رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟

الأكراد

رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟

مشاهدة

18/06/2019

بين كونه المشكلة في نظر البعض، أو الحلّ في عيون آخرين، يقبع الزعيم الكُردي، مُؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، منذ عام 1999، في زنزانته بسجن جزيرة إيمرالي التركية في عرض بحر مرمرة، عقب تمكّن الاستخبارات من اعتقال الرجل في كينيا، ضمن ما يصفها أنصاره بالمؤامرة الدولية التي استهدفت النيل من حراكهم الساعي لإحقاق حقوق الشعب الكردي، في بلد تناهز أعدادهم فيه أكثر من عشرين مليون إنسان (وفق تقديرات غير رسمية).

اقرأ أيضاً: عبد الله أوجلان.. بطل قومي أم متمرد إرهابي؟
الرجل الذي أثار الكثير من اللغط، أعلن ما اعتبره "كفاحاً مُسلّحاً" لرفع الغبن عن أبناء شعبه بداية الثمانينيات من القرن الماضي، جنوب شرق تركيا، ضمن الولايات الكُردية هناك، ليضع ذلك حزبه (العمال الكُردستاني) على القوائم السوداء في أمريكا وأوروبا، إلى جانب تركيا بطبيعة الحال، لكن مع وجود أطراف أخرى رفضت تصنيفه كذلك مثل؛ الأمم المتحدة ودول كروسيا والصين وسويسرا ومصر والهند، فيما لم يغيّر اختلاف الرؤى حول تصنيف الحزب، من حقيقة تعرض الكُرد في تركيا للتهميش والإقصاء، وهو ما لا يبدو أنّه وليد حكومة مُعينة؛ بل سياسة مُمنهجة تدلّ عليها أحداث التاريخ.

(الدولة العثمانية في مراحل قوتها)

معاهدة سيفر 1920

معاهدة "لوزان" وإنكار الكُرد
رفضت الحركة القومية التركية، بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، بعد أن تولت الحكم في تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923، ما جاء في معاهدة "سيفر" 1920، ورأت أنّ بنودها تمثل ظلماً وإجحافاً بالدولة التركية، لأنّها أُجبرت على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها، فعملت على إخراج اليونانيين من آسيا الصغرى، وأصرت على تسوية جديدة، وقد تحققت لها بالفعل في معاهدة "لوزان"، عام 1923، والتي تجاهلت ما أقرته مُعاهدة "سيفر" من حقوق للكُرد.

سياسي كُردي: أوجلان شخصية قيادية فكرية وفلسفية تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية في كلّ أجزاء كُردستان

وتم توقيع مُعاهدة "لوزان" الثانية، في 24 تموز (يوليو) 1923، في لوزان بسويسرا، وتم على إثرها تسوية وضع الأناضول وتراقيا الشرقية (القسم الأوروبي من تركيا حالياً - إسطنبول الأوروبية) في الدولة العثمانية، وذلك بإبطال "مُعاهدة سيفر" التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين قوات حلفاء الحرب العالمية الأولى والجمعية الوطنية العليا في تركيا (الحركة القومية التركية)، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وقادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية.
وقد حدّدت المعاهدة حدود عدة بلدان مثل: اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي، مع تنازل تركيا عن مطالبها بجزر دوديكانيسيا وقبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا، التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة "أوشي"، بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا، عام 1912، وفي المُقابل أعيد ترسيم الحدود مع سوريا، بما يشمل ضمّ أراضٍ واسعة، وتضمّ من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق "مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر" (ومعظم هذه المدن ذات غالبية كُردية).

معاهدة "لوزان" 1923 التي رسمت حدود تركيا الحالية

سيناريو مُشابه للوقائع السورية
تقول دراسة بعنوان "معاهدة لوزان تأثيرها على الكرد ومنطقة الشرق الأوسط"، نشرها الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الديمقراطي، في العاشر من حزيران (يونيو) 2018: إنّ هدف مؤتمر لوزان كان التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا التي رفضت الاعتراف بمعاهدة "سيفر"، وبعد مفاوضات طويلة تمّت تسوية الخلافات بين بريطانيا وفرنسا وتركيا، وقد بدا واضحاً منذ افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل والوصول إلى حلول وسط، فرضختا للشرط التركي برفض مشاركة أيّ وفد كُردي في المؤتمر، ومنع مناقشة القضية الكُردية في (كُردستان تركيا) بشكل خاص، (وهو ما يمكن تشبيهه بالوقائع السورية؛ حيث تمنع السطوة التركية على الدول المؤثرة في الملف السوري حضور الكُرد أيّة مؤتمرات تخصّ الحلّ في سوريا).

اقرأ أيضاً: بين الالتقاء والافتراق.. النظام والكُرد السوريون إلى أين؟
كما كان استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل عن بعض امتيازاتهما في تركيا، خوفاً من ارتمائها في أحضان الاتحاد السوفييتي، الذي بات يشكّل خطراً على مصالحهما في المنطقة؛ لذلك وافقتا على الشروط التركية، وبذلك تعززت مواقع تركيا في المنطقة وعلى الساحة الدولية، وتغيرت موازين القوى لصالح حكومة أنقرة التي انفردت بالحكم في تركيا، بإلغاء السلطنة، ونقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة، وإلغاء الخلافة، وإعلان النظام الجمهوري، عام 1923، لتظهر تركيا كدولة فتية قوية للمرة  الأولى بعد قرنين، (وهو ما يمكن تشبيهه أيضاً بالوقائع السورية؛ إذ يلعب الأتراك على حبال الروس والناتو، لابتزاز الطرفين وكسب أكبر عدد ممكن من النقاط على حساب الكُرد السوريين).

اقرأ أيضاً: جدار حول عفرين .. ماذا تفعل تركيا في الشمال السوري؟
وقد عقدت مباحثات معاهدة لوزان على فترتين: استمرت الأولى نحو ثلاثة أشهر، بين نهاية عام 1922 وبداية عام 1923، والفترة الثانية استمرت ما بين ربيع وصيف عام 1923، فيما لم تتضمن أية إشارة للكُرد فيها، كما لم تجر الإشارة إلى معاهدة سيفر، ليعتبرها الكُرد ضربة مُحطمة لآمالهم بالاستقلال (وهو ما حظي به جيرانهم الأرمن والعرب لاحقاً)، كما ينظر الكُرد على أنّ المعاهدة بمثابة تآمر بريطاني على الحقوق الكُردية (باعتبارها كانت سيدة العالم)؛ حيث تخلت عن الكُرد مُقابل الحاق ولاية الموصل بالعراق، وعليه قُسم الكُرد بين أربعة كيانات أنشئت بُعيد الحرب العالمية الأولى وهي؛ تركيا وايران والعراق وسوريا، (وهو ما يخشى الكُرد السوريون تكراره، عبر حرمانهم من حقوقهم الدستورية في مستقبل البلاد).
علاقة تركيا والكُرد قبل أوجلان
دفع حرمان الكُرد من حقوقهم، التي يعتبرونها مشروعة، ونالتها شعوب أخرى كانت خاضعة للهيمنة العثمانية، للشعور بالمظلمة التاريخية، عندما نَسفت مصالح الدول الكبرى أحلامهم التي دشنوها في معاهدة "سيفر"، فوقعت العديد من الثورات الكُردية ضدّ الحكومات التركية المُتعاقبة على حكم أنقرة، كانت أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران، أو ثورة الشيخ سعيد النقشبندية، التي قامت ضدّ سياسة التتريك والتعسّف التي انتهجتها حكومات مصطفى كمال أتاتورك المتعاقبة بحقّ الأقليات، فاندلعت في 21 آذار (مارس) 1925، وانتشرت بسرعة كبيرة ولفترة قصيرة على أراضي معظم كُردستان (14 ولاية شرقية)، وبلغ عدد الكُرد المنتفضين حوالي 600 ألف، ساندهم خلالها حوالي 100 ألف من الشركس والعرب والأرمن والآشوريين، لكن في أواسط نيسان (أبريل) 1925؛ تمّ اعتقال الشيخ سعيد مع عدد من قادة الانتفاضة التي خبت نارها شيئاً فشيئاً، وفي نهاية أيار (مايو)؛ حوكم الشيخ سعيد وقادة الانتفاضة الآخرون، وصدر حكم الإعدام بحقه مع 47 من قادة الثورة، ليصار إلى تنفيذه في 30 أيار (مايو) 1925، وقد بلغت خسائر الكُرد: تدمير 900 بيت، وحرق وإزالة 210 قرى، فيما وصل عدد القتلى إلى 15 ألفاً، فضلاً عن نهب ممتلكات وثروات كلّ من وصلت إليهم أيدي الجنود الأتراك، كما أسفر قمع هذه الحركة عن تهجير مئات الآلاف من الكُرد والعرب والآشوريين إلى سوريا.

ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار وعلى رأسها تركيا

تلت ذلك ثورات عديدة؛ كـثورة "آرارات"، أو ثورة "أغري"، التي قصفت فيها القوات الجوية التركية المواقع الكردية حول جبل آرارات من جميع الاتجاهات، ما أحبط المقاتلين الكُرد وأدى إلى استسلامهم في نهاية المطاف، بحلول 17 أيلول (سبتمبر) 1930، وعقب ذلك اندلعت ثورة "ديرسم"، بين عامَي 1937 و1939، وكان أبرز زعمائها الروحيين والقبليين؛ سيد رضا، وكان سببها المقاومة المسلحة لرؤساء الإقطاعي المحلي ضد قانون إعادة التوطين، عام 1934، والنقل القسري للسكان، ضمن تنفيذ حكومة تركيا المركزية لسياسة التتريك آنذاك، وقد قتل فيها الآلاف من العلويين الأكراد والزازيين، كما شُرّد كثيرون داخليّاً؛ بسبب الصراعات بين الثوار المحليين والقوات التركية.
ظهور حزب العمال الكردستاني
وفي العام 1984، بدأ حزب العمال الكردستاني نشاطه العسكري، واتخذ مقاتلوه من كردستان العراق منطقة لحماية قواعدهم الخلفية، فشهد عقدا الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين أكثر فترات الصراع الدموي بين الكُرد والجيش التركي، خصوصاً بعد الاضطرابات التي شهدتها تركيا في يوليو 1980، والتي اضطرت المواطنين الكُرد للهروب إلى الدول الأخرى، ليتلقى الحزب ضربة قوية في العام عام 1999 باعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، وسجنه في تركيا بتهمة الخيانة.

اقرأ أيضاً: ما هدف الإخوان المسلمين من دعوة تركيا للسيطرة على شمال سوريا؟
وعليه، اتسمت العلاقة بين الكيان التركي الناشئ عقب الحرب العالمية الأولى، والكُرد، بالكثير من التوتر والقلاقل، فيما كانت القوات التركية تحسم القضية عسكرياً، كلّ مرة، رغم أنّ حلّها ربما سيكون أسهل سياسياً، وبكلفة أقل؛ مادياً وبشرياً، لكنّ إصرار أنقرة على شعارها المعهود (شعب واحد، وطن واحد، راية واحدة) في بلد تتعدد فيه القوميات والأعراق!

أوجلان أثناء محاكمته في تركيا عقب اعتقاله

رسالة أوجلان لكُرد سوريا
استدلالاً من العلاقة المتوترة بين الجانبين، تحاول تركيا الاستفادة من تصنيف حزب العمال الكردستاني كتنظيم (إرهابي) بغية إحراج حلفاء "قوات سوريا الديمقراطية" الغربيين، بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، من خلال الحديث عن علاقة تربط بين الحزب و"قسد"، وهي علاقة لا تبدو الأخيرة أنّها تتجنبها تماماً، وتجلى ذلك من خلال رفع صور أوجلان عند إعلان هزيمة داعش في عاصمته المزعومة "الرقة" السورية، عام 2017.

اقرأ أيضاً: هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟
موقف دفعت "قسد" ثمنه باهظاً، فلم تتمكن من إنقاذ عفرين، التي كانت خاضعة لـها، وتمّ الهجوم عليها من قبل تركيا، كانون الثاني (يناير) 2018، لتُعيد عقبه النظر في حساباتها، عبر إزالة الصور والرموز الدالة على حزب العمال الكردستاني من مناطق سيطرتها في شمال سوريا، وهو ما أضحى أكثر وضوحاً في مراسم الإعلان عن نهاية تنظيم داعش عقب هزيمته في الباغوز، عندما غابت أيّة صور تدل على العمال الكردستاني في الاحتفال، الذي أقيم يوم الثالث والعشرين من آذار (مارس) الماضي، في حقل العمر النفطي، ليكتفيَ المُحتفون برايات "قسد" و"وحدات حماية الشعب" وأمريكا.

اقرأ أيضاً: الكُرد السوريون.. مُعارضون أم موالون للنظام؟
إشارة، رغم بساطتها، تلقفها مُتابعون لاستنباط نجاح الجهود الأمريكية بالفصل بين "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني"، وهو ما يبدو أنّ أوجلان نفسه ليس بعيداً عنه؛ حيث وجّه الرجل المُعتقل، في السادس من أيار (مايو) الماضي، رسالة لأنصاره، نقلها محاموه، قال فيها: "بإمكاننا حلّ مشاكل تركيا ومشاكل المنطقة، بعيداً عن الحرب وسبل العنف الجسدي، بل عبر القوى الناعمة؛ أي قوى العقل، والقوى السياسة والثقافية"، مُتابعاً: "نحن على ثقة بقدرة قوات سوريا الديمقراطية على حلّ المشاكل في سوريا ضمن إطار المحافظة على وحدة الأرض على أساس الديمقراطية المحلية بضمانات دستورية، بعيداً عن ثقافة الاقتتال، مع أخذ حساسية تركيا بعين الاعتبار".

إعلان تحرير الرقة العام 2017

ردّ الإدارة الذاتية
وعقب الرسالة بيومين، ردّت الإدارة الذاتية على رسالة أوجلان، وقالت إنّهم ينظرون "إلى رسالة أوجلان التي تسعى إلى إيجاد الحلول للقضايا بأسلوب الحوار السياسي والديمقراطي، بأنها تحمل في طياتها معانٍ قيّمة"، وأضافت؛ أنّ أوجلان بقي في سوريا 20 عاماً، ولديه وجهة نظر متعمقة من خلال الوعي التاريخي العميق للتطورات والأحداث في سوريا، كما رأت "الإدارة الذاتية"؛ أنّ "رؤيتها الديمقراطية تدعم بناء دستور ديمقراطي يحقق الاستقرار ويدعم الوحدة في سوريا، كما أنّ مشروع الإدارة الذاتية رؤية فعّالة لإيجاد الحلّ من خلال الحوار الحقيقي والمسؤول"، وحول تركيا، اعتقدت "الإدارة" أنّها لم تشكل تهديداً عليها، في حين شنّت تركيا عملية عسكرية في عفرين وتواصل تهديداتها وهجماتها.

