
الأمطار التي هطلت في الأيام الأخيرة على قطاع غزة، وما تزال تهطل، لم تكن مجرد حدث جوي عابر، بل أصبحت مأساة يومية للأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعيشون في خيام النزوح المتهالكة، فمياه الأمطار تتسلل عبر أقمشة الخيام البالية، وتحوّل الأرض الطينية المحيطة بها إلى مستنقع، وهو ما يجعل أيّ حركة خارج الخيمة شبه مستحيلة، ويجعل الحياة داخل المخيمات اليومية تحدياً مستمراً.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع أنّ (1.5) مليون فلسطيني يعيشون النزوح بعد إغراق الأمطار خيامهم البالية.
ووفقاً لتقديرات المكتب في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، فإنّ نسبة الخيام التي لم تعد صالحة للإقامة فيها بالقطاع بلغت نحو 94%، بواقع (125) ألف خيمة من أصل (135) الفاً.
من جانب آخر، قال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة: إنّ مئات الخيام والملاجئ المؤقتة في قطاع غزة غمرتها مياه الأمطار، وإنّ آلاف العائلات أصبحت عرضة لظروف جوية قاسية.
وأوضح دوجاريك أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي رفضت (23) طلباً للمنظمة الأممية لإدخال نحو (4) آلاف منصة نقالة من الإمدادات الأساسية لغزة بما في ذلك الخيام.
ووفق أحدث معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، فإنّ الإبادة الإسرائيلية تسببت في تدمير 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة بخسائر أوّلية تُقدّر بنحو ((70 مليار دولار.
وأفادت المعطيات بأنّ إسرائيل دمرت (268) ألف وحدة سكنية بشكل كامل، و(148) ألف وحدة بشكل بليغ غير صالح للسكن، و(153) ألفاً بشكل جزئي.
المطر كابوس لذوي الإعاقة
وعلى أطراف خيمتها المبتلة بحي الرمال بمدينة غزة، تجلس سناء شراب (46 عاماً)، تحمل بين يديها أخاها المعاق، وتحاول حمايته من الماء والطين، وتقول بصوت يرتجف بين الحزن والخوف: "بدأ المطر فجأة، لم نكن مستعدين، فدخلت المياه إلى الخيمة في دقائق، أخي لا يستطيع المشي، حاولت رفعه على بطانية مبللة، الأرض كانت زلقة والطين يمنعنا من التحرك، كل شيء مبلل، ولا يمكننا مغادرة الخيمة".
وتصف شراب كيف قضوا الليل محاصرين داخل الخيمة، والأطفال يرتجفون من البرد: "نحن ننتظر الشمس، لكن ماذا لو عاد المطر؟ لا يوجد مكان آمن، كل شيء غارق في المياه والطين."
وتضيف: "كلّ مطر يعني كابوساً جديداً، ونحاول حماية أنفسنا، لكنّ الطين والمياه يعيقان كل شيء، لا يمكننا الوصول إلى الحمام أو الطعام بسهولة، وهذه ليست مجرد مشكلة، إنّها خطر دائم على حياتنا."
وتوضح: "الوضع لا يتعلق فقط بالمطر، بل بغياب أيّ تجهيزات تساعد ذوي الإعاقة على الحركة أو حماية أنفسهم، فكلّ يوم هو كابوس جديد، حتى إذا توقفت الأمطار، تبقى الأرض زلقة، ويبقى خطر الانزلاق مستمراً."
وبسؤال شراب عن أمنية الشتاء بالنسبة إليها، ابتسمت بمرارة، وقالت: "لا أطلب بيتاً، أريد فقط سقفاً لا يقطر فوق رأسي، أريد أرضاً لا تتحول إلى بركة، هذا كل شيء."
خيام تغرق وأجساد لا تستطيع الهروب
وعلى أطراف مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة، تبدو الخيام المتلاصقة كأنّها رقع مهترئة وسط بحر من الوحل، وفي إحدى هذه الخيام يعيش صبحي شحيبر مع ابنه محمود، المصاب بإعاقة حركية منذ الطفولة.
يقول شحيبر (52 عاماً) بصوت متعب: "حين يبدأ هطول المطر نعرف أنّها ليلة بلا نوم، ومحمود لا يمكنه الانتقال من مكانه بسرعة، والماء يدخل من كل زاوية، وأرفع طرف الغطاء عنه حتى لا يبتل، لكنّ الخيمة كلها مبللة."
