هل يؤسس المتمردون على الغنوشي حزباً إسلامياً جديداً؟

هل يؤسس المتمردون على الغنوشي حزباً إسلامياً جديداً؟

مشاهدة

05/08/2021

تعيش حركة النهضة منذ سنتين على وقع خلافات داخلية علنية، فاقمتها قرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد الأخيرة بتجميد البرلمان (مركز السلطة الذي تسيطر عليه حركة النهضة) وفتح ملفات الفساد والتمويل الخارجي والاغتيالات السياسية، فضلاً عن الرفض الشعبي لتواصل سيطرة الحركة على القرار السياسي بتونس، وهو ما زاد ضغوط الغنوشي.

على إثر هذه القرارات، تعالت الأصوات الرافضة لوجود الغنوشي ليس فقط من الشارع التونسي والأحزاب المعارضة، بل من داخل الحركة نفسها، ويرى أغلب من حاورتهم "حفريات"، أنّ الغنوشي انتهى وانتهت معه حركة النهضة، وأنّ قياداتها المعارضة للغنوشي تعتزم تكوين حزب إسلامي جديد.

الغنوشي تحت الضغط

تم نقل راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي، رئيس حركة "النهضة"، مساء الأحد، إلى المستشفى العسكري في العاصمة، إثر تدهور حالته الصحية، فيما نُقل قبل يوم إلى عيادة خاصة إثر تدهور حالته الصحية.

وأكد مكتب الغنوشي في بلاغ إعلامي نشرته الصفحة الرسمية لراشد الغنوشي على "فيسبوك": "تعرض الأستاذ راشد الغنوشي لوعكة خفيفة مساء يوم السبت 31 يوليو 2021، تنقل على إثرها للمصحة".

وبالتحري، أكدت مصادر طبية ومصادر سياسية مقربة من الغنوشي لـ"حفريات"، أنّ تعكر حالة الغنوشي، هو ضمن تداعيات إصابته سابقاً بفيروس كورونا، الذي تفاقم بسبب الضغوط السياسية على خلفية قرارت الرئيس التونسي الاستثنائية.

الناطق باسم النهضة فتحي العيادي لـ"حفريات" فتحي العيادي: الحركة تمر بظروف صعبة تماماً كالظروف التي تمر بها البلاد وسيتم الأخذ بمطالب شبابها على محمل الجد

وكان الغنوشي قد اُصيب منتصف يوليو (تموز) الماضي، بكورونا ما استوجب حينها نقله إلى مستشفى، ثم أُعلن لاحقاً عن شفائه، فيما راجت أخبار حول إمكانية مغادرة الغنوشي تونس قصد العلاج خارج البلد.

هذا ويعيش الغنوشي ضغوطاً سياسية متزايدة، منذ 25 تموز ( يوليو)، على إثر قرارات سعيّد بتجميد البرلمان وتتبع النواب المورطين في قضايا مالية وأمنية، وفتح ملفات الفساد والتمويل الأجنبي للأحزاب.

دعوات لتحمل المسؤولية

وقد دعت مجموعة من شباب الحركة بينهم نواب وقيادات، إلى تغيير القيادة الحالية للحركة، مع ضرورة تحمّل "مسؤولية التّقصير في تحقيق مطالب الشّعب التونسي، وتفهم حالة الاحتقان والغليان، باعتبار عدم نجاعة خيارات الحزب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وطريقة إدارتها للتّحالفات والأزمات السياسيّة إلى جانب المطالبة بحل المكتب التنفيذي حالاً".

وقد أكد فتحي العيادي، الناطق باسم الحركة لـ"حفريات" ونائب الغنوشي، أنّ الحركة تمر بظروف صعبة تماماً كالظروف التي تمر بها البلاد، وأنّ الغنوشي التقى شباب الحركة، وسيتم الأخذ بطالب الشباب على محمل الجد، مشدّداً على ضرورة الانتباه لمثل هذه المطالب، وتوفير الإمكانيات الكافية للاستجابة لها.

فتحي العيادي

كما عبرت قيادات تاريخية بالحركة علناً بينهم سمير ديلو عن رفضها دعوات الغنوشي بالنزول إلى الشارع، مؤكداً، وجود "تيار قوي تأكّدت مواقفه بعد 25 تموز (يوليو)، يرى أنّه لا يجب أن نحبس أنفسنا داخل حالة من الإنكار".

اقرأ أيضاً: قيادي سابق في حركة النهضة يطالب بالإطاحة بالغنوشي.. تفاصيل

كما دعا النائب عن الحركة محمد القوماني تحمل قيادتها لجزء مهمّ من مسؤولية الحكم خلال فترة ما بعد الثورة، والاعتراف بارتكاب أخطاء غير قليلة، ذات تداعيات سلبية على جماهيريتها ورصيدها الانتخابي المتراجع، وأيضاً على ما انتهت إليه الأوضاع من تردٍّ على أكثر من صعيد.

جمعي القاسمي

ويعتقد في هذا السياق، المحلل السياسي جمعي القاسمي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الغنوشي انتهى داخل حركته، وأنّ رياحاً عاتية عصفت به على الصعيدين الداخلي والتنظيمي لحركته، وعلى المستوى الإقليمي الدولي، معتبراً أنّه خرج من النافذة على مستوى المشهد التونسي العام، وسيخرج بشكل مماثل من تنظيم الإخوان الدولي.

وأكد القاسمي أنّ الغنوشي انتهى سياسياً على الأقل خلال هذه المرحلة، باعتبار التصدعات والرفض الذي يواجهه من  داخل حركته، ومن التونسيين بشكل عام.

مطالب بالانسحاب

من جانبه، طالب القيادي في حركة النهضة محمد بن سالم صراحة رئيسها راشد الغنوشي بالانسحاب من الحركة بسبب الازمات السياسية المتعددة التي تمر بها البلاد نتيجة للسياسات الخاطئة.

وقال بن سالم في حوار عبر اذاعة " الديوان اف ام" الاثنين "إذا كان رئيس الحركة راشد الغنوشي حريصاً على وحدة الحركة فإنّ عليه الانسحاب من رئاستها تسليمها لمن يخلفه طبقاً لما ينص عليه القانون الداخلي للحزب".

وتابع بن سالم: "راشد الغنوشي زعيم للحركة ليس فقط رئيسها ...لا نريد أن يخرج من الباب الصغير، نريده أن يبقى زعيماً للحركة حتى وإن لم يعد رئيسها".

كما قال القيادي في الحركة ووزير الصحة الأسبق عماد الحمامي في حوار على قناة التاسعة الخاصة الاثنين، إنّه يجب إعفاء القيادة الحالية وإعفاء المكتب التنفيذي الحالي، وتشكيل مكتب جديد مؤقت يقوم بتنظيم مؤتمر الحركة في أقرب الآجال لاختيار قيادة جديدة.

المحلل السياسي جمعي القاسمي لـ"حفريات": راشد الغنوشي خرج من النافذة على مستوى المشهد التونسي العام، وسيخرج بشكل مماثل من تنظيم الإخوان الدولي

وليست هذه الدعوات الأولى لانسحاب الغنوشي من قيادة الحركة، فقد وقّع 100 عضو من قيادات وازنة داخل الحركة تتوزع بين مجلس الشورى والمكتب التنفيذي ونواب الكتلة، على غرار عبد اللطيف المكي ونور الدين العرباوي وفتحي العيادي وسمير ديلو وآخرون، رسالة تم نشرها للعموم في أيلول (سبتمبر) 2020، تطالب رئيسها بعدم الترشح لعهدة جديدة، وقد فجرت الرسالة حينها نقاشاً حاداً داخل الحركة حول استحقاقات الحزب الانتخابية، وتكريس مبدأ التداول على الزعامة.

