
تبعات الجرح الذي خلَّفه الاستعمار حدثت تباعاً لجلّ مناطق العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين؛ فقد عاشت معظم دول العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين حالة الاحتلال والاستعمار من لدن مختلف الدول المركزية الغربية، وصاحب حالة الاحتلال حالة من الكفاح والتضحية والنضال السياسي ضد المحتل، وحالة من التحرر والبحث في الأسباب التي كانت من وراء الاستعمار والاحتلال، ومن بين تبعات ذلك الجرح ظهور الإسلام السياسي.
في هذا السياق، حالة الاستعمار في بُعده السياسي والاجتماعي والثقافي، ظهرت في مصر الجماعة الأم للإسلام السياسي؛ جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م بزعامة حسن البنا، وسبق ذلك أن وجدت مختلف الإيديولوجيات باسم الماركسية والليبرالية والقومية وغيرها، التي نشأت وتشكلت في سياق المركزية الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي وما قبله، طريقها داخل السياق الثقافي الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 جسّد النصف الأخير من القرن العشرين حالة التحرر والاستقلال عن المحتل الأجنبي لمختلف الدول المستعمرة، وإن شئنا أن نصف العقود الأولى للنصف الأخير من القرن العشرين في العالم الإسلامي فإنّ ما يصدق عليها هو أنّها عقود التضخم الإيديولوجي بامتياز، ففي الوقت الذي ترى فيه الإيديولوجية العربية أنّها قادرة على تحقيق فعل النهضة والتقدم على أرض الواقع وفي سياق الدول القطرية التي تحلم بالوحدة والاندماج لتحقيق وطن عربي موحد (العروي، 1067)؛ بذلت التيارات الماركسية أقصى جهدها من أجل بلوغ الهدف في فرض سلطة البروليتاريا؛ وبعد أن فشلت في تحقيق ذلك رفع الإسلاميون شعار "الإسلام هو الحل".
فالكلّ وظف جرح الاستعمار بطريقته الخاصة؛ فالتيارات الماركسية كان عدوّها الأول هو الإمبريالية الغربية، وحلّ مشاكل العالم الإسلامي يكمن في تبنّي الاشتراكية العلمية، والصراع لديهم مع الغرب ينحصر بين القوى الإمبريالية الغربية ومن يمثلها، أمّا الاشتراكية ففيها يكمن الحل.
بينما التيار القومي العروبي ترك المسافة نفسها بين الليبرالية والاشتراكية، وهو مزيج بين كل الاتجاهات، وقد شكّلت إيديولوجيته نظام الحكم في عدة أقطار، رغم الاختلاف بين تطبيقاته المنتشرة.
أمّا الإسلاميون، فقد أعرضوا عن كل ما هو غربي؛ فالآخر بالنسبة إليهم ومن يمثله من التيارات الليبرالية والعلمانية والشيوعية موضوع صراع، وتُعدّ القضية الفلسطينية، وما صاحبها من أحداث ووقائع، من القضايا الأساسية التي رسخت مبدأ وفكرة الصراع والتحيز لفكرة الموت بدل الحياة وأسهمت في تسويقها، وقد تم استرجاع ما في التاريخ من ملاحم إسلامية مع الإمبراطوريات والحضارات المختلفة.
إلا أنّ الإسلاميين لم يملكوا آنذاك سنداً تنظيريّاً لتأطير طرحهم وإيديولوجيتهم، بالرغم من القدرات التنظيمية لحسن البنا؛ وهو الأمر الذي تحقق مع سيد قطب الذي يُعدّ من أبرز مُنظّري الإسلام السياسي إلى جانب أبي الأعلى المودودي، فبعد سيد قطب اتسعت إيديولوجيا الإسلام السياسي في كل أرجاء العالم الإسلامي بمسمّياتها المختلفة. لقد ذهب سيد قطب إلى أمر منهجي خطير؛ وذلك بكونه عمل جاهداً على وضع الآخر والمخالف للإسلام في سياق تصور ثنائي يفترض ويجعل من الآخر موضوعاً للصراع، إلى درجة أنّه جعل من الحرب والصراع قانوناً يتحكم ويسري في التاريخ بين المسلمين وغيرهم، وذلك باختزال التاريخ بمجمله في قالب الصراع بين المسلم وغيره.
يؤكد سيد قطب ما ذهب إليه بقوله: "كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع، والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير الله، أو تجعل فيه شركاء لله...، هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يُعبّر عنه قول الله سبحانه: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا"(الحج 40)، والذي يقول عنه سبحانه كذلك: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ"(البقرة 251) [...]، وهذه الظاهرة الأخيرة والقاعدة الأصيلة التي تقوم عليها هي التي يقررها الله سبحانه في قوله عن المشركين: "وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا"(البقرة 217)، والتي يقول فيها عن أهل الكتاب: "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ"(البقرة 109)، ويقول فيها كذلك: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ"(البقرة 120)، فيعلن ـ سبحانه- بهذه النصوص القطعية عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين، وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان، وعدم توقيتها بظرف أو زمان! وبدون إدراك ذلك القانون الحتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية، وتفسير الظواهر التي تنشأ عنه -على مدار التاريخ- بالرجوع إليه، لا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام، ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي. ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل، ولا أسرار الفتوحات الإسلامية، ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرناً" (قطب، 2003، ص 1593).
بهذا الفهم الذي قدّم العواطف على العقل، واستحضر محن وآلام جرح لم يندمل بعد، وصلت إيديولوجية الإسلاميين إلى فئات واسعة وعريضة من الناس، لأنّها خاطبت فيهم الجرح الذي خلّفه الاستعمار لديهم.
ومن رحم القطبية خرجت جماعات أكثر تطرّفاً، مثل جماعة التكفير والهجرة، وامتدت القطبية التي امتزجت "بالسلفية الجهادية" لاحقاً إلى (القاعدة وداعش)، وغيرهما من الجماعات المتطرفة. لقد تمّ اختزال كل ما كتبه سيد قطب في مضمون هذه الفقرات ومثيلاتها، وأصبحت هي المهيمنة في فهم مجمل ما سبق له كتابته، حيث تمّ تغييب الجوانب النقدية والأدبية في فكر سيد قطب مثل كتابه: "التصوير الفني في القرآن"، وقد يكون ذلك نتيجة ظروف وفاته "بالإعدام" التي جعلت من اختزال أفكاره أكثر سهولة، ومن فكرة الصراع أكثر جاذبية من حيث التسويق، ودفعت للاعتقاد أنّ جميع أفكاره على حق.
وفي الحقيقة شكّلت وفاته ولادة جديدة لأطروحاته وتصوراته، أسهمت في سرعة وصول خطاب الإسلام السياسي إلى كل الفئات المجتمعية في العالم الإسلامي. فلو قُدّر لسيد قطب أن يموت على فراشه، لكان خطاب الإسلاميين شيئاً آخر، بدل الذي هو عليه، فقد بقي بين يدي الإسلاميين الحبل الذي أُعدم به صاحبهم يوظفونه في دعوتهم كل وقت وحين.
في هذه الأجواء التي لا تخلو من فكرة تسويق الصراع بمختلف أشكاله: الصراع الطبقي، الصراع بين العلم والدين، الصراع على السلطة، الصراع بين الإيمان والكفر، الصراع بين الغرب والإسلام؛ تشكّل خطاب الإسلاميين.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=T28JJ5Jb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_64_0_0_0.jpg.webp?itok=J6-HjAus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1DSf20GdSOuqTcb5oTVxHNrKFIBmIU31yHMRZdN9Hox6vtEIeX4Lb61Rw87zVA6_UMPtu8vNtKDK_R5jVmtCbIDJC0lX-m0GJDCrICSxKG-2CJeNxUYtlVgw3GO24AnqN5v33z7-3agYfLRVjTtRY_0DHLjSsfvJKplpLbaxIXJSXvUUfe9HDlSUNJbDQL2W%20%281%29.jpg.webp?itok=kjRp-3UQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

