كيف أصبحت مراكز الدراسات القاعدة الفكرية للسياسة الخارجية الأمريكية؟

أمريكا

كيف أصبحت مراكز الدراسات القاعدة الفكرية للسياسة الخارجية الأمريكية؟

مشاهدة

13/05/2020

تقترب أعداد مراكز الدراسات السياسية حول العالم من الثمانية آلاف مركز، يتواجد منها في الولايات المتحدة وحدها قرابة الثّلث، وفي عام 2013 وصلت ميزانية أكبر عشرين مركز دراسات سياسية في الولايات المتحدة إلى نحو مليار دولار أمريكي، فأيّ دور تمارسه هذه المراكز في صناعة السياسة الأمريكية؟
كارنيغي... المؤسسة الأقدم
مع اشتداد التنافس الدولي بين الإمبراطوريات الاستعمارية مطلع القرن العشرين، وبداية بروز الولايات المتحدة كقوة عالمية في أعقاب الحرب الأمريكية الإسبانية، عام 1898، والتوجه نحو التراجع عن مبدأ الرئيس الأمريكي، جيمس مونرو، القائم على اعتزال الولايات المتحدة التدخل في شؤون العالم ما وراء الأطلسي، بدأت تظهر دعوات في الولايات المتحدة تؤكد على ضرورة بلورة سياسات خارجية أمريكية قائمة على حسابات ودراسات، وبحيث تكون متوائمة مع أدقّ البيانات وأحدث النظريات العلمية، وتمكّنت هذه المؤسسات من فرض حضورها تدريجياَ.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى ازدادت الحاجة إلى مراكز الدراسات

وتعدّ مؤسسة "كارنيغي" للسلام العالمي، أقدم مراكز الدراسات الأمريكية، تأسست عام 1910، وجاء تأسيسها بمبادرة من الصناعي الأمريكي، أندرو كارنيغي، وكما يظهر من اسمها؛ كان هدفها إحلال السلام بين الأمم على مستوى العالم، وكان كارنيغي آنذاك يستشعر بزيادة حدّة الحروب بين القوى العالمية وتزايد إرهاصات التوجّه نحو حرب عالمية كبرى، مع وقوع حروب مثل الحرب بين اليابان وروسيا، عام 1905، والأزمة البوسنية عام 1908، فجاء التأسيس بهدف إرساء سياسة أمريكية تدعم جهود كبح الحرب، ودعمها بأبحاث وأوراق إرشادية وتوجيهية، ورغم وقوع الحرب بعد أعوام قليلة، وبالتالي فشل المؤسسة في تحقيقها هدفها المنشود، إلا أنّها بدأت ترسخ أقدامها خلال العقد التالي، وبدأت تكتسب أهمية وتأثير متزايد في الحياة السياسية الأمريكية، مع محافظتها على تجنب الاستقطاب والانحياز إلى أيّ من الحزبَين، الديمقراطي أو الجمهوري.

آمن كارنيغي بضرورة الدفع بسياسة أمريكية تساعد على تحقيق السلام العالمي

بروكينغز... خزان الحزب الديمقراطي
ازدادت وتيرة تأسيس الأحزاب في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وفي عام 1916؛ تأسّس معهد باسم "معهد البحوث الحكوميّة"، ثم اندمج لاحقاً، عام 1927، في معهدَين آخرَين ليشكلوا مركز الدراسات المشهور، معهد بروكينغز، المتخصص في الأبحاث والدراسات في مجال السياسة الدولية، وهو مركز أبحاث أعلن تبنّي الليبرالية، وسرعان ما ارتبط بالحزب الديمقراطي تحديداً، وأصبح مصدر تزويد الحزب بالآراء والأفكار والكوادر. وكان مؤسّسه، روبرت بروكينغز، مهتماً بتمكين الأفكار الليبرالية والترويج لها في السياسة والاقتصاد داخل النظام السياسي الأمريكي، ومع ارتباط المؤسسة بالحزب الديمقراطي سرعان ما أصبح لها اهتمام في توجيه السياسة الخارجية للبلاد، بما يتوافق مع تطلعات ورؤى الحزب، التي ارتبطت بأفكار ومبادئ مثل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعزيز الحرية الاقتصادية على مستوى العالم.