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية
من جهته، قال الرئيس المشترك لـ "مجلس سوريا الديمقراطية"، رياض درار، عبر حسابه في فيسبوك: إنّ "ما قاله أوجلان تنفذه الإدارة الذاتية في الشمال والشرق السوري، وهو السعي لحلّ سياسي يوقف المقتلة السورية، وإدراك أهمية الحساسية التركية تجاه التغيرات التي تجري في المحيط والتحرك تجاهها بحذر"، ووصف بيان أوجلان بأنّه "عاقل ومتّزن، يحتاج التجاوب من الجهات المخاطبة به، النظام السوري والحكومة التركية"، أمّا التعقيب الأمريكي؛ فقد جاء على لسان جيمس جيفري، مبعوث الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ضدّ داعش، الذي أكّد أنّ "أوجلان هو من يتخذ موقفه"، وأضاف جيفري: "أؤكد أنه لم يكن هناك أيّ تنسيق مع السيد أوجلان أو أناس قريبين له".
مفاوضات سرّية
وعقب الرسالة، نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، تقريراً تُرجم للعربية، في الثاني عشر من أيار (مايو) الماضي، تحدث عن عزم كلّ من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية خوض محادثات للتوصّل إلى تسوية بشأن المشاكل في سوريا بعد انتهاء الحرب، وقال الموقع في تقريره: إنّ "السعادة غمرت إلهامي إشك حين علم أنّ الحكومة التركية سمحت لعبد الله أوجلان بلقاء محاميه، فالكردي المحافظ وأصيل مدينة باتمان (الكردية) الذي لعب دوراً فعالاً في عدة محادثات بين المسؤولين الأتراك وممثلي حزب العمال الكردستاني في الماضي، أصبحت الأمور جلية له، فبعد فشل عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة، عام 2015، يُعدّ هذا القرار (رفع الحجْر عن أوجلان) بمثابة الخطوة الأولى في الطريق نحو استئناف المفاوضات بين الطرفين"، وبحسب إشك؛ يعدّ "البيان في حدّ ذاته دليلاً على أنّ المسؤولين الأتراك قد التقوا بالفعل بأوجلان"، قائلاً: "لقد توصلوا إلى أرضية مشتركة تخوّل لهم المضيّ قدماً وخوض المزيد من المحادثات، وهو ما دفع أوجلان لإصدار هذا البيان".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"
فيما سرّبت مواقع مُناوئة لقوات سوريا الديمقراطية، في الرابع عشر من أيار (مايو) الماضي، أنباءً عن اتصالات غير مباشرة بين "قسد" والنظام التركي، بوساطة أمريكية، لكن دون أن ترتقي إلى مفاوضات حقيقية ومباشرة بين الطرفين، ذاكرةً أنّ هناك تقارباً أمريكياً تركياً حول مشروع "المنطقة الآمنة" في شرق الفرات، وأنّ الطرف الأمريكي يضغط على "قسد" لإبداء المرونة اللازمة، مع الإشارة إلى تنسيق الأمريكيين مع "قوات سوريا الديمقراطية" في كلّ خطواتها مع الحكومة التركية بشأن "المنطقة الآمنة".
نصائح لا تعليمات
يقول حسين فقه، مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" في أوروبا، خلال حديثه لـ "حفريات"، حول رسالة أوجلان لـ "قسد"، واحتمالات أن تستغله تركيا كبرهان حول العلاقة مع حزب العمال الكردستاني: "حتماً لا، فشخصية القائد أوجلان تجاوزت حزب العمال الكردستاني المتواجد في باكوري كردستان "شمال كردستان" (المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا) ليصبح شخصية قيادية فكرية وفلسفية كردستانية، تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية الكُردية في كلّ أجزاء كُردستان، وفي هذا السياق هناك تجارب عدة بتوجيهه خطابات للإدارة السياسية لباشوري كردستان "جنوب كردستان" سواء السيد مسعود البارزاني، أو الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني، أمين عام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك خطاباته الخاصة بروجهلاتي كُردستان "شرق كُردستان" (المناطق الكردية غرب ايران)، ناهيك عن توجيهه النصائح والحلول لقضية الكُرد في باكوري كُردستان "شمال كردستان"، وتأتي رؤيته بالنسبة إلى قسد وتوجيهه بعض النصائح في هذا السياق أيضاً".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
ويتابع: "القائد أوجلان أصبح مفكراً وفيلسوفاً كردستانياً، بل وإنساني، يفكّر في مصير شعوب المنطقة قاطبة متجاوزاً بذلك القومية الضيقة إلى نظريته "الأمة الديمقراطية"، وليس سرّاً أنّ للقائد عبد الله أوجلان شعبية واسعة في روج آفاي كردستان بحكم بقائه في سوريا، وروج آفا لأعوام طوال، وليس سراً أيضاً أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، والإدارة الذاتية الديمقراطية، في شمال وشرق سوريا، ووحدات حكاية الشعب والمرأة، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية تنهل من فلسفة " الأمة الديمقراطية" للقائد (آبو/ كلمة كردية تعني "العم")، وبالتالي؛ فإنّ تجربة روج آفا وشمال سوريا في الإدارة الذاتية الديمقراطية هي من نفحات تلك الفلسفة، وليست من مخرجات الأيديولوجيا التي يتبناها حزب العمال الكردستاني، وهنا يجب التفريق بين الاهتداء بفلسفة إنسانية تسعى للحرية والديمقراطية والعيش المشترك بين شعوب المنطقة، كما ينظر إليها القائد (آبو)، وبين حزب سياسي ثوري يعمل لأجل حرية شعبه في باكوري كُردستان؛ لذلك من المجحف والمجافي للحقيقة ربط بعض ملاحظات القائد عبد الله أوجلان بالنسبة إلى قسد مع تبعية الأخيرة لحزب العمال الكردستاني".
 أردوغان قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية

بوابة للسلام
وحول إمكانية تبوّؤ كُرد سوريا دوراً في فتح بوابة سلام بين تركيا ومواطنيها الكُرد، يقول فقه: "ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار أيضاً، وعلى رأسها تركيا، إذا ما تحلت الأخيرة بنوايا خيّرة لسوريا وشعوبها، وبالتالي لتركيا وشعوبها، وما هو ظاهر حتى الآن؛ أنّ تركيا "حزب العدالة والتنمية" تخدم أجندات توسعية تأخذ مبرراتها من جذور تاريخية احتلالية لشعوب المنطقة وفق الميثاق الملي للدولة العثمانية، ومن المستحيل أن يتم التعايش مع هذه العقلية التوسعية للدولة التركية والتوافق معها، وما احتلال عفرين من قبل الدولة التركية ومرتزقتها الجهاديين إلا دليل على النوايا السيئة التي تضمرها الدولة التركية للكُرد وشعوب المنطقة".

كاتب مصري: الانفتاح التركي على أوجلان مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات

ويردف: "لكن، مع الإخفاقات المتكررة لسياسات حزب العدالة والتنمية وزعيمها أردوغان، قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية، أنقرة وإسطنبول، اللتان تعدّان مدينتي القرار الاقتصادي والسياسي، وذلك بهدف  كسب أصوات الكُرد في إسطنبول والتي من المزمع إعادة الانتخابات فيها بعد أن رضخت اللجنة العليا للانتخابات لضغوط أردوغان وأقرّت إعادة الانتخابات فيها، وهو ما أثار حفيظة وانتقادات المجتمع الدولي والشعب التركي على حدّ سواء؛ لأنّه أجلى تعبيراً عن سحق الديمقراطية في رحم صناديق الاقتراع وهو أحدث ما تفتقت به عقلية أردوغان بالنسبة إلى الديمقراطية".
وينوه فقه إلى أنّه "رغم كلّ ما سبق، فالمحاولات الأمريكية لإيجاد صيغة للتفاهم بين قسد وتركيا قد تعطي، في مناخ مناسب، أكلها، لتصبح روج آفا بوابة للانفتاح التركي على قضايا شعوبها وعلى رأسها الكُرد"، مستدركاً: "مع أنني لا أظنّ أنّ ذلك سيكون متاحاً في ظلّ سياسات العدالة والتنمية وتعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها، ولكن من حيث المبدأ فالكُرد في سوريا على استعداد تام ليكونوا جسراً لتعيد الدولة التركية التفكير بسياساتها والعودة لمفوضات السلام مع حزب العمال الكُردستاني، وذلك يستوجب خطوات طارئة من الأتراك، أوّلها: فكّ العزلة المفروضة على القائد، عبد الله أوجلان، وإطلاق سراح البرلمانيين الكُرد، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرتاش، والانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها، وعلى رأسها عفرين، من هنا قد نقول: إنّه ثمّة مرحلة جديدة من العلاقات قد تبدأ".
ما بين السطور
أما الرسائل التي يمكن استقراؤها ما بين سطور رسالة أوجلان المُقتضبة، فيقول حولها فقه لـ "حفريات": "تلك الرسالة المقتضبة حملت الكثير مما يمكن فهمه كردياً، سواء على مستوى باكوري كردستان أو روج آفاي كردستان، فما رشح من الرسالة هو ما وافق عليه الميت التركي، وهذا ليس خافياً على أحد، وذلك بالتحديد يحمل الكثير من الدلالات التي من المتوجب الأخذ بها، والكُرد سواء في باكوري كردستان أو روج آفا قد أخذوا من الرسالة ما يريده القائد أوجلان وما يريده الكُرد وليس ما يريده أردوغان والميت التركي".

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
وفيما يخصّ الحديث عن جهود أمريكية لإجراء اتفاق بين الإدارة الذاتية وتركيا، وأنها قد تشمل حصول أردوغان على (بلدية إسطنبول مجدداً مقابل المنطقة الآمنة شمال سوريا)، فيرى فقه أنّ تلك "توقعات صحفية لا غير"، قائلاً: "هناك محاولات أمريكية لتقريب وجهات النظر بين قسد وتركيا، وقد أفصح عنها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في كلمته التي ألقاها في ملتقى العشائر السورية، ولكن تلك المحاولات الأمريكية تخص الشمال السوري وكُرد سوريا، وليس هناك أيّة تقاطعات بينها وبين العملية السياسية والانتخابية في تركيا".
ويتابع: "أردوغان يسعى إلى ما يريد، وفي المقابل؛ نحن نسعى إلى ما يريده شعبنا، وبالتأكيد؛ هاتان الإرادتان خطان مستقيمان متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا إلا إذا ما غير أردوغان وحزب العدالة والتنمية من توجهاتهما، وذلك إن حدث فبتأثير فشل المشروع التركي ليس إلا، وليس مسألة مبدأ وقيم، فالفكر الإخواني، سواء كان عربياً أو تركياً، لا يتواءم مع حقوق الشعوب والديمقراطية، والتفاهمات التي تسعى لها واشنطن تخصّ واشنطن، وما تقبله قسد والإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا هو مصلحة شعبنا الكُردي ومكونات الشمال السوري".

عفرين

وحول مآلات الوضع في منطقة عفرين الكُردية شمال غرب سوريا، التي وقعت تحت سيطرة الجيش التركي والمسلحين التابعين لتركيا من المعارضة، يقول فقه لـ "حفريات": "عفرين كُردية وجزء لا يتجزأ من روج آفا، وهي سورية، وأبناء عفرين لن يتركوها يوماً ليهنأ أردوغان بضمها إلى تركيا والاستمرار باحتلالها، ولن تكون تركية قط وهذا ما يدركه الاحتلال التركي جيداً، فلقد تمّ احتلال عفرين بضوء أخضر روسي وتخاذل سوري وتغاطي دولي تماشياً مع ظروف سياسية وتفاهمات مُقايضة بين موسكو وأنقرة، وكما تمّ احتلال عفرين بتوافق دولي ضمن مُتغير سياسي؛ فهي ستتحرر في ذات المتغير؛ حيث ليس هناك ثابت في التوافقات بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية".
ويعرب فقه عن ظنه بأنّ "هناك خطأ في التعبير، فتركيا ستنسحب من عفرين أمام إرادة شعبها، لتعود عفرين إلى حضن روج آفا وإدارتها الذاتية الديمقراطية، وليس لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي، أو أيّة جهة سياسية أخرى، عفرين ستعود لصالح شعبها وشعب روج آفا، وستتحرر لتثبت كرديتها وسوريتها". 
مَن في حاجة الآخر؟
حول إمكانية تلقف تركيا بريادة أردوغان لفرصة الحوار والحل السلمي مع قسد، يقول الكاتب المصري المتخصص بالشأن التركي والقضية الكُردية محسن عوض الله في حديثه لـ "حفريات": "أعتقد أنّ حاجة تركيا، بزعامة أردوغان، إلى السلام مع الأكراد، تفوق حاجة الأكراد إلى ذلك، فتركيا أردوغان في حاجة إلى تهدئة عامة مع الكُرد، ليس في سوريا وحدها؛ بل في تركيا قبل سوريا، خاصة في ظلّ الأزمات التي يعاني منها نظام أردوغان وخسارته الكثير من قاعدته الشعبية الانتخابية، وهو ما أظهرته الانتخابات البلدية التي خسر العدالة والتنمية مدنها الرئيسة، خاصة إسطنبول، بما تمثله من مكانة للحزب الحاكم باعتباره منطلق الصعود لأردوغان نحو السلطة المطلقة".

