"معطف غوغول"... سردية الظل التي خلدت حياة المهمشين

"معطف غوغول"... سردية الظل التي خلدت حياة المهمشين

"معطف غوغول"... سردية الظل التي خلدت حياة المهمشين


03/08/2026

رواية "المعطف" لنيقولاي غوغول واحدة من روائع الأدب العالمي. قال عنها فيودور دوستويفسكي عبارته الشهيرة: "لقد خرج الأدب الروسي كله من معطف غوغول." والحقيقة أننا، في هذا العمل، لسنا أمام قصة قصيرة فحسب، بل أمام رمز أدبي يُلخص جانبًا من الحالة الإنسانية بأقصى درجات العمق والكثافة. فعلى الرغم من أنّ صفحاتها لا تتجاوز الثلاثين، فإنّها تقدّم برهانًا على أنّ الأدب الحقيقي لا يُقاس بعدد صفحاته، بل بقدرته على ملامسة النفس الإنسانية. لقد استطاع غوغول، من خلال مشهد يبدو عابرًا في حياة موظف بسيط، أن يكتب عملًا ظل يؤثر في أجيال من القراء والكُتّاب حول العالم.

فمن هو نيقولاي غوغول، صاحب هذه التحفة الأدبية؟

وُلد غوغول في نيسان/أبريل عام 1809 في بلدة سوروتشينتسي بإقليم بولتافا، وهي اليوم جزء من أوكرانيا، وكانت آنذاك تابعة للإمبراطورية الروسية. ولهذا ظل اسمه، حتى اليوم، محل جدل ثقافي بين روسيا وأوكرانيا، إذ تعدّه كل منهما أحد أبرز رموزها الأدبية.

نشأ غوغول في أسرة متوسطة الحال، وكان والده كاتبًا مسرحيًا هاويًا يكتب باللغة الأوكرانية، ويُرجح أنّ هذا الجو الأدبي المبكر هو الذي غرس فيه شغف الأدب والمسرح. وعندما انتقل إلى سانت بطرسبرغ وهو شاب، اصطدم بواقع قاسٍ؛ فعانى الفقر، وفشل في بداياته في الحصول على وظيفة مستقرة أو تحقيق شهرة أدبية، قبل أن ينجح لاحقًا في فرض اسمه كواحد من أعظم كتّاب القرن التاسع عشر.

حياة الظل وسردية الهامش

لم يكن غوغول مجرد كاتب موهوب، بل كان من أوائل الكتّاب الذين جعلوا المهمشين محور رواياته. سبقه ولحقه آخرون، لكن ظلّ معطف أكاكي أكاكيفيتش رمزًا للمواطن العالمي المهمش والبسيط. كان أكاكي، بطل رواية "المعطف"، موظفًا بسيطًا وفقيرًا يعمل ناسخًا في إحدى الدوائر الحكومية. وكانت صفاته النفسية، التي تجمع بين الطيبة والسذاجة، ومعطفه المهترئ، فرصة للموظفين لأن يجعلوه نكتتهم اليومية. حتى ذلك النوع من السخرية الذي يصل إلى إلقاء قصاصات الورق عليه، ودفع يده أثناء الكتابة حتى يُخطئ؛ كان أكاكي مثالًا لإنسان استهتر به زملاؤه ومجتمعه، وفيما بعد الحياة كلها.

نيقولاي غوغول

لم يتزوج أكاكي قط، وليس له حياة عاطفية أو اجتماعية. لم يكن له غير أوراقه ونصوصه التي ينسخها، ومعطفه البالي الذي لم يستطع أن يصمد، بعد كل هذه السنوات، أمام صقيع سانت بطرسبرغ. ومن هنا بدأت مأساة أكاكي، التي كشفت عن مآسي البيروقراطية الروسية، والفوارق الاجتماعية، وأحلام المهمشين في كل مكان في العالم.

