
يفصّل كتاب "حتى لا يعود جهيمان" في الجذور الإيديولوجية والتاريخية لحركة جهيمان العتيبي، (وهي تمرد مسلح قاده جهيمان العتيبي وأتباعه في حصار المسجد الحرام بمكة عام 1979م، حين ادّعوا ظهور المهدي المنتظر (محمد بن عبد الله القحطاني)، موضحاً أنّها لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل نتاج تطور فكري عميق نشأ داخل "الجماعة السلفية" في المدينة المنورة.
يبيّن الكتاب كيف تحولت هذه الجماعة من التركيز على الوعظ الديني التقليدي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى تيار راديكالي اصطدم بالمؤسسة الدينية الرسمية، معتبراً إيّاها متساهلة تجاه سياسات التحديث التي شهدتها السعودية في تلك الفترة. ومن الناحية الإيديولوجية، يحلل المؤلفان أثر منهج "أهل الحديث الجدد" وتأثر الحركة بأطروحات الشيخ الألباني التي دعت إلى العودة المباشرة إلى النصوص وتجاوز المذاهب الفقهية، وهو ما وفر للمجموعة غطاءً شرعياً للتمرد على الواقع القائم.
أمّا تاريخياً، فيضع الكتاب الحادثة في سياق أوسع للمعارضة والإسلام السياسي قبل عام 1979م، مشيراً إلى أنّ الحركة استغلت حالة القلق الاجتماعي من التغيرات العصرية لبناء قاعدة شعبية متنوعة ضمت طلاب علم وعسكريين وأبناء قبائل، حتى وصلت إلى ذروة انحرافها الفكري بتبنّي نبوءة "المهدي المنتظر" واحتلال الحرم المكي الشريف بالقوة، سعياً لفرض رؤيتها المتشددة على الدولة والمجتمع
الحفريات الإيديولوجية وبنية التطرف
يحلل الكتاب بعمق الدور الجوهري الذي لعبه الشيخ ناصر الدين الألباني في إعادة صياغة المشهد السلفي المعاصر، ويخصص فصلاً كاملاً لاستعراض كيف أحدثت منهجيته القائمة على "التصفية والتربية" وتقديم الحديث على التقليد المذهبي ثورة فكرية أدت إلى نشوء تيار "أهل الحديث الجدد". ويوضح المؤلفان أنّ أفكار الألباني في نقد التمذهب والجمود الفقهي وفرت التربة الخصبة لجهيمان وأتباعه للتمرد على السلطة العلمية التقليدية للمؤسسة الدينية الرسمية، فرغم أنّ الألباني كان يرفض الخروج السياسي والوسائل العنيفة التي انتهجها جهيمان، إلا أنّ تشديده على العودة المباشرة إلى النصوص ونبذ "التقليد" منح حركة جهيمان الأدوات الإيديولوجية اللازمة لصياغة رؤية راديكالية مستقلة؛ وبذلك يربط الكتاب بين المدرسة الألبانية وبين الانبثاق الحركي لجهيمان، ليس من باب التبنّي المباشر، بل من خلال خلق المناخ الفكري الذي سمح بظهور جماعة تعتقد بامتلاكها الحق الحصري في تفسير النص وتطبيقه بعيداً عن وصاية العلماء الرسميين؛ ممّا أدى في نهاية المطاف إلى الانحراف نحو الصدام المسلح مع الدولة والمجتمع تحت دعاوى العودة إلى السنّة الصحيحة.
المختبر البحثي والذاكرة الوثائقية
يُقدّم كتاب "حتى لا يعود جهيمان" تحليلاً عميقاً يتجاوز السرد التاريخي للحادثة نحو تقديم تفسير سوسيولوجي (اجتماعي) وإيديولوجي شامل يفكك بنية الحركة ودوافعها المعقدة. يرى المؤلفان، هيغهامر ولاكروا، أنّ حركة جهيمان كانت تعبيراً عن حالة من "الاغتراب الاجتماعي" والرفض المطلق لمظاهر التحديث السريع الذي شهدته السعودية في السبعينيات، حيث مزجت الحركة بين التشدد الديني المنكفئ على النصوص الماضوية وبين نقمة اجتماعية وسياسية على التحولات العصرية. هذا المزيج المتفجر استند إلى ركيزة إيديولوجية خطيرة وهي "الاعتقاد بالمهدوية"، إذ لم يكن اقتحام الحرم مجرد احتجاج سياسي، بل كان محاولة لفرض "نهاية التاريخ" عبر استدعاء نبوءات ظهور المهدي المنتظر (محمد بن عبد الله القحطاني)، ممّا منح الحركة طابعاً "خلاصياً" يبرر العنف المقدّس.
