هل جرى "تسمين" قرداحي سياسياً لرفع سعره عند البيع؟

هل جرى "تسمين" قرداحي سياسياً لرفع سعره عند البيع؟

مشاهدة

06/12/2021

القراءة الأولى لاستقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، تشير إلى هزيمة صافية لمعسكر حزب الله وحلفائه في لبنان والمنطقة، رغم أنّ أنصار الحزب يروجّون بأنّ المنتصر هو جورج قرداحي الذي يُنظر إليه بأنه جرى استخدام ورقته لتحقيق مقايضات ومآرب سياسية لهذا الطرف أو ذاك.

قرداحي قال في بيان استقالته الخميس: "نحن أمام تطورات جديدة فالرئيس الفرنسي ذاهب إلى السعودية، وفهمت من ميقاتي الذي قابلته قبل 3 أيام أنّ الفرنسيين يرغبون بأن تكون هناك استقالة لي قبل زيارة ماكرون إلى السعودية لكي تساعد على فتح حوار مع المسؤولين السعوديين حول لبنان".

قال رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي إنّ استقالة قرداحي كانت ضرورية بعد الأزمة مع السعودية وعدد من دول الخليج. وأكد أنّ لبنان يتطلع إلى رأب الصدع في العلاقة مع هذه الدول.

قال رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي إنّ استقالة قرداحي كانت ضرورية بعد الأزمة مع السعودية وعدد من دول الخليج

وقال في بيان إنّ الحكومة اللبنانية "ترفض كل ما من شأنه الإساءة إلى أمن دول الخليج واستقرارها"، داعياً كل "الأطراف اللبنانية إلى وضع المصلحة اللبنانية فوق كل اعتبار".

اقرأ أيضاً: هل انتهت أزمة لبنان والخليج باستقالة قرداحي... وما علاقة ماكرون؟

وبعيداً عن التصريحات البرتوكولية، فإنّ استقالة قرداحي تأتي في ظل تطورات داخل لبنان وخارجه، بما في ذلك مباحثات النووي الإيراني في فيينا.

"التسمين" السياسي

ويرى المعلق السياسي اللبناني منير الربيع أنّ "من رفضَ استقالة وزير الإعلام جورج قرادحي طوال شهر كامل، كان يريد "تسمينه" سياسياً، أو زيادة وزنه لرفع سعره عند البيع. واستُعمل قرداحي ورقة تفاوضية مع السعودية، للكشف عن الثمن الذي يمكن أن تدفعه مقابل استقالته. لكن يبدو أنّ رفع سعر الرجل، لن يؤدي إلى رفع ثمن "البيعة"، بل ترخيصه".

ثمة مَن يقرأ استقالة قرداحي باعتبارها مقايضة للتخلص من القاضي طارق البيطار الذي يحقق في جريمة انفجار ميناء بيروت. فهل تكون الاستقالة مقايضة بين رأس قرداحي ورأس البيطار؟

وكانت وكالة الصحافة الفرنسية أفادت بأنّ الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن عن مبادرة فرنسية سعودية لمعالجة الأزمة بين الرياض وبيروت.

وتذكر وسائل إعلام لبنانية نقلاً عن مصادر دبلوماسية في بيروت أنّ مبادرة ماكرون مقسمة إلى مراحل: الأولى هي كسر القطيعة والعودة إلى تبادل السفراء ووقف التصعيد ضد لبنان. والثانية هي وقف كل الحملات الإعلامية المتبادلة والتخفيف من التشنجات. والثالثة وضع إطار وخطة عمل عبر لجنة مشتركة لعلاج الشوائب في العلاقة بين البلدين.

الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن عن مبادرة فرنسية سعودية لمعالجة الأزمة بين الرياض وبيروت

وثمة مَن يقرأ استقالة قرداحي باعتبارها مقايضة للتخلص من القاضي طارق البيطار الذي يحقق في جريمة انفجار ميناء بيروت. فكل المعطيات، بحسب موقع "جنوبية" تؤكد أنّ استقالة قرداحي في التوقيت والمضمون، هي من حياكة "الثنائي الشيعي: حزب الله وحركة أمل" ورئيس تيار المردة، النائب السابق سليمان فرنجية، وبينهما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي عمل على إخراج المقايضة بين "رأس" قرداحي و"رأس" المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار، وبـ"سلاسة" ومن دون إحراج لأي جهة.

مقايضة

وتؤكد مصادر متابعة لتداعيات استقالة قرداحي أنها ستترجم داخلياً عبر المقايضة التي قام بها حزب الله والرئيس نبيه بري وفرنجية، بين قرداحي ومطلب إطاحة البيطار، الذي ذهب بعيداً في تحقيقاته بجريمة تفجير مرفأ بيروت، لكنّ الثمن المرصود لهذا يتمثل في عودة مجلس الوزراء إلى الاجتماع.

اقرأ أيضاً: بعد استقالة “قرداحي”.. هل يعود لبنان إلى الحضن الخليجي؟

ومن القراءات الأخرى التي تستبطنها استقالة وزير الإعلام اللبناني أنّ الإيرانيين أيضاً، ومع تقدم مفاوضات فيينا أرادوا، أن يقدموا "هدية" للسعودية فأعطوهم بضغط من حزب الله على فرنجية "رأس قرداحي"، فيما يرى المحلل الربيع أنّ "طهران وجدت أنها في حاجة إلى تسليف الفرنسيين شيئاً ما، لإثبات استمرار التعاون بينهما إقليمياً ولبنانياً".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة بيع جورج قرداحي لعقاراته في لبنان وتحويل أمواله إلى الخارج؟

وقد تأتي استقالة قرداحي نوعاً من الراحة التي يبحث عنها رئيس تيار المردة سليمان فرنجية. فهو لديه مشروع واضح للوصول إلى رئاسة الجمهورية. واستقالة الوزير تخدم فرنجية إلى أبعد الحدود، سياسياً وانتخابياً، فتسهم في إراحته مع حلفائه في كسروان على صعيد الانتخابات النيابية المقبلة، كما كتب الربيع في موقع "المدن".

فعندما وقعت المشكلة، اتخذ فرنجية موقفاً يفيده في علاقته بحزب الله، فضمن بذلك ثقة الحزب النهائية به. لكن الموقف إياه استدعى رد فعل سلبياً من جهات أخرى داخلية وخارجية، خصوصاً من دول الخليج.

المعلق السياسي اللبناني منير الربيع: مَن رفضَ استقالة وزير الإعلام جورج قرادحي طوال شهر كامل، كان يريد "تسمينه" سياسياً، أو زيادة وزنه لرفع سعره عند البيع

لكن بعد استقالة قرداحي، يكون فرنجية قد كسب حزب الله، وفتح الطريق لتحسين علاقته بدول الخليج، فيما يفيده أيضاً فتحه المعركة مع ميشال عون ورئيس تياره جبران باسيل.

ومنذ اللحظة الأولى كان فرنجية يعتبر أنّ عون وباسيل يريدان استغلال أزمة قرداحي لضرب علاقاته بالخارج، محاولين المراكمة عليها لتسليف مواقف ضمنية للسعودية ودول الخليج بأنهما يريدان استقالة قرداحي. لكن عون لم يعلن هذا الموقف، بل قال إنّ على قرداحي أن يعرف ما يجب القيام به. وبذلك أراد عون أن يبقى في خانة آمنة مع حزب الله.

إيران تجنّد المكونات الشيعية

ويؤكد مدير معهد المشرق للشؤون الإستراتيجية د. سامي نادر في تصريح لموقع "جنوبية"، أنّ إيران تسعى إلى تجنيد المكونات الشيعية داخل دول الخليج لخدمة سياساتها ويرى أنه "في العمق المشكلة هي علاقة لبنان بمحيطه العربي والخليجي، والسياسة الخارجية التي ينتهجها وموقعه، وهيمنة حزب الله على القرار السياسي فيه، وسياسات الحزب المعادية لدول الخليج، التي تتهمه بإنخراطه بحرب اليمن، واصطفافه إلى جانب ودعمه للمليشيات الحوثية في اليمن"، مشيراً إلى أنّ "هذا الدعم يؤدي إلى استهداف الحوثي للعمق السعودي، بالإضافة إلى نشاطات مدعومة من إيران، تهدد الأمن في الخليج كما هي حال الخلية التي تم إلقاء القبض عليها في الكويت".

ويردف نادر "اليوم إيران تسعى إلى تجنيد المكونات الشيعية، داخل دول الخليج لخدمة سياساتها، ومن حسن الحظ أنّ هناك كثيراً من الشيعة لا يتماشون مع هذه السياسة وهذا ما نراه في العراق مثلاً".
وعلى وقع "المصالحة الخليجية" المنتظرة مع لبنان، ما تزال الأجهزة الأمنية في الكويت تحقق مع مجموعة تابعة لحزب الله ألقي القبض عليها، بعد أن نشطت في تجنيد الشباب للعمل مع الحزب في سوريا واليمن.

خلية حزب الله في الكويت

وقالت صحيفة "السياسة" الكويتية في السادس الشهر الماضي، نقلاً عن مصادرها إنّ "وزارة الداخلية تلقت تقريراً أمنياً من دولة شقيقة أفاد بأنّ المجموعة مكونة من أربعة أشخاص أحدهم ابن نائب سابق، وآخر شقيق نائب سابق أيضاً، وثالث ورد اسمه في قضايا سابقة منذ خطف طائرة الجابرية في الثمانينات، ورابع يقال إنه من كبار رجال العمل الخيري".

اقرأ أيضاً: هذا خطاب رئيس الحكومة اللبنانية لإصلاح العلاقات مع الخليج بعد أزمة قرداحي

وتحظى الخلية بدعم من حزب الله اللبناني وتخزن أسلحة وذخائر في مزرعة بمنطقة العبدلي.

وعلق الكاتب الكويتي د. محمد الرميحي بأنّ أعضاء الخلية ما زالوا موقوفين في السجن، لافتاً  إلى وجوب الفصل بين المذهب والولاء السياسي. وأردف في تصريح لقناة "الحدث" أنّ المقاطعة الخليجية للبنان لم تأت من فراغ، مضيفاً أنّ الحراك اللبناني الذي بدأ في العام 2019 كان مهماً، ولكن وباء كوفيد19 عطل اندفاعته، داعياً اللبنانيين "إلى أن يختاروا بين أن يكون بلدهم دولة مؤسسات أو قندهار أخرى".

في المجمل، لم يحمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عصا سحرية إلى السعودية أفضت إلى ما أعلنه وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن "فتح صفحة جديدة" مع لبنان، كما كتب المحلل السياسي د. محمد قواس في "سكاي نيوز عربية"، فقد استثمرت باريس جهوداً دؤوبة مكثّفة مع أصحاب العلاقة، لا سيما في الرياض وبيروت وربما طهران قبل أن ترسم خريطة طريق قادت إلى ظهور أعراض أولى للمرونة السعودية.

فرنسا دولة رئيسية وفاعلة ومقررة داخل نادي "الـ 5+1 لاتفاق فيينا مع إيران لعام 2015. وفرنسا، كما يضيف قواس، دولة مبادرة، وهي التي تقود الاتحاد الأوروبي هذه الأيام، في رسم طريق ما ستؤول إليه المفاوضات الحالية. بالمقابل فإنّ السعودية دولة أساسية في المنطقة، سواء في نفوذها الإقليمي والدولي أو في علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الكبرى، أو في ما يمكن لحوارها مع إيران أن يوفّره من مدّ وجزر لطهران. على ذلك حفرت الدبلوماسية ملامح صفقة تفسّر التطوّر السعودي تجاه لبنان.



الصفحة الرئيسية