هل نجح علم الاجتماع حقاً في تغيير المجتمعات؟

هل نجح علم الاجتماع حقاً في تغيير المجتمعات؟

هل نجح علم الاجتماع حقاً في تغيير المجتمعات؟


17/09/2022

اعتاد الناس في بعض المجتمعات العربية؛ ولا سيما في سوريا الطبيعية، على احتساء قهوتهم الصباحية بصحبة صوت فيروز؛ فإذا ما تغيّرت الأغنيات في الأسبوع التالي عما سمعوه من قبل، تتغيّر معها مشاعرهم وأحاسيسهم، حتى اللذة السمعية تتغير، وإن دلّ هذا على شيء فهو يدل على كسر الروتين اليومي الذي يرافق الطقس الاجتماعي المتمثل بـ "فنجان القهوة"، كما أنّ دعوة شخص لآخر لاحتساء القهوة معاً، هو نشاط اجتماعيّ يُعبر عن التواصل الاجتماعي بين الأفراد. لذلك يرى عالِم الاجتماع الشهير، أنتوني غدنز، أنّ فنجان القهوة "ليس مجرد شراب منعش أو منبه، بل إنّ له قيمة رمزية باعتباره جزءاً من أنشطتنا الاجتماعية اليومية،  والطقوس التي ترافق القهوة أهم من استهلاكنا لها" ، فكيف لو احتسينا القهوة الصباحية من دون صوت فيروز، على سبيل المثال، أو على أصوات الطائرات والقذائف والانفجارات، ألا تتغير نظرتنا إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان؟

يرى المفكر الأمريكي، رايت ملز، أنّ العمل السوسيولوجي يعتمد على "إعمال المخيّلة السوسيولوجية"؛ إذ يمكن للمتخيَّل أن يصبح واقعاً جديداً. فإعمال المخيّلة الاجتماعية؛ تؤمّن الطريق للأفراد لإدراك الظواهر الفردية في المجتمع (القضية الشخصية) التي تصبح فيما بعد ظاهرة اجتماعية عامة، كالبطالة والطلاق. وهنا يرى غدنز أنّ "كل قضية فردية تنعكس على المجتمع، والعكس صحيح"؛ "فالطلاق، على سبيل المثال، ليس قضية شخصية بحتة، إنما هو ظاهرة اجتماعية تعاني منها جميع المجتمعات في العالم"   والمقصود هو ارتباط الخاص بالعام، وانعكاس كلٍ منهما على الآخر، فإنّ أي نشاط للفرد في أي مجتمع، هو الذي يشكّل، المجتمع، وبالتالي إنّ المجتمع أيضاً يشكّل هذا النشاط ويقويه، سواء بالسلب أو بالإيجاب.

علم الاجتماع موجود للدراسة فقط مقابل الممارسات المضادة لمقوماته كالعنف والعنف المضاد وإقصاء الآخر وعدم الثقة به

رأى ماركس أنّ تطور المجتمعات مرهون بنمو عملية الإنتاج الاجتماعي، ونمو الثروة الاقتصادية، التي ربطها بالمؤسسات الاجتماعية؛ أي بتحسين الوضع الاقتصادي للطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة (فقراء المدن والأرياف)، وحدد نظريته بعاملين اثنين؛ الأول هو "رأس المال المادي" ومستلزمات إنتاجه أما العنصر الثاني فهو "العمل"؛ أي العنصر الإنساني، الذي تحدده علاقات الإنتاج، وهو الأهم في النظرية. وقد طوّر بعد ماركس بزمنٍ، طويل عالم الاجتماع الشهير، هبرماس، تلك النظرية؛ ليرى فيها العامل الأساسي في النشاط الاجتماعي والتواصل الاجتماعي وتداخل الثقافات، عن طريق التبادل التجاري بين المجتمعات.