ويرى المحلل السياسي رافع الطيب أنّ الغنوشي استقطب خلال السنوات العشر الماضية أعداداً مهمة من الانتهازيين، والتجمعيين القدامى، لضرب معارضيه داخل الحركة، خصوصاً من لهم مشروعية سجنية (سُجنوا سابقاً)، معتبراً أنّ من يطالبون بانسحاب الغنوشي من قيادة الحركة ينقسمون إلى مجموعتين؛ الأولى بحسب ما أكده الطبيب لـ"حفريات"، هم لا يفقهون شيئاً من السياسة ويعتقدون أنّه من الممكن أن يسلم الغنوشي قيادة الحركة بأموالها إلى أشخاص آخرين من خارج أبنائه وبناته وأصهاره، معتبراً أنّ النّهضة ملك للغنوشي وعائلته، بحسب تفكير زعيمها.

اقرأ أيضاً: حلال للغنوشي حرام على سعيّد

وأما المجموعة الثانية فتضم من يعلمون جيّداً ألاعيب السياسة، ويعلمون أنّ الغنوشي لن يتنازل عن قيادة الحركة، وهم يصرّحون برفضهم لما يحصل داخل النهضة ولرفضهم للغنوشي، تحضيراً لخروجهم وتكوين حزب جديد يلتقون فيه بعناصر يمينية من خارج النهضة، مشدّداً على أنّهم متيقنون من أنّ حركتهم الحالية صُدمت بواقع جديد وبرفض شديد من الشارع التونسي.

الغنوشي لم يستوعب الدرس

وبرغم الاحتجاجات التونسية التي تطالب بعزل الغنوشي، وبرغم التململ داخل حركاته ودعوته للانسحاب من قيادتها، واصل الغنوشي في تصعيده، وأعلن عن تكوين جبهة وطنية لمواجهة الرئيس قيس سعيّد لمطالبته للعودة إلى الوضع العادي للبلاد.

وأشار الغنوشي في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس"، إلى أنّ حزبه وكتلاً نيابية أخرى ينظمون صفوفهم للضغط على الرئيس بهدف احترام إرادة الشعب التونسي، مضيفاً "نسعى للعمل، ليس كأحزاب منفصلة، ولكن كجبهة وطنية لبناء أوسع جبهة ممكنة من أجل إقناع الرئيس في نهاية المطاف بالخضوع لإرادة الشعب"، منوّهاً بإمكانية تنظيم احتجاجات واعتصامات.

اقرأ أيضاً: تونس بين "البورقيبية" و"الغنوشية"

وأضاف "نحن نتجه نحو تصعيد الضغط على الرئيس... بالطبع سلمياً... للمطالبة بالعودة إلى النظام الديمقراطي واحترام إرادة الشعب التونسي"، وهو ما اعتبره الإعلامي والمحلل السياسي يوسف الوسلاتي قفزاً نحو المجهول، خصوصاً أنّ مستقبل الرجل صار واضحاً بل أصبح وراءه.

يوسف الوسلاتي

واعتبر الوسلاتي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الغنوشي لم يستوعب الدرس بعد أن طالب التونسيون بإبعاده عن القرار السياسي، ومازال يدفع بالبلاد إلى الهاوية ويتدخل في علاقات تونس بأوروبا، عبر تهديد الدول الأوروبية بالمهاجرين، ومازال يهدد التونسيين بالعنف والإرهاب، مشدّداً على أنّه انتهى سياسياً داخل حركته وخارجها.

وقال الوسلاتي إنّ الشارع التونسي يترقب تحقيقات مع الغنوشي وأتباعه في الفترة القادمة، لأنّ قضايا عديدة تتعلق به لم تُفتح بعد، فضلاً عن تورطه في قضايا الاغتيال السياسي، مشدّداً على وجود عدم رضا تونسي عن أدائه، بعد أن ظلّ يشارك من مواقع متقدمة في صياغة القرار السياسي في تونس منذ 2011.

جدير بالذكر أنّ الغنوشي تصدّر في عدّة مناسبات قائمة الشخصيات السياسية الأقل ثقة في تونس، والتي لا يريد التونسيون منها أن تلعب أي دور سياسي في البلاد، وحطّم كل الأرقام القياسية في مؤشر انعدام الثقة، وذلك بحسب استطلاعات رأي أجرته مؤسسة "سيغما كونساي" المتخصصة بالتعاون مع "صحيفة المغرب".

الصفحة الرئيسية