كانت حقيقة أنّ المعطف انتهى صاعقة على أكاكي، فقد أخبره الخياط بتروفيتش أنّ أنسجته لن تحتمل مرور الإبرة، وأنّ عليه تفصيل معطف جديد. وكان ذلك وحده كافيًا لإغراق ذلك الموظف المحروم من كل متع الحياة في الحزن والحيرة.

وبعد تفكير طويل، تكشف لأكاكي أنّ حلم المعطف الجديد لن يتحقق إلا إذا قلل وجوده في الحياة، وأصبح أقلّ تطلبًا. نعم، أكاكي، الذي يشبه آلافًا ممّن يولدون ويموتون دون أن يسمع أو يتأثر بهم أحد، اتخذ قراره بأن يخفف الوطء على الأرض، حرفيًا، حتى لا يحتاج إلى نعل جديد، ويمتنع عن شرب الشاي، مسرته الوحيدة، ولا يأكل وجبة العشاء، ولا ينير شمعة المساء.

استمر أكاكي مجاهدًا بهذه الطريقة المؤلمة، حتى صار حلم امتلاك المعطف جزءًا من وجوده، بل وجوده كله، فقد أصبح له هدفًا يعيش من أجله ويحارب رغباته البسيطة للحصول عليه. وقد تحقق هذا الحلم أخيرًا.

ما حدث بعد ذلك، نتركه للقارئ حتى لا نحرق عليه المتعة المؤلمة في قراءة هذه القصة. لكن لا يمكننا أن نمر مرور الكرام على معنى المعطف ودلالاته، حيث حمله الكاتب معنى الكرامة الإنسانية، ومعنى الحلم. ولكن لماذا يصبح شيء بسيط كهذا هو المعنى الكامل لحياة إنسان؟ وكيف يُحترم أكاكي أو يُنزع منه الاحترام بناءً على قطعة القماش تلك؟!

الاشتباك مع مفردات عالم بلا رحمة

لم يكن غوغول ينتقد نظامًا إداريًا وقسوة مجتمع وحسب، وإنّما كان يناقش البيروقراطية منزوعة القلب، والخالية من الإنسانية، التي حولت حياة كثير من البشر إلى دورة حياة لتروس داخل آلات ضخمة، حيث لا معنى لقيمة الإنسان بشخصه، وإنّما تكمن القيمة في قدرته على الإنتاج.

وناقش كذلك الفقر، الذي، بالمناسبة، ليس فيه أيّ جمال أو بطولة، وإنّما هو سلب لحياة الناس، واستهلاك لقواهم من أجل توفير أساسيات الحياة. كم من حياة على هذه الأرض كان يمكن أن تصبح حياة عظيمة، لولا أنّ الفقر أعماها عن الترقي، وحاصرها في الركض خلف رغيف الخبز!

وما يلفت أيضًا أنّ غوغول حوّل موظفًا بسيطًا إلى بطل، ليس في قصة، وإنّما في حياة حقيقية حولنا نعيشها. فليست البطولة الروائية حكرًا على الجميلين أو المتحققين أو الفرسان. فقد كان أكاكي فارسًا على طريقته، إذ منح غوغول البطولة لرجل مهمش يشبه الكثير من عامة الناس.

كذلك، فإنّ حالة السخرية التي عاناها أكاكي من محيطه العملي تكشف أنّ العنف ليس بالضرورة الإيذاء البدني، وإنّما، أحيانًا، يكون لإيذاء الروح وقع أشد على الإنسان. ولعل غوغول من أوائل من التفتوا إلى هذا النوع من الإيذاء، الذي لا يسيل الدماء، وإنّما يستنزف كرامة الإنسان.

عاشت رواية "المعطف"، وستعيش لسنوات طويلة قادمة؛ لأنّ الإنسان المهمش سيظل موجودًا دائمًا، ولأنّ اللّامرئيين في هذا العالم كثر، وسيظل هناك من يحلم بمعطف، لا لأنّه يريد قطعة قماش، وإنّما للاعتراف بإنسانيته.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية