هل خطبة الجمعة واجبة؟ وأين ذهبت الخطب النبوية الشريفة؟

الجمعة

هل خطبة الجمعة واجبة؟ وأين ذهبت الخطب النبوية الشريفة؟

مشاهدة

23/10/2018

سمّى العرب قبل الإسلام، اليومَ السادس من أيام الأسبوع بيوم "العروبة" لأنّهم كانوا يجتمعون فيه لإلقاء الشعر والخطب على المنابر، قال ابن دريد:

يا حُسْنَهُ عند العزيز إذا بدا.. يوم العَرُوبَة واستقرّ المنبرُ

وعندما جاء الإسلام، سمّاه المسلمون يوم "الجمعة" وهذا من الجمع؛ حيث كان يجتمع فيه المسلمون، وجاء ذلك بعد هجرة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، إلى المدينة، وبنائه مسجداً جامعاً للمسلمين، وقيل إنّ تحوّلَ مسمى هذا اليوم من "العَرُوبة" إلى "الجمعة" جاء قبل بعثة النبي الكريم، فعندما دخلَ، صلّى الله عليه وسلّم، المدينةَ؛ طالبَهُ أهلُها بأنْ يخطب فيهم حتى يوضّح لهم أمور دينهم بنفسه، بعد أنْ أرسل مصعب بن عمير مبعوثاً له قبل هجرته.

"وتركوك قائماً"

خطب الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، ثلاث خطب في أول يوم له في المدينة المنورة، تضمنت آيات من القرآن الكريم، ثم خطب في أول يوم جمعة ثلاث خطب، أيضاً، لحاجة أهل المدينة إلى ذلك، وفي كلّ مرة لم يكن يسهب، بل كان يبين ويوجز.

أصبح يوم الجمعة ذا خصوصية لدى المسلمين، وصارت ركعات صلاة الظهر الأربع ركعتين فقط تأتيان بعد خطبة مختصرة يوجه فيها النبي، صلّى الله عليه وسلّم، المسلمين ويرشدهم.

استغلت التيارات الجهادية والراديكالية خطبة الجمعة واستخدمتها كآلية استقطابية يمكن استخدامها مع الشخصية العربية

وذات يوم؛ عندما حضرت قوافل تجارية، ترك عددٌ، غير مقدّر، من المسلمين صلاةَ الجمعة، وانصرفوا إلى السّوق، فأنزل الله سورة "الجمعة" تضمنت هذه الآيات:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11).

رأى عددٌ منَ الفقهاء أنّ هذه الآيات تدلّ على وجوب خطبة الجمعة، وأنّها شرط لصحة الصلاة، وذهب إلى هذا الرأي فقهاء المذاهب الأربعة من؛ الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية.

اقرأ أيضاً: لماذا أوقفت المغرب خطيب جمعة؟

فسر هؤلاء الفقهاء "ذكر الله" بخطبة الجمعة، وقالوا إنّ الأمرَ "فاسْعَوا" يوجبها، وأنّ تحريم البيع في وقتها، فضلاً عن ذم من انفض عن النبي، صلّى الله عليه وسلّم، لا يكون إلا بـ"ترك واجب".

ثم فسّروا وصف المولى، عزّ وجلّ، نبيّه بـ "قائماً" بأنّه واقف يخطب خطبة الجمعة.

كما أفرد هؤلاء الفقهاء عدداً كبيراً من الأحاديث النبوية التي تدلّ على أنّ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، كان يخطب الجمعة ساعة نزول هذه الآية، كحديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما، أنّ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عِيرٌ من الشام، فانتقل الناس إليها، حتى لم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً، فنزلت آية:

"وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (الجمعة:11)

فسر الفقهاء "ذكر الله" بخطبة الجمعة وقالوا إنّ الأمرَ "فاسْعَوا" يوجبها

هل الخطبة صلاة؟

تمّ الاستشهاد، بقول النبي، صلّى الله عليه وسلّم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وربطوا ذلك بحديث ورد عن أنّه، صلى الله عليه وسلم، لم تفته خطبة جمعة قطّ، غير أنّ هناك من احتج على ذلك بقوله إنّ الخطبة ليست صلاة وبالتالي هي لا تدخل في نطاق هيآتها.

القائلون بوجوب خطبة الجمعة يرون بأنّها وإنْ كانت ليست بصلاة فهي عمل متعلق بها، ومن أجلها، ولا اعتبار لها بدونها، وقد قال بعض السلف: إنّ الخطبتين بدلٌ عن ركعتين، ويكون لهما حكم الصلاة، وإنّ من فاتته صلاة الجمعة فإنّه يصلي أربع ركعات لا ركعتين، وإنّه لو لم تكن الخطبة واجبة لما صلى أربعاً.

ابن حزم: نستحبّ للإمام أنْ يخطب الخطبتين على أعلى المنبر، مقبلاً على الناس بوجهه

ووَردَ في الأثر عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه:

"الخطبة موضع الركعتين، من فاتته الخطبة صلى أربعاً" فوجه الدلالة هنا هو قيام الخطبتين مقام ركعتين واجبتين من صلاة الظهر، لذ فالخطبتان واجبتان.

في المقابل، هناك قول ثانٍ ذهبَ إلى أنها ليست شرطاً لصحة الصلاة بل هي مندوبة، كما رأى ابن حزم الظاهري، والحسن البصري، والجويني من الشافعية، وابن الماجشون عن مالك.

اقرأ أيضاً: خطيب جمعة حوثي يبيح قتل الآباء لأبنائهم!

قال ابن حزم:

"وليست الخطبة فرضاً، فلو صلّاها إماٌم دون خطبة صلاّها ركعتين جهراً ولابد، ونستحبّ له أنْ يخطبهما على أعلى المنبر، مقبلاً على الناس بوجهه، يحمد الله تعالى، ويصلي على رسوله، صلى الله عليه وسلم، ويذكّر الناس بالآخرة، ويأمرهم بما يلزمهم في دينهم"

 

 

قوة الخطاب الشفهي

مع أن جمهور الفقهاء قد رجّح وجوب الخطبة، مع دفع القائلين بعدم وجوبها بحجج قوية، إلا أنّ خطبة الجمعة تحوّلت في العصر الأمويّ إلى ثابت وجوبيّ مقدّس.

يقول الدكتور عاصم طلعت، المتخصص في الدرس الشفهي، لــ "حفريات": إنّ خطبة الجمعة اكتسبتْ شرعيتها مع توالي عصور الدولة الإسلامية، بما في ذلك عصور القوة والاضمحلال، فباتت الرابط القوي بين الحاكم وسياسته ورعيته، حتى صارت خطبة الجمعة أحد المنابر التوجيهية والسياسية، لما لها من قدرة على شرعنة التوجيهات بثوب إسلامي، فضلاً عن كون الثقافة العربية ثقافة شفهية.

الخطاب الرسمي المؤسّسي، فغالباً ما يلجأ فيه الإمام الموظّف إلى اقتباس قول السلّف الذي قيل في ظرفية فانية

ويضيف: في ظلال روتينية خطبة الجمعة الزمنية واختصاص التوجه الثيوقراطي بهذا العمل، باتتْ خطبةُ الجمعة عملاً بيروقراطياً وظيفياً ونمطياً، يلجأ فيها الخطيب إلى نقل ما هو فائت من مخلّفات الكتب التراثية، معتمداً على نقل نصوص فقدت مصداقيتها وباتت عبر الأزمان تجريدية لا توافق الظرفية الزمنية ولا المكانية، الأمر الذي أصبح غير متوافقٍ مع الهوية العربية التي تميل إلى التوافق الزمنيّ وفق مقاضي التوافق الثقافي للشخصية العربية.

ويستطرد الدكتور طلعت، قائلاً: تلقفت التياراتُ الجهاديةُ والراديكالية تلك الحالةَ، مؤمنة بأنّ أهم آلية استقطابية يمكن استخدامها مع الشخصية العربية هي التواصل الشفهي التوافقي، والذي تعتبر الخطبة رافداً مهماً من روافده.

الخطاب الدعويّ، بعامة، عند التيارات الجهادية، كان أكثر فاعلية وتوافقاً مع الآنية الظرفية للعربيّ، لأنه يمارس الشفهية بمنهجية علمية دقيقة، حتى وإنْ كانت زائفة.

اقرأ أيضاً: هولندا: تحقيق في خطبة جمعة دعت للجهاد بعفرين

أما الخطاب الرسمي المؤسّسي، فغالباً ما يلجأ فيه الإمام الموظّف إلى اقتباس قول السلّف الذي قيل في ظرفية فانية.

ويحيل "طلعت" إلى خطبة الجمعة التي ألقاها أبو بكر البغدادي، في الموصل، والذي بيّن فيها توجهه السياسي، وأجاد توظيف الآلية الشفهية، على الرغم من اقتباسها من خطبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، في بيعة سقيفة بني ساعدة، بغية شرعنة توجه الجهادي.

من خطبة الجمعة التي ألقاها أبو بكر البغدادي في الموصل

أين هي خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم؟

رغم أنّ جمهور الفقهاء ساقَ أدلّتهُ على وجوب خطبة الجمعة، إلا أّنّنا نجد ندرةً لافتةً فيما نُقل من خُطبِ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وصحابته، على الرغم من قريحة العرب التي كان بمقدورها نقل مئات الخطب التي من المفترض أنّ الرسول الكريم قد ألقاها على صحابته في المدينة إلى أنْ توفّي.

الشيخ محمد صالح المنجد، أجاب على هذا السؤال في موقعه الرسميّ على الإنترنت، بالتالي:

"... قام جميع الرواة من الصحابة الكرام، بنقل ما حفظ في وعيه من مشاهد خاصة من سيرة النبي المطهرة، فأدّاها كما سمعها، وعلّمها بعد أنْ تركّزت في ذهنه، ولا شك أنّ الذي يتركز في الذهن، هو جزء محدودٌ من مشهد طويل، يجد فيه الرّاوي الأهمية التي بعثته حينها على حفظ انطباعه عن ذلك المشهد. فقد يحضر الصحابي معركة ما، ويقاسي فيها صعاباً عديدة، ويعاني أيضاً مشاهد جليلة، لكنّ الذي ينطبع في ذهنه منها هو ما يراه مؤسساً لفائدة مهمة للنشر ... وبهذا نعلم أنّ الرواية ليست كاميرا فيديو مسلطة على مدار الساعة ... ومن هنا يتبيّن أنّ المطالبة بالوقوف على جميع خطب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، بالرقم والتاريخ، من حين صعوده وحتى نزوله عن المنبر، هي مطالبة متكلّفة ومتعنتة لا تُقدّرُ حدّ الطاقة البشرية المتيسّرة في ذلك الوقت لعملية الاستدعاء التاريخي والتدوين التوثيقي والأرشيفي...".


الصفحة الرئيسية