسعة مع ضعف البنية الأمنية ووعورة التضاريس.
الدعاية والبيئات الهشة... قوة التنظيم في الحركة لا في الأرض
ولا تنفصل هذه العمليات عن الحرب النفسية والدعاية التي تشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجية التنظيم. فتوثيق الهجمات والاغتيالات والمواجهات ونشر صورها على المنصات التابعة له أو المؤيدة له يؤدي وظيفة تتجاوز الترويج العسكري، إذ يهدف إلى ترسيخ صورة تنظيم قادر على المبادرة والتحرك، حتى في ظل تراجع قوته مقارنة بمرحلة سيطرته الإقليمية. ومن هنا تصبح قيمة العملية بالنسبة إلى تنظيم "داعش" مرتبطة أيضًا بقدرته على إنتاج أثر دعائي ونفسي؛ فهجوم محدود قد يتحول، عبر الدعاية، إلى رسالة موجهة إلى الخصوم والأنصار على حد سواء، مفادها أنّ التنظيم ما يزال قادرًا على الوصول إلى أهدافه وتنفيذ عمليات في مناطق تخضع اسميًا لسيطرة الدولة.
ويبدو أنّ هذا النموذج يجد أفضل ظروفه في البيئات التي تتسم بضعف مؤسسات الدولة واتساع المساحات الخارجة عن السيطرة الأمنية. ففي الساحل ووسط أفريقيا، على وجه الخصوص، يستفيد التنظيم وفروعه من الجغرافيا المفتوحة، وضعف الانتشار الحكومي، والنزاعات المحلية، وتراجع القدرة على مراقبة الحدود. وتسمح هذه العوامل للخلايا المسلحة بالتحرك بين المناطق، وتغيير مواقعها بسرعة، والاعتماد على شبكات محلية توفر لها قدرًا من الدعم اللوجستي والبشري. وتجعل ملاحقتها أكثر صعوبة، خصوصًا عندما لا تكون لدى القوات الحكومية القدرة على الاحتفاظ بالأراضي التي تستعيد السيطرة عليها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