أمّا فيما يتعلق بالإرث، فيناقش الكتاب كيف تركت هذه الحادثة بصمة لا تُمحى على السياسة والدين في السعودية؛ إذ أدت إلى إغلاق المجال العام لعدة عقود نحو مزيد من التحفظ الديني كآلية دفاعية لامتصاص غضب التيارات المتشددة، وهو ما عُرف لاحقاً ببدء "الصحوة الإسلامية" التي حاولت الدولة من خلالها استعادة المبادرة الدينية. ويحلل الكتاب كيف أصبحت حادثة جهيمان مرجعاً ملهماً لتيارات العنف اللاحقة مثل "القاعدة"، حيث استلهمت من تجربة جهيمان أسلوب الصدام المسلح مع الدولة وتكفير النظم السياسية، وهو ما يجعل دراسة إرث جهيمان ضرورة لفهم التحولات الجذرية في علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة، وكيفية صياغة سياسات مواجهة التطرف لضمان عدم تكرار مثل هذه الظواهر الانعزالية والعنيفة تحت ستار الدين.
القيمة المعرفية للكتاب
تتجلى القيمة المعرفية لكتاب "حتى لا يعود جهيمان" في كونه محاولة جادة لفك الارتباط بين السرد العاطفي والتحليل العلمي الرصين لواحد من أخطر الأحداث في التاريخ الحديث للمنطقة. ويرى الدكتور محمد حامد الأحمري في مقدمته أنّ الكتاب لا يكتفي بالملاحظة الخارجية، بل يغوص في التفاصيل الدقيقة للأدبيات المحلية، محاولاً استنطاقها وفهم سياقاتها، رغم الإقرار بوجود "فجوة أنثروبولوجية" طبيعية ناتجة عن غربة الباحث الغربي عن الخصوصية الثقافية والبيئة الاجتماعية المحافظة التي احتضنت هذه الأفكار.
إنّ الأهمية القصوى لهذا العمل تكمن في منهجيته القائمة على "الحفريات الإيديولوجية"؛ فهو لا يتعامل مع حركة جهيمان كظاهرة معزولة أو مجرد جنون ديني، بل يبحث في الطبقات الفكرية العميقة التي تراكمت عبر السنين لتشكل هذا الانفجار. ويهدف الكتاب من خلال هذا التشريح إلى كشف الآليات التي يتحول بها "الفكر المتطرف" من مجرد أفكار نظرية في بطون الكتب إلى ممارسة عنيفة على أرض الواقع، وذلك بهدف وضع "خارطة طريق" معرفية تُسهم في تحصين المجتمع من تكرار مثل هذه المآسي؛ ومن هنا يكتسب العنوان "حتى لا يعود جهيمان" صبغته الوقائية، حيث يصبح الوعي بالتاريخ وفهم منطلقات "الجهيمانية" هو الضمانة الأساسية لمنع انبعاثها من جديد تحت أيّ مسمّى أو ستار آخر.
ويضيف الكتاب قيمة استثنائية من خلال "الملاحق الوثائقية" التي تعمل كأدلة مادية تدعم التحليل النظري، وهو ما يجعله ليس مجرد كتاب للقراءة، بل مختبراً بحثياً يضع بين يدي القارئ والباحث وثائق نادرة وبيانات رسمية وتقارير استخباراتية كانت طيّ الكتمان، ممّا يتيح بناء رؤية نقدية مستقلة حول كيفية إدارة الأزمة وتداعياتها التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد الديني والسياسي المعاصر.
تأليف توماس هيغهامر وستيفان لاكروا
ترجمة الدكتور حمد العيسى

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

