"أنا قادم أيّها الضوء"... يوميات عابر قرر أن يعود في تراكم قطرات الندى

"أنا قادم أيّها الضوء"... يوميات عابر قرر أن يعود في تراكم قطرات الندى

"أنا قادم أيّها الضوء"... يوميات عابر قرر أن يعود في تراكم قطرات الندى


24/01/2026

نحن لا نعرف قيمة الضوء إلا حين يقترب منا الظلام بما يكفي ليرينا هشاشتنا.

"أنا قادم أيّها الضوء" ليست سيرة ذاتية إنسانية عادية؛ فهي ليست سيرة حياة أو موت، ولا سيرة مرض، رغم أنّ أغلب صفحاتها كُتبت بين أروقة المستشفيات وأوراق التحاليل. ما يشعر به القارئ طوال القراءة ليس الرعب ولا الشفقة، بل الامتنان… الامتنان لأصغر نعم الله، للأيام العادية، وحتى للأيام الضاغطة، فلا توجد أيام في مرارة الأيام التي تُسلب فيها الصحة.

لا أريد ترديد مقولة مستهلكة مثل: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء"، لكنّها ـ رغم بساطتها ـ حقيقة الحقائق. إحدى شروط الحياة السعيدة هي الصحة الجيدة. يذكر شوبنهاور، فيلسوف التشاؤم، حين نفى أن يكون المال أو المناصب طريقًا للسعادة، أنّ: "تسعة أعشار السعادة مشروطة بالصحة وسلامة البدن وعافيته، وأيّ تضحية بها على مذبح الثروة أو المجد أو المتع العابرة هي الحماقة بعينها". وهذا ما قصده أبو الغيط حين قال: "لو كان ثمن صحتي هو خطوات كبيرة إلى الخلف في حياتي المهنية، لدفعته دون تردد، لكن من يعيد الزمن إلى الخلف؟".

بعد أن تلقّى أبو الغيط خبر إصابته بالسرطان في مرحلة متأخرة قرر أن يكتب. ترك لنا هذه السيرة فعلًا تطهيريًا، وطريقة لتصريف الألم الجسدي والنفسي المتراكم في روحه، واعتبر الكتابة أهراماته الخاصة التي يتحدى بها الزمن الذي قرر أن يرحل عنه مبكرًا.

كان أبو الغيط أصغر صحفي استقصائي مصري يحصل على جوائز دولية، وحقق في وقت قصير حضورًا مؤثرًا مقارنة بعمره. والمفارقة أنّ صفة "الأصغر" ستطارده حتى في المرض؛ فقد كان أصغر نزيل في مستشفى علاج الأورام.

لكن يبدو أنّ هذه الأسباب وحدها لم تكن كافية ليكتب سيرته. أشعر أنّ الرجل أراد أن يعلّم الجميع من تجربته. والدرس الأوّل الذي يكتبه عبر هذه الصفحات هو: الامتنان.

الامتنان للصحة، للأيام العادية، للحياة حين تسير بلا ألم.

مرّت عليّ صفحات شعرتُ وأنا أقرؤها أنني محظوظة لأنني أتنفس دون وجع، وأشرب كوب ماء دون أن أشعر كأنّ سكاكين تقطع أحشائي.

الدرس الثاني، كما يقول: "تعلّمت عبر حياتي البحث عن الجوهر الإنساني، وأن أشعر بذلك الضوء الذي يشعّ من الأرواح الطيبة. أحب أن أكون قريبًا من هؤلاء، وأهرب من ذوي الأرواح المظلمة والقلوب الغليظة." 

كانت إسراء زوجته، ووالداه، وأصدقاؤه في مصر والعالم، أرواحًا مضيئة اتكأ على جوهرها الإنساني في محنته. ولولاهم ما ظلّ يأمل في النجاة ويحارب حتى آخر لحظة، ولولاهم ما ذهب إلى موته مطمئنًا كأنّه يسير فعلًا نحو الضوء.

حتى الموت ليكون هادئًا، يحتاج إلى رفقة.

هذه السيرة تعيدني إلى الفلسفة الرواقية التي اختصرت السعادة في: الصداقة، والصحة، والحب، والحرية.

ورغم الألم الذي تحمله، فهي سيرة مُعلِّمة؛ تذكّر من ينتظر أيامًا أفضل أنّه يعيشها بالفعل، وتُهدّئ من تهالك الإنسان على ما لا يستحق، وتُعيد ترتيب القيم؛ لنعرف الغث من الثمين في رحلة الحياة.

عندما اشتدّ المرض على أبي الغيط، كانت الزراعة مخرجه.

من بين كل ما يمكن أن يفعله اختار المهنة التي تُراعي دورة الحياة وتحفظ توازن الوجود. هذا الاختيار وحده يكشف الكثير عن جوهره الإنساني.

فالذي يفكّر في زراعة نباتات تُسهم في حماية عالم قد لا يعيش فيه بسبب الاحتباس الحراري، هو إنسان يهب نفسه للآخرين.

والذي يزرع ما قد لا يأكل منه، هو إنسان ارتقت إنسانيته حتى صارت إنسانية خالصة.

وفي الصفحات الأخيرة ترك كلمات مؤثرة لابنه وزوجته، يقول فيها إنّه في عالم آخر سيطلّ عليهما: "لعلّي في نسمة هواء، أو في تراكم قطرات الندى، أو في أصغر وردة بيضاء تُذكّرني بأمك".

أيًّا كانت الطريقة التي ستطلّ بها روحك على هذا العالم يا أبا الغيط، فقد عرفت الآن أنّ كثيرين بعد سيرتك صاروا أكثر امتنانًا للحياة، أكثر رضا بالسعادات الصغيرة، أكثر وعيًا بقيمة فنجاني قهوة في عصاري هادئ، في رفقة طيبة، وعافية جسد، وطمأنينة قلب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية