غزة... السرطان والحرب يبددان طموحات أكاديمية تنتظر العلاج

غزة... السرطان والحرب يبددان طموحات أكاديمية تنتظر العلاج

غزة... السرطان والحرب يبددان طموحات أكاديمية تنتظر العلاج


29/07/2026

لم تكن الشابة نسمة مهدي (34 عاماً) تتخيل أنّ رحلتها للحصول على درجة الماجستير ستتوقف عند أبواب مستشفى يفتقر إلى الدواء، وأن يتحول حلمها الأكاديمي إلى معركة يومية للبقاء على قيد الحياة.

فبعد سنوات من الدراسة والتخطيط لمستقبل مهني في مجال التعليم، وجدت نفسها تواجه مرض السرطان وسط حرب دمرت المستشفيات وأغلقت أبواب العلاج خارج قطاع غزة.

وتجلس نسمة داخل خيمة نزوح بحي النصر غرب مدينة غزة، تحيط بها كتب جامعية غطاها الغبار، وتضع بجوارها ملفاً طبياً أصبح أثقل من رسالتها الجامعية. 

وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى وجود نحو 4100 مريض سرطان في قطاع غزة، مع نقص حاد في الأدوية الخاصة بعلاج الأورام وصل إلى نحو 61%، ممّا يهدد انتظام البروتوكولات العلاجية. 

ووفق الوزارة، كان مرضى السرطان في غزة قبل الحرب يعتمدون بدرجة كبيرة على العلاج خارج القطاع، إذ كان 50 ـ 60% من مرضى السرطان يحتاجون إلى السفر للحصول على خدمات غير متوفرة محليّاً مثل العلاج الإشعاعي وفحوصات متقدمة وعلاجات كيميائية متخصصة.

وتظهر بيانات وزارة الصحة أنّ مرضى الأورام كانوا من بين أكثر الفئات حاجة للتحويلات الطبية خارج مرافق الوزارة، إذ شكّلت حالات الأورام النسبة الكبرى من إحالات شراء الخدمات الطبية الخارجية. 

وفي دراسة عن أطفال غزة المصابين بالسرطان، رُصدت حالات تأخر في التحويل والعلاج تراوحت بين 3و4 أشهر، وكان لهذا التأخير أثر على الحالة الصحية والنفسية للأطفال المرضى.

ووفق منظمة الصحة العالمية أدى تدمير وتعطل المرافق المتخصصة إلى صعوبات كبيرة أمام مرضى السرطان، وكان من بينهم آلاف المرضى الذين فقدوا إمكانية الوصول المنتظم للعلاج، وأُجلي عدد محدود فقط من المرضى للعلاج خارج غزة. 

شهادة تنتظر النجاة

تقول نسمة بصوت متعب: "كنت أعدّ الأيام لمناقشة رسالتي، لكنني اليوم أعدّ الأيام التي أستطيع فيها الحصول على جرعة دواء أو مسكن يخفف الألم".

وتضيف: "اكتشفت إصابتي بسرطان الثدي قبل الحرب بأشهر قليلة، أخبرني الأطباء أنّ فرص الشفاء مرتفعة إذا تلقيت العلاج في موعده، لكنّ الحرب قلبت كل شيء، وتوقفت جلسات العلاج، وتعطلت الفحوصات، وأصبحت أتنقل بين المستشفيات دون أن أجد ما أحتاجه".

وكانت تستعد للتخرج والعمل محاضرة جامعية، إلا أنّ النزوح المتكرر دمّر منزلها وأفقدها جهاز الحاسوب والأبحاث التي عملت عليها لسنوات. تقول: "كنت أؤمن أنّ العلم هو الطريق الوحيد الذي سينتشلني وأسرتي من الفقر، الآن لا أعرف إن كنت سأعيش حتى أرى شهادتي، ورسالتي الجامعية ما زالت محفوظة على ذاكرة إلكترونية صغيرة أحملها معي في كل مكان، وكأنّها آخر ما تبقى من حياتي السابقة".

وتتابع وهي تكافح دموعها: "الألم الجسدي ليس الأصعب، بل الشعور بأنّ مستقبلك ينهار أمام عينيك، وعندما أرى زميلاتي يتخرجن أشعر بالسعادة لهن، لكنني أتساءل: هل سأحصل يوماً على هذه الفرصة؟".

وتصف تفاصيل محاولاتها للحصول على العلاج قائلة: "أخبرني الأطباء أنني بحاجة إلى السفر بشكل عاجل لاستكمال العلاج الكيماوي وإجراء فحوصات متقدمة غير متوفرة في غزة، فقدمت طلبات عديدة، لكنّ المعابر بقيت مغلقة، وكل شهر يمر يعني أنّ المرض يتقدم أكثر".