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
ويرى أنّ "الانفتاح التركي على أوجلان في الأيام الأخيرة، سواء بالسماح بنشر رسالة منه، ثم إلغاء حظر لقاءاته بمحاميه، مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات، كما أنّها أشبه بتهدئة جبهة صراع حتى لو بشكل مؤقت، في ظلّ اشتعال الكثير من الجبهات ضدّ أردوغان ونظامه".

تلبي الطموحات أم دونها

وحول ماهية الديمقراطية المحلية التي دعا إليها أوجلان، بضمانات دستورية، في سوريا، نوّه عوض الله إلى أنّ البعض قد يرى أنّ "المصطلح الذي استخدمه أوجلان يخالف نظرية الأمة الديمقراطية التي تتبناها الإدارة الذاتية، ولكني أرى أنّه لا فرق، وأنّ الأمر مجرد مصطلح مختلف، أو لفظ ليس إلا".
وأردف: "لا أعتقد أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الديمقراطية المحلية التي دعا لها أوجلان، وبين ما تطالب به الإدارة الذاتية من لامركزية الحكم، الديمقراطية المحلية في العلوم السياسية تعني تفويض السلطة والمسؤولية إلى مؤسسات ديمقراطية محلية؛ كالقرى، البلديات، المدن أو غيرها من التجمعات البشرية، بصورة تتفكك معها القبضة المركزية لنظام الحكم ، ويصنع إدارات محلية منتخبة تقوم بتأدية دورها في خدمة التجمع البشري المحيط بها، وتملك من السلطات الكثير بما يمكنها من إدارة المنطقة بشكل كامل، وهو ما يتشابه مع ما تقوم به الإدارة الذاتية".

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
أما هل خدمت الرسالة طموحات الكُرد السوريين، أم أنّها شكّلت عائقاً أو انتكاسة لمطالباتهم؟ فيرى عوض الله أنّ "رسالة أوجلان هي محور سياسة أكراد سوريا، فالرسالة لم تأتِ بجديد، فمنذ نشأتها لم تقم قسد بأي عمل استفزاز لتركيا، وكانت تراعي الحساسيات التركية بسوريا، ولا تمانع "قسد" من الحوار مع تركيا، وأعلنت ذلك مراراً، شرط التزام تركيا واعترافها بحقوق الأكراد، الأزمة ليست في كُرد سوريا بل في تركيا ونظام أردوغان".
وأعرب الباحث المصري عن اعتقاده أنّ أيّة خطوة نحو التقارب بين الأتراك وأكراد سوريا "يجب أن تبدأ من أنقرة، التي تحتل مدن شمال سوريا، وإن أرادت السلام فعليها مُغادرة عفرين، كشرط أوليّ، قبل أيّة جلسات حوار، إن كانت هناك نية للحوار من الأساس".

الصفحة الرئيسية