هل دخلت المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة كسر الإرادات؟

هل دخلت المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة كسر الإرادات؟

هل دخلت المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة كسر الإرادات؟


18/08/2026

محمد الصالحين الهوني

لم تكن نهاية المهلة التي حددها التفاهم الأميركي–الإيراني في 17 آب/أغسطس مجرد موعد دبلوماسي انقضى من دون توقيع اتفاق جديد. ما انتهى فعليًا هو مساحة المناورة التي حاول الطرفان إبقاءها مفتوحة بين الحرب والتفاوض. فبعد ستين يومًا من التهدئة الهشة، وجدت واشنطن وطهران نفسيهما أبعد عن التسوية مما كانتا عليه عند بدء المسار، بينما تحوّل مضيق هرمز من ملف تفاوضي إلى عقدة مركزية تختصر الصراع كله.

المشكلة أن واشنطن وطهران لم تعودا تتفاوضان فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات. لقد اتسعت أجندة الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا: الملاحة، النفط، الأصول الإيرانية، الوجود العسكري الأميركي، والقدرة على التحكم في مضيق هرمز. وهذا ما يجعل الأزمة الحالية أخطر من جولات التصعيد السابقة.

واشنطن تقول إن الضغط العسكري والاقتصادي يهدف في النهاية إلى إجبار إيران على تقديم تنازلات، بينما ترى طهران أن التراجع تحت الضغط يعني خسارة ما تبقى لها من قدرة على الردع. ولذلك تحاول إيران تحويل هرمز إلى ورقة مساومة: إذا أرادت الولايات المتحدة إنهاء الحرب، فعليها أن تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا. وفي المقابل، تريد واشنطن إعادة فتح المضيق من دون أن تمنح طهران مكسبًا يمكن تقديمه في الداخل الإيراني باعتباره انتصارًا. وهكذا أصبح الممر البحري نفسه جزءًا من معادلة الكرامة والسيادة، لا مجرد قضية تتعلق بحرية الملاحة.

الرئيس ترامب رفع سقف الخطاب بصورة كبيرة. فقد أعلن أن الإطار المؤقت انتهى، وطالب إيران عمليًا بالاستسلام، كما تحدث عن احتمال السيطرة الأميركية على المضيق.

لكن السياسة الدولية لا تُقاس فقط بما يستطيع الطرف القوي أن يقوله، بل بما يستطيع أن يفرضه من دون أن يدفع ثمنًا يفوق المكسب. وهنا تبدأ معضلة واشنطن. فالولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري الهائل، لكنها تواجه حربًا لا يمكن اختصارها في تدمير منشآت أو فرض حصار. وإذا تحول هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فلن تبقى تكلفة الصراع محصورة في إيران؛ ستصل سريعًا إلى أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة العالمية، والقواعد الأميركية في المنطقة.

أما إيران، فهي تواجه معضلة لا تقل صعوبة. تستطيع إغلاق المضيق أو تهديد حركة السفن، لكنها لا تستطيع تجاهل كلفة ذلك على اقتصادها وعلى الدول التي تحتاج إلى صادرات الطاقة عبر الخليج. كما أن الاقتصاد الإيراني، الذي تحمل سنوات طويلة من العقوبات والضغوط، لا يملك رفاهية حرب مفتوحة بلا نهاية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن طهران تدرك هذه الحقيقة؛ فهي لم تغلق باب الوساطة بالكامل، واستمرت الاتصالات مع عُمان وتركيا ووسطاء آخرين من دون أن تظهر وكأنها تراجعت أمام واشنطن.

وهذا تحديدًا ما يجعل عُمان وباكستان وقطر وتركيا أكثر أهمية في المرحلة المقبلة. فكلما اقتربت واشنطن وطهران من حافة الحرب المباشرة، ازدادت حاجتهما إلى طرف ثالث يستطيع توفير مساحة للتراجع من دون أن يبدو التراجع هزيمة.

