ما سر الرسائل "الودية" التي يبعثها أردوغان لليونان؟

ما سر الرسائل "الودية" التي يبعثها أردوغان لليونان؟

مشاهدة

17/01/2021

يحاول الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، تهدئة الأوضاع مع الاتحاد الأوروبيّ، قبيل انعقاد القمة الأوروبية المرتقبة، في آذار (مارس) القادم، والتي من المفترض أن تناقش العقوبات على تركيا، في ظلّ ما تقوم به من تعديّات في شرق المتوسط والأزمة القبرصية.

اقرأ أيضاً: اللاجئون في اليونان: أطفال يعانون صدمة نفسية وينامون في العراء

يأتي هذا التخوّف التركيّ بشكل متزايد، بعد أن نفّذت الولايات المتّحدة الأمريكيّة تهديدها لأردوغان، وأقرّت العقوبات، بسبب شراء أنقرة منظومة دفاع صاروخيّ روسيّة، وفي الوقت نفسه، الذي يحاول فيه أردوغان إرسال رسائل إيجابية للاتحاد الأوروبي، أعرب بعض قادة الاتّحاد الأوروبيّ عن انتظارهم لأفعال ملموسة من الرئيس التركيّ، لا مجرّد رسائل حبّ لا تجدي نفعاً.

إلى اليونان در

يدرك أردوغان جيداً؛ أنّ تعدّياته في شرق المتوسط هي محور غضب الاتّحاد الأوروبيّ من بلاده؛ لذلك فقد بدأ رسائل التهدئة عبر دعوته التي وجهها إلى اليونان من خلال الجلوس إلى مائدة الحوار؛ حيث صرّح وزير الخارجيّة التركيّ، مولود تشاوويش أوغلو، الإثنين الماضي، بأنّ بلاده تقدّم عرضاً لليونان من أجل استئناف المحادثات التمهيدية، حول مطالباتهما البحرية المتعارضة في البحر المتوسط، وتأتي هذه الدعوة بعد أن عقدت الدولتان أكثر من 60 جولة محادثات، بين عامَي 2002 و2016، قبل أن تشتعل حدّة الأزمة خلال عام 2020.

واحتلّت أزمة شرق المتوسط حيزاً كبيراً من خريطة النزاع الإقليمي لعام 2020، رغم أنّها ليست شيئاً جديداً، وتعود نشأتها إلى فترات تأسيس الدولتين، وترتكز هذه الخلافات في جوهرها إلى عدّة قضايا، أهمّها: الخلاف حول عرض المياه الإقليمية اليونانية، إلى جانب ملكية بعض الجزر في بحر إيجة، وهي تتعلّق بالمناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق البحر المتوسط، والطبيعة غير المحلولة لأزمة قبرص، إضافة إلى هذه الأمور، تدّعي تركيا أيضاً أنّ عدداً من القضايا الأخرى، مثل السيادة أو الوضع منزوع السلاح لبعض الجزر اليونانية، ما تزال أيضاً من دون حلّ وتحتاج إلى معالجة، بينما ترفض اليونان هذه المطالب بشكل قاطع، باعتبارها انتهاكاً لسيادتها.

يلعب دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في طبيعة علاقاتها مع اليونان، وهو ما عبر عنه بجلاء حديث أردوغان حول الحوار

تتداخل المصادر التقليدية للصراع الدائر بين تركيا واليونان وقبرص بمجموعة أخرى من التوترات الجيوسياسية المتشابكة، ونزاعات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي بين تركيا ومجموعة من الدول، بما فيها فرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة؛ حيثُ أدّت اكتشافات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​والوضع الليبي المترامي الأطراف، إلى تفاقم التوترات طويلة الأمد، وفي هذه المرحلة لم يتّسع نطاق الدول المتنازعة في شرق المتوسط فحسب، بل جعل تداخل القضيّة الليبية الأزمة تتفرّع وتتعقد أكثر مما كانت عليه تاريخياً؛ حيث أصبحت ليبيا ساحة مواجهة بين تركيا ومجموعة من الدول، من بينها مصر والإمارات وفرنسا، كلّ هذه الدول انحازت لليونان في نزاعها مع تركيا.

اقرأ أيضاً: حماقات أردوغان جعلت اليونان تكسب الرهان في شرق المتوسط

أصبحت فرنسا القوة الأوروبية الأكثر صوتاً في دعم اليونان وقبرص، حتى أنّها قامت بعمليات تنقيب عسكرية مع اليونان، وأرسلت حاملة طائرات شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط ​​تضامناً معها. 

معادلة الثروة المتوسطيّة

في أعقاب اكتشافات الغاز بمناطق شرق البحر الأبيض المتوسط، من قبل إسرائيل، بين  عامَي 2009 و2010، وقبرص في عام 2011، ومصر في عام 2015 (حقل ظُهر)، أصبحت مسألة كيفية بيع الغاز إلى أوروبا ملحّة لدى كلّ هذه الدول، واستند مشروع خطّ أنابيب شرق البحر المتوسط ​​إلى تعاون أوثق بين اليونان وقبرص وإسرائيل.

ومع مطلع عام 2020؛ تمّ إضفاء الطابع الرسمي على هذا التعاون الثلاثي في ​​القاهرة، مع إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، إضافة إلى اليونان وقبرص وإسرائيل، يضمّ المنتدى أيضاً مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا، ومع ذلك، فإنّ مشروع خطّ الأنابيب المتصور والمنتدى، فضلاً عن إعادة التنظيم الإقليمي التي قامت عليها، جعل تركيا تشعر بالتهميش، دون إعادة التفكير في سياساتها تجاه اليونان وقبرص، ودورها التخريبي في الحرب الليبية؛ لذلك سعت جاهدة لمنع ظهور نظام أمن طاقة مناهض لها في شرق البحر المتوسط.

الباحث د. مصطفى صلاح لـ"حفريات": تركيا على خلاف كبير في أزمة قبرص، التي لا يبدو أنّها تنوي التهدئة أو التراجع عن موقفها بخصوصها

يأمل أردوغان ببداية عهد جديد مع اليونان، التي ترى حلّ هذه الأزمة من وجهة نظر مختلفة؛ حيث تسعى أثينا إلى تصعيد الأمر للمحكمة الدولية، بينما تريد أنقرة محادثات ثنائية بين البلدين، وهي، إن فعلتها، فلن يعدو الأمر سوى تهدئة تمارسها تركيا خوفاً من العقوبات التي يتوعّد بها الاتحاد الأوروبي، وهو ما يراه الباحث بوحدة الدراسات الإقليمية والدولية بالمركز العربي للبحوث والدراسات، الدكتور مصطفى صلاح، صحيحاً؛ إذ تختلف وجهة نظر الدولتين في طرق حلّ هذه الأزمة، وما تزال تركيا على خلاف كبير في أزمة قبرص، التي لا يبدو أنّها تنوي التهدئة أو التراجع عن موقفها بخصوصها.

اقرأ أيضاً: هل تنقل واشنطن قاعدة "إنجرليك" من تركيا إلى اليونان؟

ويتابع صلاح، في تصريح لـ "حفريات": "لُبّ الخلاف بين تركيا والاتحاد الأوروبي، هو أزمة شرق المتوسط والأزمة القبرصية، ورغم محاولات التهدئة التي تبديها تركيا في هذا الصدد، إلّا أّنّها تصعّد في قبرص، وهو ما برز من خلال تصريحات وزير الخارجية القبرصي الأخيرة حول رفض إدارة شمال قبرص التركيّة أيّة مباحثات مع الجانب اليوناني بشأن الأزمة القبرصية".

ويرى صلاح بأنه "حتّى الآن، لا جديد في الأزمة القبرصية، وبالرغم من الدعوة للحوار، فإنّ الجانب اليوناني لن يرضى إلّا بالتحكيم الدولي، وهو ما ترفضه تركيا".

ليبيا كفتيل لإشعال الأزمة

في أعقاب توقيع مذكرتَي التفاهم بين تركيا وحكومة السرّاج في ليبيا، مع نهايات عام 2019، واللتين استهدفت تركيا من خلالهما تعطيل نظام الطاقة والأمن الإقليمي الناشئ، كما عكست هاتان المذكرتان نيّة تركيا حول تعطيل أيّة مشاريع لخطوط أنابيب الغاز من شأنها التحايل عليها، بينما كان على حكومة  الوفاق تقديم هذه الاتفاقية، حتى تحصل على الدعم التركي اللازم لحربها ضد قوات الجيش الوطني الليبي، وزاد هذا الاتفاق من التوترات التركيّة مع اليونان، وهو ما دفعها لتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر، في آب (أغسطس) الماضي، والتي حدّدت السلطات البحرية لكل منهما.

يلعب دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في طبيعة علاقاتها مع اليونان، وهو ما تتكشّف دلالاته من عدّة اتجاهات، آخرها حديث أردوغان حول الحوار مع اليونان، في الوقت نفسه الذي عادت فيه الأمنيات التركيّة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مرّة أخرى، أيضاً كانت فترة السلام التّام بين أنقرة وأثينا خلال أواخر التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين،  نتيجة طبيعية ومتطلبات رؤية تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعملية الانضمام في ذلك الوقت، وكان هذا هو السبب الرئيس لدعم الحكومة التركية القوي لخطة الأمم المتحدة، التي تمّ طرحها للاستفتاء في قبرص عام 2004، بشأن توحيد الجزيرة؛ لذلك صوّت القبارصة الأتراك بنسبة 64.9٪ لصالح التوحيد، بينما صوّت القبارصة اليونانيون بنسبة 75.83٪ ضدّها، ومع توقّف عملية انضمام تركيا، تدهورت علاقتها باليونان بشكل كامل حتّى الآن.

الصفحة الرئيسية