ويضيف: "أحياناً أظلّ جالساً معه لساعات دون أن أتحرك، فلو تركته لحظة، فقد يبتل جسده كله."
ويؤكد شحيبر أنّ "الخوف الأكثر حضوراً في ذهنه، ليس المطر بحدّ ذاته، ويخشى أن يمرض ابنه، وليس لديه أيّ وسيلة للتدفئة، ولا وسيلة للنقل السريع في حال تدهورت حالته."
ويوضح: "الشتاء بالنسبة إليّ ليس برداً فقط، هو ألم، وعندما تدخل المياه إلى الخيمة، يصبح كل شيء رطباً، الفراش والملابس وحتى الهواء."
ويشرح شحيبر أنّ الكراسي المتحركة لا يمكن استخدامها في الساحة الطينية حول الخيمة، فمجرد محاولة دفعها تتحول إلى معركة خاسرة ضد الوحل، فنبقى محاصرين ولا نستطيع الخروج."
المطر يسبق خطواتي
ويجلس الشاب مصطفى شاهين (33 عاماً)، المصاب بإعاقة حركية بعد إصابته خلال الحرب الأخيرة التي أدت لبتر ساقيه، في خيمة بالكاد تقف على أعمدتها المعدنية، وعجلات كرسيه المتحرك مغطاة بطبقات من الوحل، ومقابضه تآكلت من كثرة الاحتكاك بالماء والرطوبة.
يقول شاهين الذي يسكن بحي الزيتون شرق مدينة غزة بينما يحاول تحريك كرسيه دون جدوى: "عندما يبدأ هطول المطر أعرف أنّ يومي انتهى، ولا أستطيع الخروج من الخيمة، ولا أستطيع التقدم خطوة واحدة، والأرض تصبح فخاً يُغرق الكرسي."
ويضيف أنّه فقد أدواته المساعدة مرتين هذا الشهر بسبب تسرب المياه إلى الخيمة، وقد تبللت وسادات الدعم الطبي، وتعطلت إحدى عجلات الكرسي الكهربائي، وبات يعتمد على الكرسي اليدوي، وفي الطين لا يعمل أيّ منهما."
ويتابع بصوت متعب: "مشكلتي ليست أنّ المطر ينزل، بل أنّه يسقط على خيمة لا تحميني، حين يبدأ المطر لا أفكر كيف أخرج، أفكر كيف لا أغرق في مكاني."
ويشرح شاهين بنبرة حادة: "الطين لا يعي معنى الإعاقة، فيتشبث بعجلات الكرسي حتى يصبح الوزن مضاعفاً، وأحياناً أحتاج لشخصين لكي يحرّكاه، لكن في المطر، الجميع محاصر."
أوضاع مأساوية
يرى مدير جمعية البسمة لتأهيل المعاقين في غزة باسل بركة أنّ "الوضع الميداني لذوي الإعاقة خلال موجة الأمطار مأساوي بكل معنى الكلمة، فالأمطار تحوّل الخيام إلى برك مياه، وذوو الإعاقة يجدون أنفسهم عاجزين عن الحركة أو الخروج، كأنّهم محاصرون داخل هذه الخيام البالية."
يقول بركة: "أكبر التحديات التي تواجه ذوي الإعاقة هي صعوبة التنقل، وانعدام الأرضية الجافة، وعدم وجود مراحيض يمكن الوصول إليها بسهولة، إضافة إلى انخفاض درجات الحرارة وعدم القدرة على تجفيف الملابس أو الأغطية."
ويوضح: "المطر يجعل الخيام غير صالحة لحفظ أيّ شيء، وتصبح الممرات موحلة لدرجة تمنع الأشخاص من الوصول إلى نقاط التوزيع، وهو ما يهدد أمنهم الغذائي والدوائي."
ويضيف: "لا بدّ من تحسين البنية التحتية بإنشاء ممرات صلبة داخل المخيمات تتيح للكراسي المتحركة التحرك دون أن تغوص في الطين، وتوفير غرف جاهزة بديلة عن الخيام."
ويؤكّد بركة أنّ "ذوي الإعاقة في غزة لا يطلبون الكثير، فقط الحدّ الأدنى من الكرامة والعيش الآمن، المطر يجب ألّا يكون سجناً، والخيمة يجب ألّا تكون مأوى دائماً لهم".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