روبرت بروكينغز.. كان مهتماً بتمكين الأفكار الليبرالية داخل النظام السياسي الأمريكي

مراكز رسمية
ولم يقتصر تأسيس المراكز على المراكز المستقلة أو المرتبطة بالأحزاب، فظهر نوع رسميّ منها، ارتبط بشكل مباشر بالسلطات الرسميّة، وكان أشهرها وأقدمها مركز "الكونغرس" للخدمات البحثيّة، الذي تأسّس عام 1914، بغرض تقديم دراساته مباشرة إلى الكونغرس الأمريكي، وتركزت اهتماماته في قضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ومن مهامه تحضير الإجابات عن الأسئلة التي يطرحها أعضاء الكونغرس.
"أمريكان إنتربرايز" حاضنة المحافظين الجدد
استمر ظهور المراكز ذات التوجهات المختلفة، وعشية الحرب العالمية الثانية، عام 1938، تأسست مؤسسة "أمريكان انتربرايز" (المشروع الأمريكي)، كمؤسسة هدفها الدفاع عن النظام الرأسمالي وعن مصالح الشركات الكبرى، وسرعان ما أصبحت الحاضنة الأساسية للتيار المحافظ، وأصبحت إحدى القواعد الفكريّة الرئيسة للحزب الجمهوري، وأهم المصادر التي تزوده بالكوادر والأفكار، رغم عدم وجود ارتباط رسمي لها به، وخلال الستينيات والسبعينيات؛ كانت المؤسسة إحدى الحواضن التي تطور فيها التيار السياسي الذي عُرف بـ "المحافظين الجدد"، ويذكر الكاتب والإعلامي اللبناني، وليد شميط، في كتابه "إمبراطورية المحافظين الجدد" (2017: 148)؛ أنّه عندما وصل هذا التيار إلى الحكم، مع تولي رونالد ريغان منصب الرئاسة، عام 1981، انضم إلى إدارته اثنان وثلاثون عضواً من أعضاء المركز وباحثيه، ومن بينهم ريتشارد بيرل، أحد أقطاب التيار، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع المكلّف بشؤون الأمن الدولي، وعاد إلى منصبه في إدارة المعهد بعد انقضاء عهد ريغان، عام 1988.

ريتشارد بيرل أحد أقطاب تيار المحافظين الجدد انطلق من معهد "أمريكان إنتربرايز" إلى إدارة ريغان

مؤسسة راند.. الحرب الباردة وضروراتها
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى، ازدادت الحاجة إلى مراكز الدراسات وازدادت أعدادها، مع ازدياد الملفات والساحات الدولية التي كان للولايات المتحدة أدوار ومواقف مباشرة إزاءها، بالتالي؛ زيادة حاجة صانعي القرار الخارجي الأمريكي إلى المعلومات والاستشارات، مع تزايد الأزمات وتتابعها خلال "الحرب الباردة".

تصاعد دور مراكز الدراسات بعد هجمات 11 سبتمبر مع اتجاه صانعي القرار للبحث عن تفسيرات للهجوم

وبدأ يظهر نوع من المراكز شبه الرسميّة، التي ارتبطت بعلاقة مع الحكومة الأمريكية، عبر تعاقد أحد الأجهزة الرسمية مع هذه المراكز للقيام ببحث مقابل التمويل، وكانت مؤسسة "راند" من أشهر مؤسسات هذا النوع، وتأسست عام 1948، كمؤسسة غير ربحيّة تتلقى التمويل من سلاح الطيران الجوي، وتميّزت بعلاقتها الخاصّة بالبنتاغون، وتبنت المؤسسة منذ تأسيسها مهمة مساعدة الدولة في حماية المصالح الأمنية، ونشرت دراسات في تحليل النظم والتفاوض الإستراتيجي ونظريات الردع والاحتواء، وشكّلت هذه المفاهيم الأساس الذي بنت عليه الولايات المتحدة سياستها الخارجيّة طيلة الحرب الباردة.

صورة تعود لعام 1966 يظهر فيها باحثون من معهد راند وهم يضعون مخططات السياسة الخارجية الأمريكية

معهد واشنطن... حضور اللوبي الصهيوني
إضافة إلى المراكز المرتبطة بالأحزاب؛ ظهر نوع آخر من المراكز المرتبطة بجهات محددة، وتحديداً بجماعات الضغط والمصالح، وأشهرها المركز المرتبط باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي تأسس عام 1985، بمبادرة من قبل لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية "الإيباك".
وتتركز الدراسات والتوصيات التي يقدمها هذا المركز على التزام الولايات المتحدة الأمريكية بدعم "إسرائيل"  والالتزام بحماية أمنها القومي، ومن الأمثلة على ذلك؛ الدراسة المشهورة، التي أصدرها عام 2000، بالتزامن مع وصول الرئيس الجمهوري المحافظ، جورج بوش الابن، إلى منصب الرئاسة، والتي جاءت بعنوان "الملاحة وسط الأنواء: أمريكا والشرق الأوسط في القرن الجديد"، وشارك فيها اثنان وخمسون مسؤولاً، شغل سبعة منهم مناصب عليا في إدارة بوش الابن، وشدّدت على التمسك بالحلف مع "إسرائيل" ودعوا إلى "التعامل مع الدولة العربيّة المعتدلة ومواجهة الدول المتطرفة".

يلتزم معهد واشنطن بتقديم توصيات وتقارير توجّه نحو الالتزام بالحلف مع "إسرائيل"

مشروع القرن الأمريكي الجديد
كما ظهر نوع خاص من المعاهد التي تبنت مشاريع وقضايا محددة بذاتها، ومن الأمثلة المشهورة: معهد "مشروع القرن الأمريكي الجديد"، والذي تأسس عام 1997، وأصدر دراسة بعنوان "اختراق نظيف: إستراتيجية جديدة لحفظ أمن المملكة"، والمقصود بالمملكة "إسرائيل"، وقد أعد الدراسة فريق من المحافظين الجدد برئاسة ريتشارد بيرل، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع ورئيس مجلس السياسات الدفاعية في إدارة بوش، ودَعَت الدراسة إلى إسقاط النظام العراقي (وهو ما تمّ عام 2003)، ومن ثمّ بناء تحالف يحاصر سوريا ويمهّد لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط.

من أقطاب معهد مشروع القرن الأمريكي الجديد: ولفوفيتز وتشيني ورامسفيلد وريتشارد بيرل

ما بعد 2001.. حضور وتأثير متزايد
تصاعد دور مراكز الدراسات، بعد هجوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001، مع اتجاه صانعي القرار للبحث عن تفسيرات للهجوم فتحولوا بأنظارهم للمراكز البحثية، ووجد خبراء ومحللو المراكز طريقهم لوسائل الإعلام، وأصبحوا يتمتعون بظهور إعلامي أوسع.
وكتعبير عن مدى تأثير مراكز الدراسات، ذات التوجهات المحافظة تحديداً، على إدارة الرئيس جورج بوش الابن آنذاك، كان عدد من أسماء كبار مسؤولي إدارته، ممن عملوا في مراكز الدراسات هذه، مثل نائب الرئيس ديك تشيني، وبول أونيل وزير الخزانة، وديفيد فروم، كاتب خطاباته، الذين عملوا سابقاً كباحثين في مركز "أميركان إنتربرايز".
ومع نهاية عهد بوش؛ أصدر معهد راند للدراسات، عام 2007، دراسة موسعّة، بعنوان "بناء شبكات الاعتدال الإسلاميّ"، دعت إلى تبني الولايات المتحدة إستراتيجية إزاء الشرق الأوسط تقوم على دعم وبناء وإقامة علاقات مع التيارات الإسلامية، التي تتبنى رؤى تتوافق مع القيم الليبرالية الأمريكيّة، وبناء على ذلك توجه الرئيس باراك أوباما، منذ بداية رئاسته، إلى تقديم خطاب جديد، أطلقه في زياراته إلى منطقة الشرق الأوسط، يقوم على التقارب مع النسخة المعتدلة من الإسلام.

أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في زيارة إلى جامع السلطان حسن في القاهرة عام 2009

وتتبع مراكز الدراسات آليات عدة للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، من تشجيع الباحثين المرتبطين بها على تقديم المحاضرات في الجامعات، إلى تقديم شهادات في لجان الكونغرس، وتوجيه دعوات لصانعي القرار للمشاركة في ندوات وورش مغلقة وتزويدهم بملخصات سياسية ودراسات، إضافة إلى المساهمة في صياغة برامج المرشحين للمقاعد النيابيّة والرئاسيّة، والظهور في وسائل الإعلام المرئي، وكتابة المقالات في الصحف، ونشر الأبحاث في المجلات.

الصفحة الرئيسية