والأخطر أن الحرب لم تعد محصورة في الخليج. فكلما طال الصراع، أصبحت الجبهات المرتبطة به أكثر قابلية للاشتعال. اليمن والبحر الأحمر والعراق ولبنان يمكن أن تتحول إلى مساحات ضغط متبادلة، حتى إذا لم تكن طهران أو واشنطن راغبتين في حرب إقليمية شاملة.

وهنا يجب أن تنتبه العواصم العربية إلى أن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة اندلاع حرب كبرى، وإنما استمرار حالة اللاسلم واللاحرب. فهذه الحالة تستنزف الاقتصادات، ترفع تكلفة التأمين والشحن والطاقة، وتضغط على الاستثمارات، وتضع الحكومات أمام قرارات صعبة بشأن أمنها وتحالفاتها.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في واشنطن وطهران معًا ليس “من انتصر؟”، وإنما “كيف نخرج؟” فالحرب التي لا تملك استراتيجية واضحة للخروج تتحول بسهولة إلى حرب تستمر لأنها بدأت، لا لأنها تحقق هدفًا سياسيًا.

المشكلة الأكبر أن الطرفين يتحدثان الآن بلغة مختلفة عن تلك التي تحتاجها الدبلوماسية. واشنطن تتحدث عن الاستسلام والضغط والحصار، وطهران تتحدث عن المقاومة والهزيمة والردع. وبين اللغتين تضيق المساحة التي يمكن أن تبدأ منها مفاوضات واقعية. لكن التاريخ يعلم أن أخطر اللحظات ليست تلك التي يرفض فيها الخصمان التفاوض، بل تلك التي يقتنع فيها كل طرف بأن الوقت يعمل لمصلحته.

لقد كان التفاهم الذي انتهت مهلته بمثابة محاولة لإبقاء الحرب تحت سقف يمكن التحكم فيه. لكن انهياره لا يعني بالضرورة أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. فما زالت هناك قنوات خلفية، وما زالت الوساطات قائمة، وما زالت هناك مصلحة لدى الطرفين في تجنب انفجار لا يمكن التحكم في مساره. بل إن استمرار الاتصالات غير المباشرة، إلى جانب تحرك عُمان وتركيا ووسطاء آخرين، يشير إلى أن الدبلوماسية لم تمت، وإنما أصبحت تعمل في الظل بينما تتقدم لغة التصعيد في العلن.

لكن الدبلوماسية السرية تحتاج إلى شيء أكثر من الوسطاء: تحتاج إلى قرار سياسي لدى الطرفين بأن الهدف النهائي ليس إذلال الخصم. فإذا أرادت واشنطن اتفاقًا دائمًا، فعليها أن تقدم لطهران مخرجًا يمكن تسويقه داخليًا. وإذا أرادت إيران رفع العقوبات وإعادة فتح هرمز، فعليها أن تقدم للولايات المتحدة ضمانات قابلة للتحقق بشأن النووي والملاحة والأمن الإقليمي.

لقد تغيرت طبيعة هذه المواجهة. لم تعد مجرد حرب على البرنامج النووي الإيراني، ولا مجرد مواجهة بين دولة عظمى وقوة إقليمية. إنها الآن مواجهة على من يضع قواعد الأمن في الخليج ومن يملك القدرة على تعطيل شرايين الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن هرمز هو أكثر من مضيق؛ إنه اختبار للنظام الدولي نفسه.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال في الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستعودان إلى الحرب، لأن الحرب لم تنته أصلًا بصورة كاملة، وإنما ما إذا كانتا ستنجحان في منعها من التحول إلى نموذج دائم. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب أخرى تثبت أن القوة تستطيع تدمير الأشياء؛ ما يحتاجه هو تسوية تثبت أن القوة يمكن أن تُستخدم أيضًا لصناعة التوازن.
انتهاء مهلة التفاهم ليس نهاية الدبلوماسية، لكنه بالتأكيد نهاية مرحلة من الدبلوماسية. وما سيأتي بعدها سيحدد شكل الخليج كله، من يملك حق تحديد قواعد اللعبة في منطقة لم يعد العالم قادرًا على تحمل حرب جديدة فيها؟

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية