ما هو موقع تركيا في طريق الحرير الصيني الجديد؟

ما هو موقع تركيا في طريق الحرير الصيني الجديد؟

مشاهدة

19/04/2021

مع استمرار تعاظم حجم التبادل التجاري بين الصين وسائر دول العالم، أطلق الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عام 2013، المبادرة المعروفة باسم "الحزام والطريق"، أو "طريق الحرير الجديد"، وهي استراتيجية تنموية عالمية، تشمل ضخّ استثمارات لتطوير البنى التحتية في قرابة سبعين دولة حول العالم، بما في ذلك تدشين طرق بريّة، وسكك حديد، واستثمارات في موانئ ومطارات، ومن ثم تعظيم حركة الشحن التجاري عبر هذه الخطوط.

جاء طريق الحرير الحديدي ليتكامل مع مشاريع سككيّة كانت قد نفذت وافتتحت خلال السنوات الأخيرة في تركيا

من جهتها، وأمام هذا المشروع الاستراتيجي، تجد تركيا نفسها معنية أكثر من أي دولة أخرى بالاضطلاع بدور ومكانة مهمة ضمنه، وذلك باعتبارها البلد الذي يربط جغرافياً بين قارتيْ آسيا وأوروبا.

الممر الثالث.. من ممرات "طريق الحرير الحديدي"

يتضمن مشروع طريق الحرير الجديد ثلاثة ممرات رئيسية لسكك الحديد تنطلق من الصين باتجاه أوروبا، فهناك بدايةً الطريق الشمالي الذي يخترق الأراضي الروسيّة باتجاه بحر البلطيق (شمال أوروبا)، ومن ثم الممر الأوسط الذي يعبر كازاخستان، وروسيا، وبيلاروسيا، وبولندا، وألمانيا، وبلجيكا، وفرنسا، ومن ثم يمرّ تحت بحر المانش (بحر الشمال) ليصل إلى بريطانيا. ومن ثم الممر الجنوبي الذي يبدأ من الصين، ويمر عبر كازاخستان ثم يعبر بواسطة العبارات بحر قزوين ويواصل مسيره عبر أذربيجان وجورجيا، ليصل إلى تركيا، ومن ثم ينطلق منها باتجاه أوروبا. وهذه الممرات الثلاثة هي جزء من "طريق الحرير الحديدي"، والذي يضم أيضاً خطوطاً لسكك حديديّة تعبر من الصين باتجاه موانئ مختلفة في بلدان جنوب وجنوب شرق آسيا.

مسارات طريق الحرير الحديدي.. ويظهر (باللون الأصفر الفاتح) المسار الذي يعبر تركيا

وجاء هذا الخط الحديدي ليتكامل مع مشاريع سككيّة كانت قد نفذت وافتتحت خلال السنوات الأخيرة في تركيا، بدايةً من نفق "مرمراي" للقطارات الذي دُشن وافتتح عام 2013، ويعبر من تحت بحر مرمرة، رابطاً ضفتي اسطنبول، الأوروبية والآسيوية. ومن ثم جرى افتتاح خط باكو (أذربيجان) - تبليسي (جورجيا) - قارص (شرق تركيا)، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2017، والذي يتصل بشبكة سكك الحديد التركيّة، لتصبح بذلك الضفة الأوروبيّة من مدينة اسطنبول متصلة سككيّاً بشكل مباشر بدول القوقاز وحتى باكو على ساحل بحر قزوين.

في تشرين الثاني 2019، مرّ أول قطار بضائع صيني قادم الصين باتجاه أوروبا عبر الممر التركي

وكان أول قطار بضائع صيني غادر الصين متجهاً إلى أوروبا عبر الممر التركي، قد مرّ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 تحت مضيق البوسفور عبر نفق مرمراي في إسطنبول. وكذلك بدأت حركة القطارات في الاتجاه الآخر، ففي كانون الأول (ديسمبر) 2020، وصل أول قطار بضائع انطلق من تركيا إلى الصين.

تطلّع لأخذ موقع في طريق الحرير البحري

لكن تركيا لم تكتف بمرور أحد خطوط طريق الحرير الحديدي المنطلقة من الصين باتجاه أوروبا عبرها، وإنما تطلعت أيضاً لأن يكون لها موقعاً مهماً في طريق الحرير البحري. لكنها هنا وقفت في مواجهة التحدي الكامن في أنّ أهم شريك بحري للصين في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط هي اليونان؛ إذ كانت الاستثمارات الصينية قد شاركت منذ عام 2009 في تطوير ميناء "بيرايوس" (القريب من العاصمة اليونانية أثينا)، وهو أكبر الموانئ على مستوى منطقة شرق المتوسط، وبحيث أصبحت شركة "تشينا أوشن" (China Ocean Shipping Company) الشريك الأكبر في الميناء، وإثر ذلك بات الميناء مركزاً لنشاط الشحن البحري الصيني ونقطة عبور أساسيّة للمنتجات الصينية المتجهة نحو الأسواق الأوروبيّة.

انطلاق أول قطار يحمل منتجات مصدّرة من إسطنبول إلى شيان الصينية في كانون الأول 2020

يدرك الأتراك أنّ صعوبة منافسة مكانة اليونان كأهم شريك تجاري بحري للصين في المنطقة، إلا أنّهم مع ذلك يعتقدون أنّ تركيا يمكن أن يكون لها موقع مهم في "طريق الحرير البحري"، وذلك من خلال موانئها المطلّة على كل من البحر المتوسط وبحر إيجة وبحر مرمرة. وبحيث يكون دورها متكاملاً مع دور الموانئ اليونانيّة.

ترافق هذا التطلّع مع بداية فعليّة لضخ الاستثمارات الصينية في الموانئ التركيّة، كما في ميناء "كومبورت" (Gemport) المطلّ على بحر مرمرة والواقع في ولاية بورصة التركيّة، حيث قام تحالف شركات صينية عام 2015 بشراء نسبة (65%) من أسهم الميناء.

يحقق مشروع طريق الحرير الجديد مصلحة استراتيجية تركيّة تتمثل في تعزيز صلاتها مع دول آسيا الوسطى

ويبرز عدد من الموانئ التركية المرشحة لأخذ دور مهم في طريق الحرير البحريّ، بدايةً من ميناء إزمير، الواقع على بحر إيجة، على الساحل المقابل للساحل اليوناني، وهو أقرب ميناء تركي لميناء لميناء بيرايوس اليوناني، ويمكن أن يلعب دوراً في استقبال الحاويات منه ومن ثم تفريغها وشحنها عبر شبكة سكك الحديد التركية باتجاه أوروبا. ومن ثم هناك أيضاً خيار آخر مهم وهو ميناء ميناء مرسين التركي، على ساحل البحر المتوسط، وذلك باعتباره أقرب ميناء تركي إلى قناة السويس، المعبر التجاري الدوليّ الأهم.

اقرأ أيضاً: طريق الحرير الجديد… أين يقع الشرق الأوسط من قوة الصين الصاعدة؟

وتراهن تركيا على شبكة الطرق وسكك الحديد التي تمتلكها والتي تجعل موانئها مدخلاً سهلاً ومفضلاً للوصول إلى الطرق البريّة والسكك المتضمنة ضمن مشروع طريق الحرير الجديد في قارتيْ آسيا وأوروبا.

حسابات تركيّة أبعد

تسعى تركيا للاستفادة من شبكات طريق الحرير الجديد في إطار سعيها لتعزيز تواصلها السياسي والاقتصادي مع آسيا وأفريقيا، ولتعزز بذلك قدرتها على تجاوز أي قيود أو عقوبات تفرضها الدول الأوربيّة أو الولايات المتحدة الأمريكية.  والأهم بالنسبة لتركيا هو أنّ هذه الطرق تفتح مسالك جديدة ومباشرة للوصول إلى الجمهوريات التركيّة في آسيا الوسطى، بخلاف الطرق التي تمر من كل من روسيا وإيران. وبالتالي فإنّ مشروع طريق الحرير الجديد يحقق مصلحة استراتيجية تركيّة تتمثل في تعزيز صلاتها مع دول آسيا الوسطى المقربة منها والمشتركة معها في الانتماء إلى العرق التركيّ.

باللون الأزرق.. طريق الحرير البحري.. ويظهر مروره من السواحل والموانئ التركية

كلّ ذلك جعل من تركيا تُبدي رغبة كبيرة للانخراط ضمن مشاريع طريق الحرير الجديد، وذلك بدافع من آمال كبيرة بأن يؤدي ذلك إلى مضاعفة أهمية موقعها الجيوسياسي والجيواقتصادي، باعتبارها تقع في موقع مركزيّ متوسط، وتشكل جسراً رابطاً بين قارات آسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

اقرأ أيضاً: "طريق الحرير" والشرق الأوسط

إلا أنّ الانخراط والاستفادة من المشروع سيتطلب من تركيا بلا شك تقديم فاتورة وكلفة سياسية، وسيكون في مقدمة ذلك التغاضي عن مسألة الإيغور والكفّ عن التلويح بورقتهم في وجه الصين، وهو ما بدأ بالتحقق فعلاً، وعلى نحو لافت بالأخصّ منذ تشكيك أردوغان في تموز (يوليو) عام 2019 بالتقارير التي تتحدث عن اضطهاد الإيغور في الصين، خلال مؤتمر صحفي عقد في السفارة التركيّة بالعاصمة الصينية بكين،  أثناء زيارته آنذاك للصين. وخلال العام الماضي، 2020، برزت عمليات اعتقال النشطاء الإيغور في تركيا،  وحوادث ترحيل عدد من اللاجئين الإيغور من تركيا، ما أكدّ على هذا التوجه التركي الجديد إزاء قضية الإيغور خلافاً لما درجت عليه أنقرة من مواقف منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي. حيث بدا جليّاً بأنّ التنازل عن ورقة الإيغور كان ثمناً لا بد من تقديمه في إطار مساعي تحقيق المصالح.

الصفحة الرئيسية