وتكمل: "في بعض الأيام لا أجد حتى مسكناً للألم، وأستيقظ ليلاً بسبب الوجع، وأحاول ألّا أبكي أمام أطفالي حتى لا يشعروا بالخوف".

نزوح يفاقم المرض

وتؤكد أنّ النزوح المستمر فاقم وضعها الصحي، موضحة: "الخيمة لا تحمي من الحر أو البرد، والغذاء الذي يحتاجه مريض السرطان غير متوفر، والمياه النظيفة نادرة، وأشعر أنّ المرض والحرب يتسابقان داخل جسدي".

وتواصل: "في كل مرة أسمع فيها عن مريض تمكن من السفر أشعر بالأمل، لكنّ هذا الأمل يتبخر سريعاً عندما أكتشف أنّ دوري لم يأتِ بعد، فالوقت بالنسبة إلى مريض السرطان ليس مجرد أيام، بل حياة قد تنتهي بسبب التأخير".

وتوضح أنّ "أكثر ما يؤلمها ليس المرض، وإنّما الخوف على أطفالها إذا فقدوها، فتخشى أن يكبروا من دون أم، ليس لأنّ السرطان لا يعالج، بل لأنّ العلاج أصبح بعيد المنال، حتى باتت تشعر أنّ الحرب سرقت حقها في العلاج كما سرقت أحلامها".

وتشرح: "كنت أخطط لإكمال الدكتوراه بعد الماجستير، أمّا اليوم فأمنيتي الوحيدة أن أتعافى وأعود إلى أطفالي وإلى قاعة الجامعة، حتى لو بدأت من الصفر".

وتختتم حديثها قائلة: "قد أفقد صحتي، وقد أفقد بيتي، لكنني لا أريد أن أفقد إيماني بأنّ العلم والحياة يستحقان القتال من أجلهما، وكل ما أريده فرصة للعلاج قبل أن يصبح الانتظار حكماً بالموت".

الدكتوراه تنتظر العلاج

ولم يكن حلم الدكتوراه بالنسبة إلى الشاب الفلسطيني محمود السواركة (29 عاماً) مجرد طموح أكاديمي، بل مشروع حياة بدأ العمل عليه منذ سنوات بعد حصوله على درجة الماجستير في الهندسة البيئية، واضعاً نصب عينيه تطوير حلول لمعالجة شح المياه في قطاع غزة.

لكنّ تشخيص إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية، ثم اندلاع الحرب، بددا كل ما خطط له، ليصبح أكبر أحلامه اليوم الحصول على جرعة علاج قد تؤجل انتشار المرض داخل جسده.

وفي منزل شبه مدمر يفتقر لأدنى مقومات الحياة، يحتفظ السواركة بحقيبته الجامعية إلى جانب ملفه الطبي، وكأنّهما يمثلان وجهين لحياته؛ أحدهما يحمل حلماً لم يكتمل، والآخر يوثق رحلة مرض تتفاقم يوماً بعد آخر.

ويقول السواركة، وهو يتأمل شهاداته الجامعية التي اصطحبها معه خلال النزوح: "قضيت سنوات طويلة أدرس وأجتهد حتى أواصل دراستي في الخارج، وكنت على وشك التقديم لمنحة دكتوراه، وبدأت بالفعل إعداد مقترح بحث حول إدارة الموارد المائية في غزة، لكن فجأة أصبحت أتنقل بين مراكز الإيواء والمستشفيات بدل الجامعات، وأصبحت التقارير الطبية أهم من أيّ شهادة علمية".

ويروي السواركة تفاصيل الأشهر الأولى للحرب قائلاً: "في الأسبوع الأول تضرر منزلي بشكل كبير، ثم فقدت مكان عملي، وبعدها توقفت جلسات العلاج، وانتقلت بين خمس مدارس ومخيمين للنزوح، وفي كل مرة كنت أحمل حقيبة الأدوية والملفات الطبية، لكنّ معظم الأدوية نفدت، ولم أعد أعرف أين سأحصل على الجرعة التالية".

ويتابع: "المرضى يحتاجون إلى الاستقرار النفسي والغذاء الصحي والنظافة، بينما نحن نعيش وسط الاكتظاظ والدخان ونقص المياه، وحتى النوم أصبح رفاهية، وأقضي الليل أراقب الورم وأخشى أن يكبر قبل أن أصل إلى العلاج".

رحلة علاج مؤجلة

ويصف محاولاته للسفر قائلاً: "أبلغني الأطباء أنّ العلاج الإشعاعي غير متوفر داخل غزة، وأنّ حالتي تتطلب التحويل إلى مستشفى خارج القطاع، وما زلت أنتظر السفر حتى هذه اللحظة".

ويواصل السواركة: "في كل مرة أراجع فيها المستشفى أسأل السؤال نفسه، هل وصلت الموافقة؟ والإجابة دائماً عليك أن تنتظر، لكنّ السرطان لا ينتظر، والخلايا لا تتوقف عن الانقسام حتى تنتهي الإجراءات".

ويشير إلى أنّ تأجيل العلاج لم يقتصر على الجانب الطبي، بل انعكس على حياته بالكامل، قائلاً: "فقدت وزني بشكل كبير، ولم أعد أستطيع القراءة لساعات كما كنت أفعل سابقاً، حتى التركيز في صفحة واحدة أصبح مرهقاً بسبب الألم والإرهاق المستمر".

ويتحدث السواركة بحرقة عن مشروعه البحثي الذي توقف، ويقول: "كنت أطمح إلى تطوير حلول علمية لمشكلة المياه الملوثة في غزة، وكنت أجمع البيانات وأتواصل مع جامعات خارجية، واليوم لا أستطيع حتى تشغيل حاسوبي بسبب انقطاع الكهرباء، وبعض الملفات فقدتها بعد تدمير منزلي".

ويشرح: "المؤلم أنّ الحرب لا تقتل المرضى فقط، بل تقتل أيضاً العلماء والباحثين قبل أن يحققوا أحلامهم، فأشعر أنّ سنوات الدراسة تضيع أمام عيني، ليس لأنني فشلت، بل لأنّ الظروف أقوى منّي".

ويرى السواركة أنّ عائلته تحاول إخفاء قلقها، لكنّه يدرك حجم المعاناة التي يعيشونها، ويضيف: "والدتي توقفت عن النوم منذ إصابتي، وكلما رأتني أتألم تحاول أن تبدو قوية، لكنّها تبكي عندما تظن أنني لا أراها، أمّا والدي، الذي كان ينتظر يوم تخرجي في الدكتوراه، فقد أصبح ينتظر فقط أن يسمع من الطبيب أنّ حالتي مستقرة".

ويؤكد السواركة: "سأكمل بحثي مهما طال الطريق، أمّا اليوم، فأمنيتي الوحيدة ليست الحصول على منحة دراسية، بل الحصول على فرصة علاج قبل أن يصبح الوقت متأخراً".

السرطان يسرق المستقبل

من جهته، يقول استشاري جراحة الأورام الدكتور تيسير البنا: إنّ "واقع مرضى السرطان في غزة أصبح مأساوياً بكل المقاييس، فالمريض لا يواجه المرض وحده، بل يواجه حرباً ونقصاً حاداً في الأدوية والعلاجات التخصصية وتعطلاً في الفحوصات الضرورية".

ويضيف البنا: "في أمراض السرطان الوقت عامل حاسم، وكل تأخير في التشخيص أو العلاج قد يعني انتقال المرض إلى مراحل أكثر خطورة وتقليل فرص الشفاء، واليوم أصبح انتظار العلاج معركة يومية يخوضها المريض إلى جانب معركته مع السرطان".

ويوضح: "الخسارة لا تقاس فقط بعدد المرضى الذين تتدهور حالاتهم، بل أيضاً بالأحلام التي تتوقف، فلدينا مرضى شباب كانوا في الجامعات، بعضهم كان يستعد للتخرج أو الدراسات العليا، لكنّ المرض والحرب أوقفا مسيرتهم، حيث أصبح كل تفكيرهم منصباً على الحصول على جرعة علاج أو تصريح للسفر".

ويؤكد أنّ "مريض السرطان يحتاج إلى خطة علاج منتظمة، وأيّ انقطاع في العلاج الكيميائي أو تأخير في إجراء العمليات أو عدم توفر الأدوية قد يؤدي إلى تدهور الحالة، وأكثر ما يؤلمنا هو رؤية مرضى كان لديهم أمل كبير في التعافي، لكنّ الظروف المحيطة جعلت رحلة العلاج أكثر صعوبة وقسوة".

ويرى الطبيب الفلسطيني أنّ "الحرب وجهت ضربة قاسية للقطاع الصحي بشكل عام وخدمات الأورام بشكل خاص، حيث تعرّضت المستشفيات لأضرار كبيرة، ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، وغادر عدد من الأطباء المتخصصين، وأصبح توفير العلاج المنتظم تحدياً يومياً"ً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية