
جورج أورويل واحد من كُتّاب "أدب المقاومة" الكبار، أديب له موقف سياسي وأخلاقي واضح، ورغم تباعد الزمن بين روايته وعصرنا الحالي إلا أنّها ما زالت ضمن روايات الأدب الجاد الأكثر مقروئية في العالم؛ فقد نَحَتَ أوريل مفردات ومصطلحات أصبحت لغة عالمية في مجال الأدب السياسي والنقد الاجتماعي، فكلماته تتميز بكثافة الدِلالة مثل "الأخ الأكبر" و"التفكير المزدوج"، وتلاعبه باللفظ والدلالة مثل تسميته لوزارة الحقيقة التي تنشر الأكاذيب، ووزارة السلام التي تدير الحرب، ووزارة الحبّ التي تدير عمليات التعذيب، ووزارة الوفرة التي تدير الندرة.
أعتقد أنّ جزءًا كبيرًا من عبقرية أورويل وكون كتاباته لا يعبرها الزمن أنّه مخترع لُغوي ونحّات مفردات، وهذا ما كان واضحًا في رواية "مزرعة الحيوان"، كانت لغة أورويل الجديدة على الأدب حاضرة في جملته "جميع الحيوانات متساوية، لكنّ بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها"، وحاضرة في النشيد الحماسي الذي أصبح دستورًا للحيوانات في عهدها الثوري، وكانت تلك البراعة واضحة في التحريف الذي لحق بالنشيد حين حَلَّ الاستبداد. لقد خدم التمكن اللُّغوي نصوص أوريل السياسية القصصية خدمة كبيرة، ومَنَحَ هذا التمكن للنصوص خلودًا، وسيمنحها أيضًا المزيد.
أثر النشأة
النشأة التي حظي بها أورويل هي التي رسمت له ذلك الخط الأخلاقي الذي التزم به في كتاباته، فعلى الرغم من كونه نشأ في أسرة متوسطة الحال، لكنّه كان نهمًا للمعرفة مُحبًّا للقراءة التي ساعدته على أن يُكوّن فكرًا ممتازًا ووعيًا سياسيًا مُبكرًا وحسًّا أخلاقيًا عاليًا، فحمل مُنذ بواكيره أفكارًا نقدية تجاه الاستعمار والطبقات الأرستقراطية تُرجمت بقوة واضحة في روايتيه الشهيرتين "1984" و"مزرعة الحيوان".
وقد جرّب أورويل العيش وسط الفقراء والمهمَّشين في لندن وباريس، فتعمقت نظرته تجاه العدالة الإنسانية والإصلاح السياسي، كما أنّ تجربته كشرطي استعماري في بورما جعلته يواجه مأزق فكر الدولة البريطانية الاستعمارية ما بين شعارات التحضر والديمقراطية وواقع القمع في المستعمرات، ووقع في يقينه أنّ كل سلطة مُطلقة هي مفسدة مطلقة، وهذه كانت الركيزة الأساسية، والجوهر الذي بنى عليه روايتيه الأثيرتين.
تُعدّ رواية مزرعة الحيوان من الروايات المؤسسة للأدب المقاوم الذي يستهدف إصلاح البنى السياسية والاجتماعية، فعلى لسان مجموعة من الحيوانات صوّر أوريل المجتمع الروسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية واستبداد ستالين بالحكم، لكنّ أصالة أوريل جعلت الرواية تتجاوز مرحلتها التاريخية والشخوص والمجتمع الذي قصدته لتكون رمزًا وتفصيلًا لأيّ مجتمع إنساني واقع تحت الاستبداد.
تنطلق فكرة النص من ثورة مجموعة من الحيوانات على مالك المزرعة الذي يستغلها ويسخّرها لجمع ثرواته، فيرهقها في الحقول ويسلب منها أبناءها ويبيعهم، ويأكل بيضها ولبنها ويحرم صغارها، فتثور الحيوانات عليه بقيادة ماجور العجوز، بهذه البساطة خلق أورويل ترميزًا عميقًا للديمقراطية والاستبداد والانحياز الأخلاقي؛ حيث مثلت المزرعة المجتمع الإنساني، والمالك جونز مثل الاستبداد أو القيصرية، والخنازير الطبقة الحاكمة الجديدة، أو تحديدًا الحزب الشيوعي، ومثل نابليون المستبد الحاكم ستالين، والحصان الكادح مثل الطبقة العاملة، وسنوبول مثل المناضل تروتسكي، وسكويلر كان رمزًا للإعلام الرسمي المُضلل، وهكذا احتلت كلّ شخصية موقعها من العالم الروائي والحقيقي، ولتظلّ تحتل موقعها في كل مجتمع إنساني مستبد حتى عصرنا الحالي.
الحلم طريق الثورة
الثورة تمرّ بمراحلها المُعتادة حيث تبدأ بالحلم ثم الثورة في وجه الطغيان ودحره، ووضع مبادئ للعيش المشترك، فلا ينقضي وقت طويل حتى يُلتف على هذه المبادئ ويتمّ تحريفها، فالخنازير استولوا على الحكم بدعوى أنّهم الأذكى بالطبيعة، ومحوا المبادئ الثورية التي اتفق عليها سكان المزرعة، وتفرّغوا للراحة والتفكير بدعوى أنّهم يحتاجون للدعة ليخططوا لشؤون الإدارة، وتركوا المهام الشاقة لباقي الحيوانات، واحتكروا القراءة والكتابة فصاروا يتلاعبون في تفسير مبادئ الثورة التي تضمنها النشيد؛ فقد حرّمت الثورة على الحيوانات التشبه ببني الإنسان والنوم على الأسرّة وشرب الخمر، لكنّهم أضافوا تعديلات صغيرة:
"لا ينام أيّ حيوان على سرير بملاءات".
لا يشرب أيّ حيوان خمرًا إلى حدّ الإفراط".
وخصصوا لأنفسهم المزيد من اللبن والتفاح والبيض بحجة أنّ هذا ما يحتاجه عقلهم القيادي، وفوق كل ذلك أنشؤوا جهازًا للقمع والحراسة، فقد عزل نابليون زعيم الخنازير وحاكم المزرعة مجموعة من الجِراء الصغيرة عن أمهاتها، ودرّبها حتى أصبحت أداته في السيطرة والإرهاب وإخضاع خصومه. وهكذا استيقظت المزرعة من الحُلم الثوري للدولة البوليسية. وكما تفعل الدول العميقة الاستبداد فقد تمّ محو النشيد الثوري "وحوش إنجلترا" ليحلّ محله نشيد يمجد نابليون في خطوة لمحو الذاكرة الجماعية. وخانوا الطبقة العاملة بعد أن باعوا بوكسر الكادح لمحل جزارة، وأوهموا عامة الحيوانات أنّه مات أثناء تقديم أفضل رعاية صحية له، وأخيرًا أقاموا علاقات مع البشر، واجتمعوا بهم، واختلفوا في المصالح، ووقفوا على رجلين فقط مثل بني الانسان، حتى أنّ الحيوانات لم تستطع في مشهد النهاية أن تفرّق بين الخنازير والبشر في نهاية قوية تُشير إلى عودة الاستبداد من جديد، حتى لو اختلفت الوجوه. وعليه يمكن القول إنّ الرواية كانت دراما مُتقنة لدورة الاستبداد الإنساني في مختلف العصور.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_24_0_0.jpg.webp?itok=rJ5tQ7nF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0_1.jpeg.webp?itok=Smm6UH6B)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/6A1kbn8zpezEcBEi8rfGKas63ZLV8SI410XJqSay1c6YpSmau18E7CtzVobyWisZLhrlowPaqKU5ccgl8BqHDEr2sYCNo8XnTzeaFi4p581Go15ZEkFaMIoUVRWq7DJiAn6uQPyA_MaoUwQEB_dETLewWA8mez46ap_sHpcT2ynx1mVLDeuSZo7dNMLHdf3d_0.jpg.webp?itok=yy5MdzNM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0i33mbrCkQsejC9h8nytn1n_ucAPON30WeMDqkRmPicuRlOSMJILFREKB-U7rkuZ4QHDNkn1wMtc_kq0pB6VIQps9_ZsHEsdP6VNRpiuf_Dh9R51jhLoG5HjgiqPYX1m_bjkG4nJf_ZhUUuNzwUiQUjf7ccvoUZACNekGeasfT2u5-r-7f4mtY3oqdhWGk7p.jpg.webp?itok=EA0C8UZr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_2_1.jpg.webp?itok=pahYLxZN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_18_1.jpg.webp?itok=DyMvxxIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/904_1.jpg.webp?itok=rcBuIZph)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1_2_0_0_8_0.jpg.webp?itok=2RLrG6lq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%8A%D8%B30_1_0_0_0.jpg.webp?itok=8vpTUa4f)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8_1_0.jpg.webp?itok=8Vzq5M0J)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/d1V4NBrxNbNN5BMmWbz7Cnj4MVJVA8OlqxSjOsNg64f9CfB--9vj_6KucJQlm70UzGsNiSEzgbEk2U3vqzSWutg1tDqyb6SdhvUsXTNqEvpSQy4LWJ2A1a6bndyYZNpu6dBYarOUwJXUa4qFw397zwNcMnOYG1LGNHY11zuZYMPC4WdJVIDpwESWoHMb49uT%20%281%29.jpg.webp?itok=ByoOskcY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XAqfmsK1bEo6l-Ge2Zhzelkz_JPw0ruqXBnr3YFu6p9zRNS_BEmdpEAMsxJz3y3jT2m-5yv8s5JHwMzMTrMrqbacdGtGyKN_QEyyVUQBnLN8V02lcEl_8N_JsRaofT3FWqv_niuH3FHHG8WYSjYvETCDsUxtYXvVVcZ57Zt9j00Yw-O7gG8XGzEqrvGgcvYH%20%281%29.jpg.webp?itok=0hHRtYRu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gzXFY1etlldIHay5T7dY9zbMYT1ZjywY1ImhHEabr4-nUagU3fJbFVs42DzT1ucPAwJ2KNjSveBcRhniDOEyKXAD95p1c5Z6eFQOdSGUFwYM5jNqJ3vXbWia70aaTHJyGIEeIDIQp6h-SMdpTnM2Me23qsecVirBH0Rbiwx01G7T6ii50Enml1lVusNfp3_j%20%281%29.jpg.webp?itok=-DZMfs8d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_2_0.jpg.webp?itok=HoKpS7ol)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=GlM2AIN3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