اقرأ أيضاً: الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة
قبل اكتشاف العلماء للعلوم الإنسانية، ومنها علم الاجتماع، كان تطور المجتمعات تطوراً فطرياً (حسب حاجات الإنسان الطبيعية وغريزة البقاء)، تطورت من الصيد والالتقاط إلى الرعي والزراعة إلى الصناعة اليدوية ومنها إلى الصناعة الآلية، ومن المجتمعات البدائية أو المشاعية إلى مجتمعات صغيرة، بدأت بالأسرة من ثم العائلة فالعشيرة، هذا التطور التلقائي ألهم الفلاسفة لدراسة طبيعة المجتمعات واستنباط الأسس والأنظمة والقوانين التي تحكمها، وقد أطلق "ابن خلدون" على علم الاجتماع اسم "العمران البشري"، وذلك لما يبني في الإنسان من قيم وقوانين أخلاقية وقدرات ذاتية، تنعكس جميعها على المجتمع.

فهل يمكن لعلم الاجتماع، وغيره من العلوم الإنسانية، أن يتغلب على الحرب التي خلفّت الدمار في المجتمعات، وعلى التعصب الطائفي والديني والعرقي والسياسي، في العالم بوجه عام، وفي العالم العربي بوجه خاص؟
قرر عالم الاجتماع الفرنسي، أوغست كونت (1798-1857) أن يبحث في طبيعة المجتمع الفرنسي بعد أن رأى الفوضى تعم الأفراد والجماعات في عصره؛ إذ إنّ الثورة الفرنسية أدخلت على الفرنسيين مصطلحات جديدة (كالحرية والعدالة والمساواة)، وقد بدأت تلك المصطلحات بتغيير الحياة التقليدية للمجتمع الفرنسي، من هنا سعى "كونت" إلى وضع علم يفسّر القوانين والنُظم الجديدة التي طرأت على المجتمع، وقد نجح في نحت مصطلح "علم الاجتماع" بعد أن كان علم "الفيزياء الاجتماعية"، ونجح علم الاجتماع بدوره في تغيير المجتمعات الأوربية إلى حد كبير، ليس على يد كونت ومنهجه العلمي فحسب، إنما على أيدي علماء آخرين أتوا من بعده ليساهموا في تطوير هذا العلم بما يتناسب مع البيئة المحيطة بهم، سياسياً واجتماعياً واقصادياً ودينياً، حتى أصبحت مفاهيم "الحرية والعدالة والمساواة" ممارسات فعلية كممارسة الطعام والشراب، كما ساهمت المجتمعات ذاتها في تطوير "علم الاجتماع"؛ فالعلاقة متبادلة بين علم الاجتماع والمجتمع.

هل يمكن لعلم الاجتماع أن يتغلب على الحرب التي خلفّت الدمار في المجتمعات وعلى التعصب الطائفي والديني والعرقي والسياسي؟

إنّ وجود أي علم يقتضي وجود المعرفة، والمعرفة إدراك؛ إدراك للذات أولاً، من ثم إدراك الظواهر الخارجية، فلم يعد السلوك ينفصل عن الفكر. ففي جامعات الدول العربية والعالم الثالث على سبيل المثال، فروع لدراسة علم الاجتماع، تُخرج عدداً لا بأس به من الطلاب في كل عام، هذا  يعني أن هذا العلم موجود للدراسة فقط، مقابل الممارسات المضادة لمقوماته، كالعنف والعنف المضاد، وإقصاء الآخر، وعدم الثقة به. لعل هؤلاء الدارسين والدارسات لم تجمعهم الرغبة في دراسة الظواهر الاجتماعية القائمة في مجتمعاتهم/ــن، أو أنّ البيئة المحيطة بهم/ــنّ؛ (البيئة السياسية والاجتماعية والدينية) قد أثرت في كيفية كسب معارفهم، والحد من تطور دراساتهم، فقد تسلط الاستبداد على الثقافة، والفقه على الدين، والموروث على المجتمع، مما جعل المجتمعات المتخلفة لا تُنتج إلّا التخلف والنكوص إلى مجتمعات ما قبل الحداثة، فأنتجت "داعش" و"النصرة"، وخضعت لدكتاتورية الأنظمة الحاكمة، وبقي علم الاجتماع يراوح مكانه في المدارس والجامعات فقط.

يمكن لعلم الاجتماع، والعلوم الأخرى أن تؤدي إلى نمو المجتمعات وتقدمها، وتغيير أنماط حياتها، بشرط أن تندمج العلوم في العمل أولاً، وأن تشارك المجتمعات المعنية، من ثم، في إنتاج هذه العلوم وإنمائها وترقيتها ثانياً.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية